درس في ثورة الريف العطيمة

امال الحسين
2017 / 7 / 3

من أجذير إلى إمزورن مرورا بتماسينت وبني بوعياش .. تاريخ حافل بالدروس الثورية، تاريخ شعب يهوى الحرية ويأبى الخضوع.

لما قام قائد ثورة الريف العظيمة محند بن عبد الكريم الخطابي بحشد جماهير الفلاحين لمواجهة الإمبريالية كان يعي جيدا أنه يؤسس لتاريخ ثوري، كانت تجربته بإدارات الإمبريالية الإسبانية قد علمته إلى أي حد لا يمكن لأي ثوري أن يقبل خدمة الإستعمار، أدرك جيدا مفهوم الدولة كأداة طبقية فاختار بناء دولة طبقة الفلاحين في مواجهة دولة الإمبريالية، كانت قوة الفلاحين هائلة بحكم خبرتهم الطويلة والكبيرة بمنطقة الريف ذات التضاريس الجبلية التي نحتت في جباهم معنى الحرية، وامتزجت بفكر قائد مثقف يهوى حمل القلم والبندقية بحثا عن الحرية في تجلياتها الواسعة ألا وهي امتلاك أداة قهر الطبقات : دولة الفلاحين.

لم يكن لانتصار ثورة الريف العظيمة أن يمر دون طبع التاريخ في عصر الإمبريالية وكان انتصارا لكل الشعوب التواقة إلى الحرية، إنتصار أنتج صياغة جديدة للمقاومة الشعبية المسلحة ضد الهيمنة الإستعمارية الإمبريالية، إنتصار لقن المستعمر درسا جديدا من دروس المواجهة المسلحة بصيغة جديدة حقا، وكان القائد العظيم المنظر لهذا الإنتصار يعرف جيدا إخفاقات ثورة الجنوب في السهل أمام الإمبريالية الفرنسية، ولم يتحقق صمودها إلا بعد احتمائها بجبال الأطلس الصغير في أوساط أيت باعمران الصامدة، وكان قائد ثورة الريف العظيمة يعي جيدا موقع الجبال في بناء صمود مقاومة الفلاحين ضد قمع الدولة الإمبريالية.

لم يكن لانتصار ثورة الريف العظيمة أن يتحقق لو لا وعي قائدها العظيم بقدرة قوة جماهير الفلاحين على إبداع أشكال جديد من العقيدة العسكرية لم تعرف في تاريخ الحروب من قبل، وصلت إلى حد تصبح فيه قوة جماهير الفلاحين قادرة على بناء دولتهم المستقلة كأداة لقهر الإستعمار الإمبريالي، بناء دولة الفلاحين بمفهومه الجديد في ظل السيطرة الإمبريالية في أوج نهوضها كمستوى أعلى للرأسمالية، ولم يكن للدولتين الإستعماريتين الفرنسية والإسبانية أن توحدا قوتهما إلا لما شرعت دولة الفلاحين الثورية في بناء أسس الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، التي ترى فيها الإمبريالية تهديدا لمشروعها الإستعماري بالبلدان المضطهدة بإفريقيا.

لم تنته دروس ثورة الريف العظيمة بعد سحق الإمبريالية لجيوش الفلاحين وتدمير أسس دولتهم الحرة إنما انطلقت دروسها لتعم باقي البلدان المضطهدة، ولم ينته دور قائدها العظيم بتسليم نفسه أسير حرب إنما استمرت دروسه بمنفاه باعتباره ملهم الحرب الشعبية ضد الإمبريالية، وأسس بذلك مدرسة العقيدة العسكرية الثورية الجديدة يستفيد من دروسها كل ثوار العالم وعلى رأسهم الماركسيون اللينينيون بالصين والفيتنام، ولم تحول يوما الهزيمة أنظار القائد العظيم عن الثورة بالريف إنما عمت أنظاره الثورات بكل البلدان المضطهدة، فكان انبعاث المرحلة الثانية للثورة في سنوات 1950 بإطلاق أول رصاصة في جبال الأوراس على يد تلميذه حدو أقشيش إعلانا لاستمرار مشروعه الثوري الجديد.

واستمرت دروس ثورة الريف العظيمة عبر حركة التحرر الوطني بشمال إفريقيا التي واجهت المشروع الإستعماري الجديد، وكان أول درس لها في جبال الريف الثوري في استمرار للعقيدة العسكرية الثورية بقيادة تلامذة القائد الثوري العظيم، ليمتد الدرس الجديد في الثورة إلى جبال الأطلس الصغير من جديد، ويؤكد التاريخ أن الجنوب والشمال صنوان في خندق واحد يسمى الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، ولم يكن للإمبريالية أن توقف زحف الثورة نسبيا إلا لما تكاملت شروط التحالف الإستعماري الجديد المتجسد في الدولة التبعية بجميع أركانها السياسية والإقتصادية والثقافية والعسكرية، واستمرت دروس ثورة الريف العظيمة في أشكال ثورية جديدة في صيغة انتفاضات شعبية آخرها ما نسميه اليوم الحراك الشعبي بالريف.

لم يكن لدروس ثورة الريف العظيمة أن تستمر إلا باستمرار الهيمنة الإمبريالية في أشكال استعمارية جديدة ببلادنا والتي يجب مواجهتها بأشكال ثورية جديدة، فكان الحراك الشعبي بالريف أرقى هذه الأشكال الثورية الذي استنهض الجماهير الشعبية والذي تميز بانخراط المرأة الريفية الثورية فيه، الشيء الذي أعطى إشارة تاريخية كبيرة وهي أن دروس ثورة الريف العظيمة قد تعمقت فعلا في أوساط شعب يهوى الحرية ويرفض الخضوع، وكان للشباب المثقف الواعي دور كبير في تصليب العمود الفقري للحراك الشعبي بالريف مما جعل الدولة التبعية للإمبريالية تظهر في مظهر من الهشاشة التامة رغم القمع والإعتقالات والمحاكمات والإدانات والمساومات.

لم يكن للحراك الشعبي بالريف أن يستمر لولا تكامل الشروط الذاتية والموضوعية لانبعاث القوة الثورية بالريف من جديد بعد تعميق الهوة بين الجماهير الثورية ودولة الإستعمار الجديد، دولة الكمبرادور والملاكين العقاريين الكبار المسيطرين على الرأسمال المالي الكمبرادوري المندمج في الرأسمال المالي الإمبريالي المهيمن على التجارة والصناعة والفلاحة والخدمات ببلادنا، الدولة اللاوطنية اللاديمقراطية اللاشعبية المدعومة من طرف الإمبريالية الفرنسية، فكانت زيارة ماكرون في أوج احتداد الصراع الطبقي بالمغرب إشارة كبيرة لدعم القمع الدموي للجماهير الشعبية بالريف ضد إرادتهم القوية في الحرية والديمقراطية.

وتستمر دروس ثورة الريف العظيمة في أشكال جديدة للإنتفاضة يقودها الشباب المثقفة الثائر في تحد كبير لوسائل القمع الطبقية وعلى رأسها الوسائل الثقافية، التي يشكل فيها المثقفون الأكادميون بالدواويين والوزارات والجامعات والأحزاب الإصلاحية والنقابات والجمعيات التابعة لها .. أبواقا لترويج السلعة الفاسدة للمنظور التنموي الإستعماري الجديد، من أجل تحويل الشعب المغربي عن المطالب السياسية الأساسية وعلى رأسها الحرية والديمقراطية، المشروع الذي يرتكز على استغلال العمال والفلاحين والثروات الطبيعية وتأسيس البنية التحية للإستعمار الجديد : الموانيء والمطارات والسكك الحديدية والطرق السيارة والإتصالات .. ومؤسسات القمع المتعددة.

وتستمر دور ثورة الريف العظيمة في السعي إلى بناء الإنسان المتحرر الرافض للخضوع والتواق إلى الحرية والديمقراطية، في صيغة ثورية جديدة يشترك فيها الرجال والنساء جنبا إلى جنب ضد اضطهاد الدولة الإستعمارية الجديدة، في أفق بناء تحالف العمال والفلاحين بأداتهم الثورية القيادة التنظيمية الثورية لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية.