ماذا يستفيد العرب من الحرب على إيران؟

كاظم الموسوي
2017 / 6 / 28

كنت قد كتبت مقالا بهذا العنوان (ماذا سيستفيد العرب من الحرب على إيران؟) ونشر في جريدة الراية القطرية بتاريخ 2007/1/27 أي قبل أكثر من عشر سنوات. وهي فترة زمنية غير قليلة، تكشف ما كان مخفيا او مواربا وتفضح مآلاته، وقبل أن تنقلب سياسة حكومة بلد الجريدة والجريدة وتوقف نشر كتاباتي الاسبوعية فيها التي استمرت لأكثر من عقد من الزمان ايضا، واطلعت عليه قبل أيام مصادفة، ووجدته يشرح ما يحصل اليوم من خطط ومشاريع عدوانية وقمم خطيرة، تواصل تاريخها في خراب الامم ودمار العمران وهدر الثروات والامال.
اعيد نشره، كما هو، لعل من يقرأه اليوم يعتبر من دروس التاريخ وخبره.
ماذا سيستفيد العرب من الحرب على إيران؟..ما تنشره وسائل الاعلام العربية، بشكل خاص، بشأن ايران، سواء على صعيد الاخبار والنشاطات او الندوات والتعليقات وحتى بعض المؤتمرات، فضلا عن بيانات اللقاءات الرسمية على مختلف المستويات، لا يمكن تفسيره بغير المشاركة بالتجييش العسكري والتحشيد العدائي والشحن الطائفي ضدها، وقبول كل ما يذكي ذلك ولا يثنيه. وفي هذا الجانب فقط، اي ما يصدر علنا في الفضاء الاعلامي، يطرح السؤال البديهي: ماهي المصلحة العربية بذلك؟، ولا حاجة طبعا للتذكير بالروابط المعاصرة بين العرب وايران، دولة وشعبا. وكذلك بما قدمته ايران للعرب من تبادل مصالح ومواقف ووقائع لا تنكر وينبغي ألا تجحد، مع بقاء وجهات نظر بخلافات في مستويات معينة او بصدد سياسات خاصة بها ولا تمس المصالح المشتركة. لقد نُسيت الصراعات الدائرة في فلسطين، وحتى القضية برمتها لوعود كاذبة جديدة. واهملت افغانستان وصارت معاناة شعبها امرا واقعا، مع التنكر لخياراته وخيراته واعتباره يعيش نعيما لم يحلم به، بفضل الغزو والحرب عليه من قبل قوات الاطلسي التي لا تعلن إلا عدد جرحاها وقتلاها في المعارك التي يتحدث عنها المعادون للحرب والغزو والاحتلال!. اما احتلال العراق، ووجود هذه الالاف من القوات العسكرية والمعدات الغربية فيه، وتورط الادارة الامريكية وحلفائها في الاعلان عن استراتيجيات جديدة للاحتلال والنهب والخراب من جديد، فيراد ايضا اغفاله والتهرب من واقعه، والبحث في اتجاهات اخرى لإبعاد النظر عنه وتركيز المؤشر على غيره، ومنع حتى القول بإدانته ورفضه، فضلا عن مقاومته. فهل هذا الاتجاه يحل ما يعانيه الوضع بالعراق اليوم مثلا؟، وهل يجدي تكرار التعريف بأن الاحتلال الغربي، الصهيو انغلو امريكي، لا يجمعه جامع مع المصالح العربية ولا الاسلامية، وايران منها طبعا، الا اذا جردت كما عند بعض دعاة التعصب الديني والسياسي والحكم من اسلامها، ووضعت بنفس كفة الميزان؟!. أم ان هذا القول غير صحيح؟، فكيف يشرح المشهد الجاري؟. ويعني ضمنا ان المصالح العربية لا تتعارض مع الاحتلال، فهل يصح ذلك؟، وفي هذه الحالة يفهم ان هذا التحشيد، الرسمي وبعض الشعبي، مع المصالح المعادية للعرب وللمسلمين، من جهة، ويسعى لتنفيذ ارتهانات وارتباطات خطيرة، لا تخفى كثيرا ولكن تموّه كالعادة، ولم يجر كشفها بشكل يوقفها عند حدها لما سبق من جرائم، لاسيما في تجربة تدمير دولة العراق والاحتلال الذي يكابده الشعب العراقي اليوم منها، من جهة اخرى. من هنا ايضا ان ما يجري عربيا لا يخدم المصالح العربية اساسا، ولا يعيد للعراق استقلاله وحريته، بل يزيد العرب خسارة اخرى ويكشف ظهرهم، من هذه البوابة، امام الغزو الغربي الزاحف بكل قوته وقدراته الى قضم العالمين العربي والاسلامي بدعوات كثيرة، ديدنها الهيمنة على احتياطات الثروات التي رزقت بها هذه الارض الممتدة بين المحيطين، الهادي والهندي. ومن لم ير ذلك، او لا يريد ان يدري بذلك فتلك مصيبة حقا، كما ان هذه الحميّة تفضح اسباب التهديدات التي نطق بها بوش الثاني ومندوبوه. والتصديق بها والخوف منها، يدفع الى التهاون بمصير الامة واستراتيجياتها وطاقاتها وكنوزها المعروفة، ويخدم التعاون مع العدو الحقيقي وتبديد الثروات والارواح هباء. يضاف الى ذلك ان السياسة الصهيو امريكية لا تحتاج الى كثير جهد لمعرفتها، فهي اكثر من مكشوفة، انها لا تهتم الا بمصالحها المحصورة في مصادر الثروات والهيمنة عليها، ولا يهمها من الشعارات والكلمات التي تسوقها او يحضّر لها بها. كما وضعتها في مخططات منشورة، وتصريحات معلنة، ولا ترعوي حتى لو خسرت الالاف من ابنائها ودولاراتها من اجل الوصول الى اهدافها. وفي النتيجة تكون الحملة الموجهة في خدمتها وليست في خدمة المصالح العربية. الصورة المعروضة الان والقبول بها على علاتها، يعني تعريض المصائر العربية الى الخطر، ولم تتم كالعادة الاستفادة من دروس التاريخ القريب، المعروف، لكل ذي بصر وبصيرة، والسياسة الاستعمارية الغربية التي مورست وازهقت ارواح الملايين من شعوب هذه المنطقة، ونجحت في التمويه علينا هذه المرة، وهي سياسة - فرق تسد - التي لم تعد سرية ايضا. تلك السياسة التي اوصلت العالم العربي والاسلامي الي ما هو عليه من تدهور، ويراد الان الامعان اكثر، في التفتت والتمزق الحاصل الى ما هو اسوأ واكثر سوءا. وقد صدرت علنا دراسات وتقارير وتصريحات تتحدث بخارطة التمزيق المذهبي والطائفي والاثني، تنشر وتعلن حسب تطورات الاوضاع، وترسل بين آونة واخرى للتذكير بها والتحضير لقبولها، وهذا ما يحصل الان، ومثاله الصارخ ما نجحت به الوزيرة الامريكية كوندوليزا رايس بجولاتها المكوكية، تحت مسميات حلف عرب معتدلين مع الكيان الصهيوني، ضد محور تطرف ايراني سوري، ونعوته الاخرى، طائفيا وعرقيا، التي تفننت بها حتى وسائل الاعلام العربية المستقلة. (كما تسمي نفسها على الاقل). اذن، العراق كبش الفداء فيها, مثلما سبقه بلدان اخران، فلسطين وافغانستان، فكم بلدا وشعبا يجهّز لمثل هذه الكوارث بعد الآن؟. للاسف الشديد ان سياسة النعامة هي الممارسة العملية حاليا، والتفرج على الكوارث البشرية هي الحالة السائدة، وقد برهنت المخططات الاستعمارية القديمة والجديدة على تناقض المصالح العربية والاسلامية معها، وعلى تعارض الاهداف، وما يحصل حاليا لن يفيد منه العرب والمسلمون شيئا، غير خسارات اخرى وتضحيات جسام لا تحصى ولا تعد، والتاريخ يشهد. فماذا سيستفيد العرب من الحرب على ايران؟ او المشاركة فيها او الصمت عليها، لاسيما وان طبولها بدأت تقرع مبتدأة من واشنطن حتى الخليج العربي؟!. هل تحققت الاهداف العربية وتغيرت البوصلة؟. اين الدور العربي، الرسمي والشعبي، في حماية المصالح العربية؟. وهل اذا شنت الحرب على ايران تبقى الدول العربية وشعوبها في أمن وأمان من أي خطر أو تهديد أو تداعيات؟. فلماذا إذن كل هذا التحشيد والصراخ والشحن في الاتجاه الخطأ؟. المازق الذي تورطت به الادارة الصهيو امريكية بالعراق وافغانستان هو المحفز للضغوط والبحث عن مخارج اخرى، تضع فيها ما يساعدها ويوفر لها امكانات افضل لمخططاتها العدوانية واهدافها المعادية للمصالح الوطنية والقومية والانسانية عامة. بعد كل ذلك، الوقائع والواقع يؤكد ان العرب لا يجنون من الحرب على أي من بلدانهم أو من جيرانهم شيئا لصالحهم، والنماذج شاخصة، وما دامت المخططات الامبريالية ساعية الى تمزيقهم واستثمار خيراتهم على المكشوف، فما عليهم إلا البحث ايضا عن الحل الافضل والامثل، وهو الاندفاع والعمل في التفاوض والحوار وتحكيم العقل والتبصر باستراتيجيات وبناء تحالفات انسانية تخدم المصالح ومستقبل الاجيال العربية والاسلامية وثرواتها وخياراتها الشعبية.