الناقد فخري صالح في (عين الطائر) له فضل التنويه بمنجز ما بعد الحداثة وفن العمارة

شكيب كاظم
2017 / 7 / 4

أتابع ما يكتبه الأديب والناقد فخري صالح، ما أمكنني إلى ذلك سبيلاً، لأني أجد فيه صوتاً نقدياً مخلصاً وجاداً، واتناغم معه فكرياً وروحياً.

ولقد اقتنيتُ منذ سنوات كتابه (دفاعاً عن إدوارد سعيد) فأنا مهتم بما كتبه إدوارد سعيد، أو ما كتب عنه، وإذ عثرتُ على كتابه النقدي الذي سماه (عين الطائر. في المشهد الثقافي العربي) فقد اقتنيته وقرأته فهو من الكتب التي أسميها بـ(الكتب المحظوظة) وأعني بها الكتب التي تقرأ حال شرائها، او بُعَيْدَ شرائها، عكس كتب تبقى ثاوية في المكتبة زمناً قد يطول من غير ان تمتد يدٌ لها، وتظل ترنو اليك معاتبة، سائلة عن زمان فك أسرها بقراءتها؟!

ما يميز كتابات الناقد فخري صالح، هذا التكثيف غير المخل، ولعل السبب يعود الى حيز كتابته الصحفية، فهو يكتب العمود الصحفي الذي غالباً ما تكون مساحته وعدد كلماته محددة، او لعلها فطرةٌ فطرها الله عليها. وأستمر على هذا النهج في مقالات كتابه هذا (عين الطائر) التي يوضحها لنا نحن قراءه ” إنه اسلوب يقترب من زاوية نظر عين الطائر حيثُ نكوّن في نظرة خاطفة سريعة، موجهة من نقطة بعيدة عالية، فكرة عن الأشياء والموضوعات يصعب على القراءة المنشغلة بالتفاصيل وحواف النصوص أن تتوصل اليها” مقدمة الكتاب ص5.

وإذ أوضح لنا، أن مقالاته هذه التي توزعت على خمسة مناح ثقافية ومعرفية هي:

1- أحوال الثقافة العربية ومشكلاتُها.

2- الشعر وأحواله واثرُه.

3- الرواية العربية ومشكلاتُها.

4- النقد وغربته ومعضلاته.

5- ثقافتنا وثقافتُهم.

أوضح أنها نشرت في صحف (الدستور) الأردنية و (الحياة) اللندنية، و(الخليج) الإماراتية، ومجلة (عمان) الأردنية، وعدد آخر من الصحف والمجلات العربية، فإني كنت أتمنى عليه، زيادة في التوثيق والتدقيق، أن لو أشار إلى مكان نشر كل مقال من مقالات هذا الكتاب وزمانه وهو ما دأب عليه الكثير من الكتاب والباحثين.

لماذا تأخر المسلمون؟

وإذ بقينا منذ أن أطلق الأمير شكيب أرسلان (1869-1946) سؤاله الملتاع (لماذا تأخر المسلمون. ولماذا تقدم غيرهم؟) في اربعينات القرن العشرين، فإننا مازلنا نطلق السؤال ذاته، لماذا تأخرنا وتقدم الآخرون، وهو السؤال عينه الذي يسأله الناقد فخري صالح من خلال العديد من مقالات كتابه هذا (عين الطائر) ليؤكد متسائلاً: “وسوف يلاحظ القارئ ان هذا المأزق يلقي بظله، وينوء بكلكله، على المقالات جميعاً، بغض النظر عن زمان كتابتها أو موضوعاتها أو أشكال التعبير التي تقوم بقراءتها، إنه سؤال أساسي يفرض نفسه لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ لماذا بقيت الأسئلة التي سألها أسلافنا في نهايات القرن التاسع عشر حائرة تبحث عن أجوبة؟ لماذا بقيت الحداثة المرغوبة محشورة في الأشكال التعبيرية ولم تنتقل الى العيش اليومي”. من المقدمة . ص6.

في الكتاب النقدي الجميل هذا (عين الطائر) يقدم الناقد والباحث الأردني فلسطيني الأصول فخري صالح مقالات مكثفة عن : نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس وسميح القاسم وإبراهيم نصر الله، ونجيب محفوظ وإدوارد سعيد وغالب هلسا، وإبراهيم أصلان، ومحمد زفزاف، وكوته، وبورخس، وناظم حكمت، وصموئيل هنتنكتون، وفوكو ياما الياباني والأمريكية اليهودية سوزان سونتاك، فانه يتحفنا بمقال عن الناقد المصري المغترب (إيهاب حسن).

من هو إيهاب حسن؟

إذ أفاجأ بعدم معرفتي بمنجز إيهاب حسن، ولم اقرأ شيئاً من كتاباته، وآسف والذي يعد – كما يذكر فخري صالح- من بين قلائل بشروا بحركة ما بعد الحداثة والفن والعمارة، المولود بمصر سنة 1925، وغادرها في الأربعينات، ولعل عدم معرفة القراء العرب بإيهاب حسن وكتاباته يعود إلى الكسل المتوارث في الترجمة عندنا. فلم يترجم إلى العربية شيء مما كتب إيهاب حسن، فضلاً عن أنه لم يحسن تقديم نفسه الى القراء ودور النشر، فظل يعيش في عزلة مؤلمة وقاسية، وإذ يستوقفني مقال الناقد فخري صالح عنه، فإني الجأ إلى الأنترنت لأقرأ أن أحد كتبه قد ترجم إلى العربية، وعرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب بداية عام 2015، وعنوانه (دورة ما بعد الحداثة) ترجمه محمد عيد إبراهيم ونشرته مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهرة، وإذ فوجئتُ واسفت – كما ذكرت آنفاً – بعدم طرق إسمه لذاكرتي، فأني أفجع إذ أقرأ أنه رحل في 10 من أيلول /2015. لأقرر أني قرأت نعيه، وإذ كان أسمه عابراً ولم يستقر في تلافيف ذاكرتي، فكان نعيه عابراً أيضاً.

إذن، فسبب عدم معرفة القراء والباحثين في الوطن العربي به، يعود لسببين – كما ذكرت آنفاً – هما كسل حركة الترجمة، فضلاً عن أن إيهاب حسن، لم يستطع تقديم نفسه للقراء العرب، وأراه مترفعاً متعالياً عليهم، قاطعاً كل أواصر العلاقة بهم، فهو لم يزر بلده، أو أي بلد عربي منذ أن هاجر من مصر منتصف أربعينات القرن العشرين، كما أنه ينكر هويته الأصلية، فأذ ظل المهاجرون الى الولايات المتحدة الأمريكية، يشيرون الى أصولهم، ومن ذلك ما يعرف بـ (الامريكيين العرب)، أو (عرب أمريكا) فأن إيهاب حسن، ظل يقدم نفسه بوصفه أمريكياً فقط! في حين ظل المفكر الكبير إدوارد سعيد (1935-2003) يقدم نفسه بوصفه أمريكياً من أصول عربية فلسطينية.

عزلة محسن مهدي المنتجة

عزلة إيهاب حسن، تذكرني – وهي عزلة حميدة منتجة- بعزلة باحث عراقي رصين، هو الدكتور محسن مهدي (الميالي)، اختص بمباحث الليالي العربية، كما يصفها الغربيون، أي الف ليلة وليلة، غادر العراق، منذ نهاية أربعينات القرن العشرين، وأستقر في أمريكا أستاذاً في جامعة هارفارد العريقة، وظل معروفاً في الغرب، وفي بعض الدول العربية، ومنها مصر، وغير معروف في العراق بلده – حتى على مستوى المختصين – وقد رأيته- مصادفة يوم الجمعة 31/ تشرين الأول / 1975 لدى مشاركته في مؤتمر أقامه العراق احتفاءً بذكرى أبي نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي (260-339هـ) عقدت حلقاته الدراسية على قاعة الجامعة المستنصرية، وفي هذه الحلقات تعرفت لأول مرة على الترجمة الفورية، إذ زوّدونا بجهاز متصل بسماعة، فكنا ننعم بترجمة فورية للبحوث التي تلقى بمختلف اللغات، إذ شارك فيه عددٌ من مستشرقي العالم وباحثيه، فضلاً عن دارسين عراقيين وعرب. وقد توفي الباحث الدكتور محسن مهدي، ابن مدينة كربلاء في 13/من تموز/2007، وكنت وقتها نزيل حمص السورية، وما تركت وفاته أثراً في بلده لطول نأيه عنه، لا بل لم يزره إلا في هذا المؤتمر! في حين أقامت له مصر احتفاء يليق بجهده العلمي ومنجزه!