سيمياء اللحم لدى الإنسان العام

سامي عبد العال
2017 / 7 / 3

كيف يتحول " لحم الإنسان " إلى علاماتٍ دالةٍ ثقافياً ؟ وهل ثمة فارق بين اللحم الحي وبين اللحم الثقافي( الاجتماعي– الديني )؟ بالفعل يحس البشرُ أنَّهم يمتلكون أجساماً حيةً. كذلك يستجيبون لغرائزها واحساسها بالكائنات والأشياء والعالم. فالأجسام هي اللحم المرئي visible flesh لما هم عليه من وجودٍ. حيث تُنقش عليها آثار الحركة والأنشطة في الواقع. لأنَّها تختزن طاقة ذاتية تتوافر لأصحابها ضمن مرحلةٍ أو أخرى. والأجسام - بالمقابل- قد ترسم مجالَ إرادتهم لتصبح أجساداً تعكس الأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. أي تستحيل الحياةُ داخلهم إلى مادة تفترض تقاليد وأطراً تكيف تغيراتها.

من جهةٍ أخرى تتمرد الاجسام وتعْرِض ما يخرج – من خلالنا- معلنةً تحديَّاً لخلفيات ثنائية الذكورة والأنوثة عندما تتقولب على نحو تقليديٍّ. إزاء ذلك تظل المجتمعات باختلاف أدواتها حائرةً تجاه اللحم السيميائي. تراه مصدراً خطيراً لما سيأتي به المستقبل. وهذا يتوقف على تنويعات اللحم كعلامة، أي كمظهر وتجربة وشكل وحقيقة واستراتيجية وأخيراً كحبر لتلوين الوجود ضمن الحياة. وتتوقف أيضاً على احتمالات المرونة التي توجد بها قدرات لحم الإنسان على إنتاج المعاني.

بالتالي يأتي اللحم كتجلٍّ لإنسان عام. لأنه إنسان يقف بين – بين، داخل – خارج، ما قبل- ما بعد. أي بين ذاته وبين خطوط عرض وطول الثقافة التي يمتلئ فيها بهذا الوجود اللحمي الكلي. ومنذ يومه الأول يشكل الإنسان متصلاً لحمياً يمتد إلى النظر المغاير. هذا الذي يحيله بعداً ذا شكل ولغة. بحيث يمكن أنْ يدخله في حوارٍ- سلباً وايجاباً- مع الأفعال العامة التي ينخرط فيها.

المسألة بأفكار يورجين هابرماس أنَّ اللحم يدخل كتيمة تواصل لها شفراتها ووحداتها التعبيرية تجاه أصعدة المجتمع معرفياً وسياسياً واقتصادياً وفكرياً. حتى يغدو اللحم تراثاً حاضراً بالنسبة للأفراد والجماعات إذ يعكس درجات التفاعل والتنوع. وفي ذات الوقت يحمل مورثات بيولوجية ومعرفية تميز الجماعات البشرية. لأنَّه كاستراتيجيات ليس إدارة لجسد فردي بل لجسد المجتمع ككل. إنْ لم يكن لجسد الحياة ذاتها. فالموت هي نفي للحمية الإنسان من جهة نفوقه وذهاب نفوذه وتحلُّله النوعي.

وفي هذا تمثل سيمياء اللحم semiotics of flesh علامات قابلة للدلالة والإحساس بطرقٍ مختلفة. والعلامات ليست حالة انفعال وقتي عابرٍ. لكنها تُستدعي ما في الآخر من مشاركةٍ في زخم الحياة. إذن لماذا يتفاعل انسان حياتياً مع سواه؟ لأنَّه ما كان ليعتبر إنساناً من دون غيره. صحيح اللحم المرئي ليس جسمه فقط وقد يذهب به بعيداً. لكنه الأثاث المرئي الذي يتداخل مع الحس المباشر. بمعنى أنَّ اللحم تجربة وجودية نافذة بوصفه كوناً من أنسجة وأربطة عصبية نافذةً إلى الظواهر بطاقات نفسية وحياتية.

تبرز الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر Judith Butler الاختلاف بين الأنثى والمرأة. مصطلح "أنثى" مجموعة مطابقة للذات وثابتة من المعطيات الطبيعية، ( وهو مرتبط بالاختلافات الكروموسومية )، بينما يفيد مصطلح "امرأة" مجموعة الأنماط والصيغ المتنوعة التي تُكسب تلك المعطيات معناها الثقافي. إذن تكون الأنثى كذلك أنثى بقدر ما يؤكد الرابط اللغوي " تكون" علاقة ثابتة ومطابقة لذاتها( الأنثى تشريحياً مطابقة لذاتها). أي أنَّ الواحدة تكون أنثى ومن ثم لا تكون جنساً آخر.

بجانب ذلك ترى جودث بتلر أنَّ الجندر هو التأويل الثقافي النسبي للجنس. وهو يخلو من الثبات والانغلاق اللذين يميزان أية هوية بسيطة. أن تكون جندراً - سواء رجلاً أم امرأة أم غير ذلك- هو أنْ تنهمك في تأويل ثقافي للجسد باستمرار. وبالتالي تتموضع بشكل ديناميكي داخل حقل الإمكانات الثقافية. يجب أن يُفهم الجندر كصيغة لتبنّي أو تحقيق الإمكانات، كفاعلية تأويل للجسد وإعطاءه قالبه الثقافي. بكلمات أخرى، أنْ تكون امرأة مثلاً هو أنْ تصبح امرأة. ليست القضية خضوعاً لحالة أنطولوجية راسخةٍ يولد الفرد معها امرأةً، بل عملية انتزاع appropriating وتأويل وإعادة تأويل إمكانات ثقافية جارية.

هذا يعني التفرقة بين نوعين من اللحم الذي نحمله.

أولاً: هناك لحم "الجسم الحي" الذي هو نحن. ويبدو أننا كـ ( ذكر ) و( أنثى ) و( جنس آخر) لا يستطيع المجتمع وصولاً إليه. ولهذا يُوضع تحت المراقبة حينما يمارس الإنسان متطلبات جسمه وأهواءه وغرائزه ورغباته. لأنه ببساطة يشعرنا بكياننا الفعلي. ويمثل المجرى الدائم لطبيعة الإنسان داخل ذاته. فلا يوجد فاصل من أي نوعٍ بينه وبين نفسه. ويبقي طي التحول الذي يرجع في المقام الأول إلى المرء. ويُملي عليه توازناً نفسياً وبيولوجياً.

وبالتأكيد يمتلك الكائن القاطن داخل الجسم القدرة على تحقيقه دونما تناقض في تلك اللحظة. بحكم أنَّه المعبر من أقصر الطرق عن الوضع الطبيعي لما يكونه. ويشعر بالانتماء إليه بعيداً عن أية مراسيم. ويصبح موضوعاً للإشباع بين حالة وحالة بيولوجية من الأقرب إلى الأبعد. فالرغبات- رغم خصوصيتها- نادراً مما تتوافق مع سواها في المجال الاجتماعي. وبالتالي فالجسم فعل ذاتي يفرض علينا إدارته يومياً كما هي طاقاته النوعية. ويختلف من فرد لأخر بحيث يكون الشخص مستغرقاً في وجوده. وبحيث يغدو قادراً على التعبير عن نفسه وفقاً لرغباته الخاصة.

هنا اللحم يعد علامة لحيوية الأنا داخل العالم. بسبب أن الأنا دال يتحرك في محيطه تبعاً لما يرتئيه. ويعود إذا احساسه في المواقف الإدراكية والحركية. ويكتسب الأنا تميُزاً حميماً بحيث يقرر ماهيته. ليؤكد باستمرار كيف يكون بالحال المناسب له. فالذكر يقرر لحمياً ما عساه أن يأخذ من أدوار وكذلك الأنثى تنحو ذات النحو.

لأنَّ تكوين اللحم له الممارسة الأولى في حياة الفرد. فالإحساس بالجسم يرتبط بماهية الحياة ذاتها. وعندما يقول المرء ( أنا) تنطبع في وجودة تلك المساحة من انطولوجيا جسده. حتى أنَّ الاعتداء على جزءٍ منه يعتبرُ اعتداءً بالغ الأثر. لأنّ ألماً يقع بلحمه الحي يشحن ذاكرته الحسية مرات لا تنتهي. وربما لا يدرك أبعاد الاعتداء المعنوي مثلما يجري الاعتداء السابق. فاللحم له ذاكرة حيوية توازي تاريخاً من الأفعال التي يشهدها في حياته.

ثانياً: اللحم الرمزي... وهو يرتهن بطبيعة الثقافة وتراثها. لأن الشخص هو ذلك التجسد في جسم قيد التشكيل. ومن ثم فقد نُدخل عليه صوراً لا متناهية مع المناسبات والأزمنة والأماكن والطقوس والأعمال. وهي تهدف في النهاية إلى نحت وجوده الاجتماعي الأكثر دلالة بالنسبة للآخرين.

ولهذا يطلق على لحم المرء جسده ووجهته. لأنه الشخص بمثابة افتراض خارج ذاته. وقد جاء كتأويل متجلٍّ بالنسبة للحياة العامة. الجسد هو تأويل اجتماعي حتى يستطيع امتلاك امكانات الثقافة كما تذكر جودث بتلر. ونظراً لكونه نقطة التقاء فمن السهولة اعتبار الجسد داخلاً تحت الـ " نحن". لدرجة أن هناك في المجتمعات هوساً بتعميم اللحم. أي جعل الأجساد بمثابة الغطاء السائد من العلاقات المادية بين الأفراد. وذلك من خلال الأزياء وسيادة النمط في طرائق المشي والأكل والمصافحة والتقبيل في المجال العام.

وبالطبع تختلف ممارسات اللحم من ثقافة إلى غيرها. ففي الثقافة العربية مازالت الاجساد تعلن ترهلها غير الملائم لاتجاهات الحياة السريعة وآفاق العمل. صحيح الجسد خارج ذاته على الدوام لأنَّ كلَّ لحم في حاشية الجسد يخضع لقيود المعاني والرموز السائدة. لكن في المجتمع العربي ترتبط الأجساد بأزياء أقرب إلى الثقافة الريفية أو البدوية. وإذا كان ثمة تأقلم للأزياء مع القيم المهيمنة، فإنَّ ممارسة اللحم تنحشر عبر هذا الإطار. ويبدو شاذاً أي شاب أو فتاة تخرج من الإطار المعمول به. وهذا يعني تغيراً طويل الأمد للأزياء والأشكال والعلاقات العامة لأنَّها مرتهنة بتغير القيم والمعتقدات. وتلك لن يتأرجح مستقبلها بين يوم وليلة بل تحتاج إلى عصور كي تتباين.

إنَّ ممارسة اللحم لا تتم بسهولة. ولعل النمط الغالب للمرأة المحجبة وللرجل الخانع ثقافياً إنما يلغي أية أفعال متمردة. فالحجاب- النقاب، الخمار، الشادور- ليس مظهراً لكنه تقنية عنف على اللحم الحي. وهو بصمة ثقافية على المظهر كي يكون اللحم مدجناً ومنفياً في زي رسمي. حتى أنَّ الفتاة التي تشذ عن القاعدة تضع اللحم الاجتماعي في خطر شديد. إن تهمة السفور ونشر الرذيلة هما ردان فعل على ممارسة اللحم. وتمثل نوعاً من الردع الثقافي لوضع الجسد في سياق مقبول.

لقد حرصت جماعات الارهاب على تديين اللحم، ترويضه تحت مسميات كثيرة. قيل إنَّ ذلك درءٌ للفتنة ومنعٌ للفحشاء والمنكر. لكن الأمر آليةٌ لتنظيم قطعان الذكور والإناث تحت سقف الجماعة وتميزاً في خط واحد بسلطة الدين. لأنَّ أي لحم يخضع لهكذا ترتيب بيولوجي وعزل جسدي إنما يمتثل لسياسة دينية. فالملابس بالنسبة لتلك الجماعات - على شكلانيتها - شيء جوهري. وربما يخرج الإنسان عن ملة الجماعة كجماعة روحية وعضوية إن لم يلف جسده في زي جمعي.

فالأفراد يعتبرون ممارسة اللحم بهذا المعنى من موجبات الالتزام بخط الهداية كما يعتقدون. ولهذا تقود اللحية اللحم البشري نحو علامة الالتزام الديني. ثم يأتي الجلباب وتقصيره والمشي بطريقة خجولة منحنية أموراً ترتبط بحركة اللحم التنظيمي. وقد لا نذهب شططاً إذا تذكرنا هذه العلامات الإجمالية التي تنحت لحم الجماعات الاسلامية بشكل واحد لا غير. فعلى الرغم من تتناقض المسميات إلاَّ أن اللحية قصرت أم طالت أحدى العلامات المميزة. عند صعود نجم الإخوان المسلمين في مصر أول ما حرصوا عليه كان ضرورة إعفاء اللحية كمظهر لحمي داخل المؤسسات والوظائف الرسمية.

ويكشف ذلك السلوك عن اللحم كطقس ديني، كستارة لحضور المقدس. ولم لا ؟ فقد اهتمت تلك الجماعات بثقافة الشكل ردحاً طويلاً وما زالت. ونستطيع القول بأنَّها تلعب في جانب كبير من وجودها على وتر الشكل إلى نهاية المطاف. لقد كانت حشود التنظيمات الدينية أثناء الربيع العربي حشوداً لحمية في المقام الأول. تبدو ممارسة اللحم عنيفة لاطلاع اعدائها على ما قد يحدث لو انتزعت منها فضاءات السياسة. وانخرطت في اعمال كر وفر مع التظاهرات والصراعات المسلحة كما في ليبيا وسوريا واليمن.

في المقابل كانت لحم الشباب متطابقاً مع فكرة التكنولوجيا الرقمية والنشطة في الفضاء الحر. حيث أجساد بلا تنظيمات سابقة. كانت خلفية اللحم لديهم خلفية بيو سياسية بالدرجة القصوى التي دفعتهم لتحدي آلة الدولة أمنياً. ولم تستطع الدولة مجاراة هذا التدفق اللحمي في الشوارع والاندفاع لإسقاط الأنظمة. ومازالت الممارسات اللحمية لأفراد التكنولوجيا مأخوذة بروح المبادرة والانفتاح على المودات العالمية أو العولمية Global modes بلا قيود ولا حواجز.

لقد بلغ الاستنكار إزاء الاجساد الفتية آنذاك اعتبارها غير منتمية إلى حدود العزل الثقافي بين الذكر والأنثى. وأطلق على اجساد الثورات العربية أصحاب البنطلونات الساقة. في إشارة إلى أن ممارسة اللحم كانت خارج التصنيف السائد آنذاك. وربما في بعض الثقافات يعتبر الناس أن هناك تداخلاً مستهجناً بين لباس الفتيات والفتيان. وهو التداخل الذي تحزر منه الثقافة الغالبة.

أخير فإن اللحم كعلامة نشطة يؤجج صراعاً أساسه: من يمتلك المجال العام ؟! من يستطيع تعميم وجوده خارج ذاته بقوة ؟! وسواء أكان مجالاً يستند إلى دوائر الدولة المدنية أم إلى موروثات تقليدية فإنه يجب أن يظل(أي اللحم) قادراً - بحكم كونه كتلة من الرغبات ونتائجها- العصف بالهيمنة المستبدة. وليس أقرب إلى ذلك من أنَّ اندلاق الممارسات اللحمية سياسياً أعجزت وعطلت ممارسات الأنظمة المستبدة. رغم كميات الرصاص التي تخترق اللحم وترديه مضرجاً بالدماء. ونفس الأمر مع الدين الطائفي والمذهبي والسياسي فلكل تحرُر لحمي تباعته التي تلقي تحرراً على لاهوت الجماعات الارهابية التي تحاول خطف علامات اللحم لصالحها.