حسن العلوي ودفء المكتبة...البعد عن السياسة وخلوة الذات تنتجان كتباً

شكيب كاظم
2017 / 6 / 25

يوم غادر الناقد الأنيق والأديب المكتنز بالمعرفة والثقافة والنزاهة مؤيد الطلال، عالم الكتابة والنشر لإسباب ذاتية وموضوعية، لا ارى ضرورة للحديث عنها، كتبت مقالة ادعوه فيها للعودة الى هذا العالم الأثير الى قلبه، فما احوج حركة النقد والثقافة في العراق والوطن العربي، الى دقة قلمه ونزاهته، وان الكتابة لا تأتي إلا للقلة القليلة،

ممن حباهم الله بموهبة الدرس والكتابة، وقد سرني ان يعود، فنشر سلسلة من المقالات النقدية في جريدة (الزمان) وهاهو كتابه (عبد الملك نوري: ريادة فنية وسايكولوجية في القصة العراقية) بين يدي والصادر عن اتحاد الكتاب العرب في سوريا وفي ضمن سلسلة الدراسات بطبعته الاولى سنة 2012، ولأنه الان نزيل سوريا العربية فيواصل الكتابة في مجلاتها الثقافية (المعرفة) و(الموقف الأدبي) و(الأسبوع الأدبي) فالى جانب النقد، كتب قصصا قصيرة مثل (قصتي مع فيروز) و(حية.. حية). واذا رأيت انشغال الباحث والمفكر حسن العلوي، حين عاد الى العراق، بعد غربة طويلة، رأيت إنشغاله بالسياسة، وتركه دنيا الكتابة، وفوزه بالنيابة التي كانت مشغلة اياه، كتب مقالا عنوانه (العلوي بين السياسة والكتابة) دعوته كما دعودت مؤيد (جواد كاظم) الطلال، للعودة الى عالم البحث، حيث يغدق علينا كل عام كتابا ثريا، فما اكثر السياسيين في بلدنا، لكن ما اقل الباحثين والمفكرين والدراسين، فالسياسة في متناول كل من يريد ان يزج نفسه فيها، في حين يظل العقل نخبويا يمتاز بالفرادة والسمو، ومما قلته في مقالي الذي نشرته جريدة (الزمان) يوم الأربعاء 20 من ذي الحجة/ 1432 هـ الموافق 16/11/2011 وبالعدد المرقم 4046 (لقد وجلت إذ رأيت الباحث الرصين حسن العلوي يعود الى السياسة، عالمه الأثير الذي امضى نصف عمره الأول فيها، وقلت لنفسي، ها هي ستشغله عن المجال الذي فطره الله عليه، واعني بذلك عالم البحث والكتابة، وهاهي الشهور تمضي، من غير ان تدور المطابع لتقدم لنا مطبوعا جديدا يضاف الى الرصيد الجميل الذي قدمه لنا حسن العلوي. ترى هل نمني النفس بإعتكاف جديد وعزلة عن عوالم السياسة ومشكلاتها ومغادرة لها، فالسياسة لها اصولها، والعودة الى ذلك الحضن الدافئ، حضن المكتبة وغرفة المطالعة وخلوة الباحثين المنقطعين لدينا الحرف، التي تغدق علينا، كتابا بل كتب او كتبا، كما هو عهدنا به وكما عودنا على هذا الغدق والودق الذي يخرج من خلاله كتاب بل كتب ما احوجنا اليها؟!

وظلت اتابع، ورأيته يرشح للنيابة ثانية، كما قرأت نص الحديث المعرفي الجميل، الذي اجراه معه في اربيل الدكتور احمد عبد المجيد، وما هي الا إغماضة عين، حتى بدأت اقرأ تغريدات او زقزقة حسن العلوي على صفحات (الزمان) فهمت من خلالها انه قد ازمع عودة ظافرة الى عالم الكتابة والقراءة، بعد ان نزل افياء قبرص، ولقد تأكدت من ذلك وانا اقرأ زقزقته، لا بل شقشقته في (الزمان) الاحد 7/ من صفر/ 1436 الموافق 30/11/2014 وتحت عنوان (تلاميذ الشيخوخة) جاء فيها (اعيش وانا في حمى الكتابة، حالة تدقق فكري، وحالة تدفق عاطفي، وكلتاهما تتجاوز حاجز السن، فلتدم هذه الحمى، آملا ان تنتقل عدواها الى من هم في هذه السن، ام في سن التلاميذ الذين شاخوا قبل وانهم. فحمدت الله على هذا التدفق الفكري الذي يحياه المفكر حسن العلوي، الذي سيترجمه الى كتب ما احوج الناس، في هذا الوضع الفكري والسياسي المبلبل اليها.

لقد إزدانت حركة الثقافة في العراق كما لا يخفى على الدارسين والقراء الجادين بنتاجات العلويين، هادي وحسن، وإذا كانت الكتابة قد الفت بينهما فان السياسة هذه الآفة الخطرة قد باعدت بينهما، وإذا كان بعض الأشقاء والأخوان يتحاسدان ويتضادان، كما في حنق وحسد الدكتور لويس عوض، على الرغم من المجد والشهرة والذيوع الذي حظي به فأنه كان ينفس جهود اخيه المسكين الدكتور رمسيس عوض، ناعتا إياه بمحدودية الملكات والقابليات، ان لم ينفهما عنه، مع انه اصدر كتبا تقرأ وتثير الجدل والنقاش، ولقد قرأت كتابه (الهولوكست بين الانكار والتأكيد) والصادر في ضمن سلسلة كتاب الهلال المصرية سنة 2000 ويقع في 320 صفحة، في حين ظل العلوي حسن، يشيد بجهود شقيقه هادي البحثية والفكرية ويفرح لتألقه وسيرورة مجده.

اقول باعدت السياسة بينهما فالراحل هادي تأثر بالافكار اليسارية والتصوف وكنت اقرأ مقالاته التي كانت تنشرها له جريدة (التآخي) في عشر السبعين من المئة التاسعة والف، على لغة ابن خلدون! إذ هكذا كان يؤرخ، (التآخي) المنبر الصحفي الذي ظل عصيا على الخوف والتدجين، ايام صعود نبرة الأدلجة والخوف كم كل همسة او نأمة لا تندرج مع القطيع في حين اقتفى حسن التوجهات القومية، واذا غادر هادي العراق، منتصف ذلك العقد نحو الصين، بعد ان ضاقت به السبل، وضاق قلمه فكره، وضيق عليه، لانه كان مفكرا حرا والدنيا دنيا ادلجة وسرير بروتوكراس ظل الاستاذ حسن يرتقي في المراكز الثقافية والاعلامية، وكانت آخر وظيفة شغلها قبل حوادث تموز 1979 الفاجعة، رئيس تحرير مجلة (الف ياء) وقد اعتقل في المطار حال عودته من لندن، صحبة زوجته، شقيقة المرحوم عدنان حسين الحمداني، ثم اطلق سراحه، فيما بعد وغادر العراق، وكنت اطلع على اخباره واخبار آل الحمداني، من صديقي وزميلي في المنشأة العامة لتوزيع المنتوجات النفطية والغاز، الرائع النبيل ابو اياد كاظم حمودي عباس الحمداني – رحمه الله – وكنت قدمت الى وظيفة مصحح لغوي في مجلة (الف باء) وكلفت صديقي قريبه كاظم الحمداني لمفاتحته بهذا الامر.. ولكن .. وما هي الا سنوات حتى بدأت تنهال علينا مؤلفات الاستاذ حسن العلوي، فقرأنا في سنوات الحصار (1990 – 2003) العديد من كتبه مثل: (أسوار الطين في عقدة الكويت وايديولوجيا الضم) و(الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 – 1990) و(الصباح) مسلسلا اول مرة، تم نشره في كتاب عن الخليفة عمر بن الخطاب والتشيع، كما سمعت بكتابيه (الجواهري. ديوان العصر) و(الجواهري – رؤية غير سياسية).

التفرغ هبة ربانية للأديب والباحث والكاتب، وسعيد ذاك الذي توفر له ظروف حياته تفرغا عن الركض والعشاء خباز!! فلقد توفر لحسن العلوي الوقت الكافي للكتابة والبحث، بعد ان غادر عالم الوظيفة الإدارية التي تأكل وقته، ويستطيع ان يؤديها اي فرد، وكذلك السياسة، حتى اذا تخلى عنهما في مغتربه ومنفاه، تفرغ للمجال الذي خلقه الله له؛ الكتابة والبحث، وفي التأريخ، وتأريخ الأدب شواهد عديدة على الوظائف التي تأكل من جرف الباحثين ووقتهم، فهذا ولي الدين ابو زيد عبد الرحمن بن خلدون، الذي كان شغوفا بالوظائف والقرب من السلطان، حتى اذا اعتزل الناس والوظائف مدة من الزمن، فرجع الى تلمسان واندمج بالبدو من العرب، واقام عند بني عريف، هذا التفرغ اليسير استثمره ابن خلدون في إنجاز كتابه الشهير (العبر وديوان المبتدأ والخبر في اخبار العرب والعجم والبربر ومن والاهم من ذوي السلطان الأكبر) وكتب مقدمته المعروفة بـ (مقدمة ابن خلدون) وهذا الجواهري الكبير، الذي عزف عن الوظائف، حتى انه غادر البلاط الملكي عام 1930، ايام الملك المبجل فيصل الأول، والذي ضمه الى حاشيته، وبعد ان نشب موضوع الجنسية التي فجرها التركي المستعرب ساطع الحصري (1880 – 1968) ضد الجواهري ورفض تعيينه معلما، فأنتخى له وزير المعارف السيد عبد المهدي المنتفجي، وابطل قرار المعري مدير التعلم العام، فأزال الملك بحكمته ذاك الاحتقان، وجعله من حاشيته موظفا في بلاطه العامر، وها هو الجواهري – ثانية – يزهد بالنيابة فيقدم استقالته بعد استشهاد اخيه جعفر فيما عرفت بالأدبيات السياسية بـ (وثبة كانون) 1948 ولكن كل الوظائف ما خلدت الجواهري بل خلده شعره، قصائده الباذخة الرائعة (المقصورة) (ابو العلاء المعري) (ذكرى ابي التمن) في رثاء محمد جعفر ابي التمن (آمنت بالحسين) التي كتب منها خمسة عشر بيتا بالذهب على الباب الرئيسي المؤدي الى الرواق الحسيني (هاشم الوتري) الذي كان عميدا للكلية الطبية الملكية في العراق ايام الوثبة 1948، والمتوفى في كانون الثاني 1961 وخلف نجله العالم بطب الجملة العصبية، الطبيب النطاسي البارع سعد الوتري (يا ام عوف) في الثناء على المرأة الريفية المضياف في ريف قضاء علي الغربي (زنوبة حواس زبون) (كفارة ندم) التي كتبها – كما يرى – كفارة لقصيدته في تتويج الملك الشاب فيصل الثاني في شهر مايس/ 1953 لبلوغه السن القانونية، والتي ظل يبرأ منها، وما اراه محقا فالقصيدة من عيون الشعر العربي الحديث، وما حوته اعتراف بفضل ابيه وجده عليه، ووصف لموت امه الملكة عالية سنة 1950 ونحيب الناس على وفاتها (يا دجلة الخير) )اخي جعفرا) (أرح ركابك) (ازح عن صدرك الزبدا) (ذكرى عبد الناصر) في رثاء النسر العربي جمال عبد الناصر (اخي ابا سمر) مهداة لاستاذي الدكتور صلاح خالص – رحمه الله – (يا ابن الهواشم) مهداة الى الملك الهاشمي الحسين بن طلال وغيرها من الشوافع الخرائد. مضت الوظائف وتلاشت السلطة والسطوة والبهرجة. وبقي الشعر، كما مضت الوظائف التي تقلدها ابن خلدون، فضلا عن استخذاءه وذله امام الغازي تيمورلنك الاعرج و(لنك) في لغة المغول تعني (الأعرج)، ذهب الاعرج وبقيت المقدمة وكتابه (العبر) علامة شاخصة في إرث الإنسانية!