الفلسفة التطبيقية بين قوانين الفكر وقواعد العمل

زهير الخويلدي
2017 / 6 / 30

" يريد الجذريون الفلسفيون أن يعطوا العلم الاجتماعي طابع العلم العقلاني، بأن اعتبروا كل الظواهر الاجتماعية ممكنة الإرجاع إلى قوانين ، وكل قوانين العالم الاجتماعي مفسرة بدورها بواسطة قوانين الطبيعة البشرية."1

تتجه الفلسفة التطبيقية التي ترنو إلى البروز والتأثير بصورة ملموسة نحو تشريح آلام الجسد وتضميد جراحات الوعي ونقد تفاهة الوجود اليومي وتحرص على تخطي الأحكام المسبقة السيئة وحسن استثمار الأحكام المسبقة الجيدة و تتبنى رؤية بيانية خالية من الخطابة الصوتية وواعية بمغالطاته ومحبذة التحرك ضمن دائرة الإقناع بدل الإكراه والتوكيد بدل الموقف القطعي وتسعي إلى تدبير السلوك البشري ضمن رؤية تعقلية وتعقب كوني مستفيدة بشكل مثمر توليدي لما يعتمل فيها من خصوصيات ثقافية وهويات سردية. غير أن الإشكال المثار هو التالي: هل يظل قيام الفلسفة التطبيقية رهين توفر قوانين تفكير حاذق وقواعد عمل صالحة؟ وماذا لو حولنا الوضعية الفلسفية إلى تجربة علاجية ونزهة من أجل حرية الروح؟
لا تقتصر الفلسفة التطبيقية على النظريات العامة والأنساق المجردة بل تتوجه نحو الالتزام الميداني والتجربة الملموسة وتتدخل في سياسة الحقيقة العمومية وضبط استراتيجية للفضاء العلائقي بين الناس وتتبع سياسة حيوية تراوح بين مقاومة الابتذال والعار وصناعة فضاءات رحبة للوجود وتريد حياة حرة وتدفع الكشوفات العلمية والعلوم العرفانية إلى التفكير في مصير الكوكب ومستقبل الحياة على الأرض وتجعل من الانحياز إلى العمق الاجتماعي مركز ثقلها ومن التغيير الجذري عملها الدؤوب ساعية إلى انجاز تحضرا انسيا راقيا ومدنية عصرية قاطعة مع الحنين إلى الماضي والارتداد إلى همجية البداوة.
تمنح الفلسفة العملية للمصلحة الواقعي الأولوية الاجرائية على النسق المنطقي وتنخرط كليا في ممارسة عضوية من أجل توسيع دائرة العقل في مساحة الظلام ومن أجل الاهتداء بفانوس الحكمة في زمن اللايقين وتجعل من التحرير والانعتاق طريقا ملكيا نحو بناء عقلي ايكولوجي يزيد من فائض الأمل والحلم والوعد.
تظل ولادة الفلسفة التطبيقية مقترنا بالقضاء على الأمية الجديدة وكل مظاهر الجهل المعولم وأشكال الخرافة المستعادة وتفكيك القلاع التي ما تزال تعشش في كهوفها الأساطير القروسطية والأوهام الزائفة وتحتاج لتعميم رسالة التنوير مجتازة مدار النخب الضيق نحو الشوارع المتسعة والمساحات الجماهيرية.
لا يمكن للفلسفة التطبيقية أن تقاوم القبح والبشاعة والبلادة إلا بممارسة الفعل الابداعي للحق وتحويل التجارب الفنية الاستهلاكية والمنتوجات الصناعية إلى مسار تجميلي للوجود والانتصار إلى استطيقا الالتزام والحرية وتنقية الدين من الصنمية وتحويل علم اللاهوت إلى كلام عن المقدس وإعطاء المواطنة قيمة الوفاء للكرامة الشخصية والولاء للوطن والمجتمع.
لا يصلح النسيج الاجتماعي بصورة مستدامة ولا يتقدم الفعل السياسي نحو الخير العام ويتفادي السلوك الأخلاقي أساليب الوعظ والإرشاد والنصيحة ولا يحقق الشغل الاقتصادي التنمية والثروة والازدهار إلا إذا قامت في الفضاء المواطني تربية جيدة وتعليم متطور وتخطى اخفاقته وفشله في إنتاج العقول العظيمة.فكيف يمكن بناء الفلسفة التطبيقية دون قوانين يحدها منطق كلياني؟ وهل يستقيم الفعل البشري في ظل غياب لوحة قوانين ضابطة؟
المرجع:
Halévy (Elie) , la formation du radicalisme philosophique, tome 3, le radicalisme philosophique, édition PUF, Paris, 1901.p151.
كاتب فلسفي