حنين الى زمن الطفولة

مصطفى حسين السنجاري
2017 / 6 / 30

اشتقت لطفولة عشتها
لحضن أمي وعيون امي
ولخبز تنورها الساخن كل صباح
اشتقت لصوت خضخضة المشكاة
وأنا أنتظر وبيدي قطعة خبز
لتطليه أمي بالزبدة فألتهمه في نهم
اشتقت للصباحات الجميلة
والأطفال يتوزعون بين البيوت
يوزعون الأرغفة أو اللبن
في قريتنا الوادعة (ديلوخان)(1)
على سفح تل طويل
اشتقت لغبارها وهو يتراكم
على وجوهنا وملابسنا كل يوم
ليمنحنا الصحة والعافية والسعادة
ولاسمرار وجوهنا تحت الشمس
والعرق المتصبِّب يبللُ أثوابنا
اشتقت للوحل الذي يغمر أقدامنا
كل شتاء تحت المطر
وللمزاريب وكأنها نوافير
تنحدر مياهها للأسفل
و(الليمشت) (2)عندما ينهمر في الشعيب القريب
وكنا أحيانا نتراكض على بدايته لنقبله
مباركة للعمر والرزق
اشتقت للربيع الذي يترعرع
أمام أعيننا كل يوم
ولتنوع الورد من حولنا
وللعشب يتدفق من كل مكان خال
ولموسم الحصاد
حين تمتلئ البيادر بالسنابل
ويمتلئ المكان بلون الذهب
وتزاحم الناس في الحقول
يعزفون أحلى التقاسيم بالمناجل
وهي تلتهم السنابل في يد الحاصود
فيجعلها (مَلوة)3 ويتركها
ليجمعها بعد ذلك إلى (كِدِيْشْ)4
ويتم نقلها إلى البيدر في (الشَّلاّتْ)5
على ظهور الحمير
واشتقت إلى (الجِنْجَرْ)6 يجره الحمار
ونحن نجلس على مقاعده
وهو يسحق القش إلى أن يصبح تبنا
اشتقت لروح التعاون السائدة
فالكل يساعد الكل ويشاركه في كل شيء
والكل مدين للثاني بـ(المَطّارَة)7
واشتقت للعيد
حين كان الجميع يعايد الجميع
وكنا نحمل حقائب خاصة نجمع فيها الحلويات
ندخل البيوت على شكل أسراب
بألوان أثوابنا الزاهية
ولا زال صدى (عِيْدا وا بِيْرُوْزْبِيْ)8 يرن في أذني
كنا نطلقها كالأناشيد في كل بيت
وكنا ندخن بحرية دون محاسبة
من السكاير (المِزَبَّنْ)
وكنا نفتخر بمن يجمع أكثر من الحلوى
ورائحة البخور و(الكليجة) تملأ القرية
اشتقتُ للبيوت الطينية الصغيرة التي تأوينا
لنظامها الجميل وتشابهها كقلوب أهلها الطيبين
لكأنها قبلٌ طبّعها الله على التل
وقال لنا عيشوا ها هنا آمنين
اشتقتُ لأزقتها الضيقة الصغيرة
هي كل ما تفصل البيوت عن بعضها
والقلوب عن بعضها
تلك الخريطة الجميلة التي حفظتها
وكم نسجت عليها الخطى
لا تفارق ذاكرتي
لأنها وشمت بقلم المحبة
على جدران قلبي
اشتقت لأترابي
ونحن نتقاسم كل الأماكن
ونطويها شغبا وعبثا
اشتقت لتلك المشاحنات
والمعارك التي نخوضها كل يوم
ونصطلح بعدها بلحظات
كأن شيئا لم يكن
اشتقت لتلك الألعاب التي كنا نمارسها
دون كلل او ملل
لعبة (الحاح)9 لا أنساها
وفيها عقوبة (كليكوري)10للخاسر
ولا لعبة (جت وكرز)11 في الشتاء
حين نزدحم في دائرة
ونغرز الأوتاد في الوحل
بكل ما أوتينا من قوة
ومن ينتزع بوتده الوتد المغروز يفوز بالوتد
اشتقت لـ (بنآخكي)12
و(عمانجي)13و(كيلا فري) 14
وحتى (تللي بنكي)15 و(فيشارتوكي)16
و(كفيوكي)17
اشتقت للعب التحدي
(دست باوردان) 18و(خندكي)19
ولا أنسى (الغارغاروك)20
اشتقت لـ(الكهني)21 والـ(كفانوك) 22
ونحن نستعملها في معاركنا أو نتسابق بها
على رمى الأهداف البعيدة أو القريبة
وللعبة (المحناش)23و (والوالوالي)24
و(جق وبوستي) عندما نلعب بالدعبول (التبيل)
اشتقت لدكان (مام عيدو)
ونحن نتراكض إليه كلما حظينا بقطعة نقدية
من فئة (الخمس فلوس)
اشتقت للـ(خرنوف)25و (الخشخاش26)
اشتقت لكل النباتات التي كانت تمنحنا الطبيعة إياها
في الحقول وبين الأدغال وعلى جوانب السواقي
(الطولك)27 و(البربار)28و(السيرم)29و(الكرنك)30 و(القايزوك)31
و(الخردل) 32و(القيفار)33و(كيافلاه)34 و(البيعلاجك)35
اشتقت للـ(بيمك)36و(البزبليق)37و(الجاف جيلوق)38و(كوزبريك)39
ونحن نحوشها ونأكلها
اشتقت للباعة المتجولين
لبائع الحلوى(جاسم زوري)لا زل طعم حلاوته
يرقد في ذائقتي
وبائعي الفواكه والخضروات
حين يأتون في مواسمها
يختارون أحد البيوت
فيرتقي ولد من ذلك البيت على سطح بيته
ينادي بها ليعلم أهل القرية بقدومه
فيتهافتون على الشراء
ليس بالنقود ولكن بالحنطة والشعير
فمثلا إذا جاء أبو الطماطم
نسمع نداء (بعجانا بكنم وجه)40
أي الطماطة مقابل الحنطة والشعير
كالنفط مقابل الغذاء في زمن الحصار
اشتقت لصاحب المطحنة
الذي يحمل آلة الطحن ويتحول بها
بين البيوت لعمل (الرشدة)41 فوق سطوح المنازل
اشتقت لسلال التمر الخستاوي
يأتي بها أهل الجنوب بسياراتهم الغريبة (دك النجف)
اشتقت لمدرستنا الطينية
وللاصطفاف كل صباح
ونحن نردد الأناشيد جمعا وفرادى
اشتقت للتغذية المدرسية
حليب الجاموس الهولندي
والتفاح المسلفن بورق بنفسجي
اشتقت حتى لذلك المرهم الذي
كانوا يضعونه في أعيننا كل خميس عند نهاية الدوام
اشتقت للمعلمين الذين لقنونا الأحرف الأولى
اشتقت لـ( إلى متى يبقى البعيرُ على التلّ)
وإلى (نظارات جدتي)و(الحلاّق الثرثار)
و(إزار أمي أزرق)و(إني أنا المهندسُ)
و(تعال يا سمير وأنت يا سميرة)
و(خرجتُ يوم العيد بملبسي الجديد)
اشتقت لكتبي التي كانت
في حقيبتي الصوفية التي غزلتها أمي
اشتقت لصوت الكلاب في الليل
ونقيق الضفادع البعيد
اشتقت (لباجسي)42و(جمّي هود)34و(كري بكفر)44
اشتقت لـ(زليليي)45و(قني)46و(سي دنانكي)47
اشتقت ل(سلاف كهي)48 و(النوجات)49 التي
تتوسط التلال والمرتفعات من حول قريتنا
كانوا يحرسون القرية فيها
عند أي عارض وطارئ
اشتقت إلى ليالي الحنة التي تجعل القرية
في عيد وبهجة والأصوات تتزاحم
وصوت البنات والهلاهل يدوي في كل الأرجاء
ورائحة الحنة (حنّا بووووكي نماندن سي مووت يدا جكاندن)50
اشتقت للأعراس الجماعية
ورائحة اللحم تتوزع بين البيوت يوم العرس
اشتقت لمرق الحمّص التي كانت لا تعمل
إلا في الأعراس
اشتقت (للتقتقوك)51 ونحن نطلق
بها كأصوات الطلقات عند المرور بموكب العروس
أو العريس
وكنا نتفنن في صنعها
اشتقت لطقوس الزفاف والأناشيد الخاصة
التي تصاحب موكبي العروس والعريس

اشتقت لـ(عكال رفاندن)52 حيث
يقوم أحد أجرأ الشباب بالتقاط عقال العريس
من بين الجميع ويأخذها ليضعها على رأس العروس
متحديا الأشابين الغلاظ
وهو مستعد أن يموت في سبيل ذلك
وحين ينجح يحظى بكافأة قيمة
من العريس ومن العروس أيضا
واشتقت لـ(دخيل )المطهرجي
الذي كان مرعبا للأطفال
وهو يختنهم أيام الأعراس
اشتقتُ لأـ(فتّاح) صاحب (الزورناية)53
وهو يعزف أحلى أنغام الـ(كوفند والديلان)54
(سي بيجكي)55 (يا كَرّي)56 (يا هلايي)57
والجميع يدبكون معا رجالا ونساااء
وكانوا يتسابقون فيمن يبقى مدة أطول
ليكون هو الأقوى
ومن يكون صوت قدمه أعلى عند ارتطامه بالأرض
اشتقت لجامع قريتنا
وللمراسيم التي كانت تقام بعاشوراء
ولا سيما اليوم الأخير
حيث تكون القرية متواجدة فيه
عن بكرة أبيها
وتكون قد شاركت بيوتهم بالطعام المعد لهذا اليوم
هذه الذكريات والأشياء هي أجمل
ما ندّخره في حياتنا زادا وبلسما
لعصر أشرف الوطن فيه على الانهيار والاندثار
ـــــــــــــــــــــــ
1-ديلوخان/ اسم القرية الصغيرة التي كانت مسقطا لرأسي عام 1962
2-الليمشت/هو فيضان الماء الذي ينهمر بعد مطر غزيز
3-مَلْوةْ/حزم القش التي تجمع في اليد الواحدة عند الحصد باليد الأخرى
4- كِدِيْشْ/أكوام من القش بشكل مستطيل تجمع من الحزم المتناثرة
5- الشَّلاّتْ/ مفردها (شل)وعاء منسوج من خيوط الصوف أو شعر الماعز على غرار بيوت الشعر
بحجم معين يملأ بالقش ويوضع على ظهر الحمير لنقله من الحقل إلى البيدر
6-الجَنْجَر/آلة تستعمل لسحق القش فتخرج الحبوب من السنابل لتذرى بعد ذلك مع الهواء لفصلها عن التبن
7- المَطّارَة/مصطلح على من يدين للثاني بالعمل له لقاء عمل قام به أو ربما هو (الفزعة)
8- عِيْدا وا بِيْرُوْزْبِيْ/عيدكم مبارك , باللغة الكرمانجية
9- الحاح/لعبة من ألعاب الكورمانج آنذاك والحاح عبارة عن خشبة قوية نوعا ما بطول (10)سم تُبرى من الطرفين
ليكون بينها وبين الأرض فراغا ومسافة تمنحها الارتفاع عند ضرب أحد أطرافها بعصا اللاعب وحين ترتفع يباغتها بضربة قوية تدفعها للأمام
10-كِلَّلْكُوري/هي تكملة للعبة يستوجب على الخاسر أو الخاسرين بالركض طول مسافة ضرب الحاح ثلاث مرات بقوة
ويبدأ الركض من آخر نقطة وصل الحاح إلى (الحفرة المعدة للعبة ) وهو يصيح (كلي كلي كليكوري)بتكرار دون قطع النفس حتى لا يخسر أو حتى يكون قد أدى ما عليه وإن فشل أعاد اللاعب الضرب من جديد وعليه الايفاء من جديد.
11- جِتُّ وْكُرْزْ/هي تلفظ هكذا والكاف تلفظ كالغين الأعجمية .. وهي لعبة تمارس في الشتاء عندما تكون الأرض فيها وحلا وطين ..وأدواتها عبارة عن أوتاد خشبية تغرز برميها من طول اللاعب بقوة وتغرز في المكان ويلعبها أكثر من لاعب ويتناوبون على محاولة اقتناص أكثر عدد من الأوتاد المغروزة بضربها بوتد آخر في يده وشروطها أن أن ينتزع أحد الأوتاد بضربة مع غرز الوتد الضارب فإذا لم يُغرز لا يعتبر فوزا
12-بِناخْكي/ وهي اخفاء الشيء تحت أكوام التراب الصغيرة ومحاولة الوصول الى الشيء من خلال التخمين أو الشك ويكون أكثر من كومة حسب موافقة الطرفين
13-عَمانْجِي/ هو وضع هدف معين على بعد معين ومحاولة اصابته برمي احجار ثلاثة لكل لا عب
14-كيلَفِري/هي شبيهة بلعبة (عمانجي) إلا انها تعتمد على وضع ثلاثة أهداف لكل فريق مقابل بعض ويتم رميها واسقاطها ومن يسقط بالأول الأهداف الثلاثة هو الفائز
15-تِلّلِيْ بِنْك/ لعبة يتم تعصيب عين أحدهم وهم يتلقفونه بحركات من كل الجهات وهو يحاول اصطيادهم بيده فان امسك بأحدهم يوضع مكانه
16-فِيْشارْتُوك/هو المعروف بالاستغماية أو الطميمة أو الختليلة
17-كفيوك/هو لعبة المنديل معروفة يجلس اللاعبون على شكل دائرة ويضع المنديل خلف ظهر أحدهم فان أحس به حمله ولحق به فان لامسه به يكون قد خسر
18-دَسْتْ باوَرْدان/هي لعبة ليّ الأذرع تعتمد على القوة والمهارة
19-خَنْدَكي/هي لعبة المصارعة
20-الغارْغارُوك/كانوا يعملون عجلات من قاعدة براميل الماء ويعملون لهذا الغرض قابضة من التنك بشكل مائل يمكن من خلاله تدوير العجلة ودفعها للامام ويتم السباق في أيهم يصل الأول إلى نقطة النهاية
21-الكَهْنِي/عبارة عن كف من القماش أو ما شابه يربط بكل طرف ذراع أحدهما أقصر من الثاني بقليل
ويوضع فيه حجر ويلوح به في الفضاء أكثر من مرة ثم يرمى الحجر بترك الطرف القصير وابقاء الآخر في اليد فينطلق الحجر بقوة إلى الهدف يحدث دويا مرعبا
22-الكَفانوك/هو المعروف عند العامة بـ(الجطل)
23-المِحْناش/وهو اطلاق الدعبولة من بين السبابة الابهام
24-الوالوال/لعبة الدعبول ووضع أهداف يتم اقتناصها من الرامي وطالما هو يقتنص يكون الزمام بيده وأمامه طريقتان للفوز إما اصطياد دعبولة الخصوم أو اقتناص كل الأهداف أو الاثنين معا حسب الفرصة المتاحة
25-جَقوْبوست/هي ايضا لعبة الدعيبل ولكن تكون مفتوحه والفوز حين تضرب هذف الخصم أو يقترب دعبولك من دعبول الخصم مقدار شبر واحيانا يكون فيها المنافسة قوية ويقول له الخصم لك شبران أو ثلاث حين يكون بعيدا نسبيا
26-الخرنوف /هو الخرنوب حين يكون طريا/يؤكل
27-الخشخاش /هو الخرنوب حين يكون يابسا يسمع منه خشخشة/يؤكل
(الطولك)27 و(البربار)28و(السيرم)29و(الكرنك)30 و(القايزوك)31
و(الخردل) 32و(القيفار)33و(كيافلاه)34 و(البيعلاجك)35
اشتقت للـ(بيمك)36و(البزبليق)37و(الجاف جيلوق)38و(كوزبريك)39/كلها أعشاب برية باللغة الكورمانجية ,تؤكل .
40- بعجانا بكنم وجه/ الطماطة مقابل الحنطة والشعير.
41- الرشدة/ هي نفس الشعرية لكنها أغلظ
(لباجسي)42و(جمّي هود)34و(كري بكفر)44
اشتقت لـ(زليليي)45و(قني)46و(سي دنانكي)47//أسماء مناطق قريبة من ديلوخان
48سلافْكَه/معلم كان اليزيدية هناك يذهبون اليه اقترابا إلى الله
49-النوجة/عبارة عن حفر وساتر من الحجر يحرسون فيها القرى
50- حنّا بووووكي نماندن سي مووتيدا جكاندن)/اهزوجة تطلق عند التوجه إلى بيت العروس
51-التقتقوك/ لعبة كنا نصنعها بأيدينا عبارة عن ظرف إطلاقة برنو فارغ ومسمار طويل كبير الرأس يمكنه الدخول في الظرف بسهولة مع قليل من المطاط ويلوى رأس المسمار من جهته المدببة للأمام على شكل (L)بالمقلوب ويَشد مع الظرف بالمطاط يُعبّأ الظرف بالكبريت نأخذه من أعواد الثقاب المتوفرة مع شيء من طلائه من العلبة ونقوك بصهرهما في أسفل الظرف وسحقهما جيدا ثم يرفع رأس المسمار إلى منتصف الظرف وعند الضغط على المطاط ينزل المسمار بقوة للأسفل فيحدث الإطلاق .