الصوم في محراب الأديان

هاله ابوليل
2017 / 6 / 25

في معبد بوذي في ماليزيا يلاصقه مسجد للمسلمين دخلت كهيئة سائحة تتدلى من عنقها كاميرا وتغطي عيناها نظارة شمسية , كانت ساحة المسجد المفروش بالسّجاد الفاخر فارغة إلا من بعض الجالسين في الزوايا والأركان وعندما بدأت التصوير, كان الفلاش يضيء ويعطي ضوءا مبهرا عكر مزاج أحد الرجال الذي كان معتكفا في غرفة صغيرة جدا لا تتسع لسوى شخص واحد- كان يقف بها بوذي يصلي لوحده في خلوة وعزلة انفرادية.
خرج الرجل غاضبا مطالبا ,أن أكف عن إزعاج الرب بهذه التكنولوجيا العصرية اللعينة .

تذكرت هذا الموقف , وأنا أفكر جديا بمسالة الدين والتدين الشكلي أو الموسمي وما يتبعه من فروض كالصلاة والصوم والزكاة ,وغيرها وخاصة الصوم كفريضة سنوية توجد بكل الديانات مثلها مثل الصلاة الخافتة التي كانت بالأصل عبارة عن دعاء وتمتمات غفران وشكوى وطلب للمغفرة ,
ولم تتحول إلى حركات بدنية إلا في ديانة المسلمين .
فما هو مغزى الصوم و لماذا نصوم !! ولما لا نصوم عشرة أيام في أول السنة وعشرة في وسطها وعشرة في آخرها!!! أليس في ذلك راحة للصائم وفرصة للإستغفار لثلاث مرات بدلا من مرة واحدة تفصلها أشهرعديدة .
لماذا علينا أن نصوم !!
وما المغزى من وراء ذلك !!
لماذا نصوم ثلاثين يوما دفعة واحدة ولمدة شهر بالتمام والكمال.
لماذا ترتفع وتيرة العصبية والغضب في أيام الصوم !
هل هو الجّوع / الظّمأ / الحرّ
لماذا يشعر بعضنا بالفرح والسرور لقدوم رمضان والحزن لذهابه
والبعض على العكس يفرح لإنتهاءه و يُسًرْ لمغادرته كضيف ثقيل رحل أخيرا .
لماذا لا نصوم مثل أخوتنا المسيحيين أربعين يوما, بحيث يباح لنا أن نشرب الماء ونرتوي ولكن نتوقف عن أكل اللحوم ومشتقاته .
وما مغزى عدم أكل اللحوم لمدة أربعين يوما بالتمام والكمال وهل أن أكل اللحوم لا ينفع الجسد فعليا , وهل يجتمع إخوتنا المسيحيين بعد الصيام على وليمة من الديك الرومي ليفكوا صيامهم الذي طال- والذي فسرته السيدة الراهبة- التي إلتقيتها في صالة أحدى المطارات - تفسيرا غريبا .فلطالما أعجبتني حياة الرهبنة فعندما جلست بالقرب مني تلك الراهبة بقفطانها المميز- وكنا في الشهر الفضيل ننتظر الركوب في طائرة فلاي دبي المدشنة حديثا في تلك الأيام .
وبدأنا الحوار عن الصّيام - فإذا بها تصدمني وهي تقول "أنهم كمسيحيين , صيامهم أصعب وأقسى من صيامنا" فقلت لها معترضة :" ألا يكفي أنكم تروون ظمأكم بالماء- أنا مستعدة أن أصوم طيلة السنة مثل صيامكم ما دمت أشرب قهوتي وأرتشف الماء العذب الزلال , فتعجبت هي الأخرى من التفسير الخاص بي .
وما بين التعجبيّن وصاحبتيّهما .
قلت لها : هل تعرفين أن في مصر الآفا مؤلفة من المصريين ينقضي العام كله وهم صائمون نفس صيامكم!!!
ليس تعبدا وزهدا بالطعام الفاخر , بل لندرة وجوده . تقول صديقة مصرية في مصر - إنهم ينتظرون شهر الأضاحي ليذوقوا طعم اللحم - الذي نسوا طعمه من كثرة أكل الفول والطعمية "من العيد للعيد لنذوق طعم الزفر " .
إنه صيام إجباري - على ما يبدو فرضته القلة والجوع والفقر.

وعودة على ذي بدء نقول إنه قديما كانت الصلاة هي الدعاء الخافت في المحراب و في الخلوة بعيدا عن أنظار الناس وعند أخوتنا المسيحيّين لا يمكن أن يأكلوا لقمة قبل أن يصلوا بالدعاء , و في المعابد البوذية في دول شرق آسيا يصلون في غرفة صغيرة لا تتسع إلا لشخص واحد وبخلوة مع الرب وحده .
فالصلاة في المسيحية كانت تتم في لحظة سكون وتمتمات خافتة ومناجاة تشكو للرب ما يعتمل بداخل هذه الروح التي يسكنها الخشوع في أيام و تتنازعها الأهواء في لحظات كثيرة .
والصوم أيضا مثل الصلاة مفروض في كل الديانات " ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " (البقرة 183) .
,وفكرته واحدة لدى الجميع فقد جاء لغاية ربانية ليس من بينها تهذيب النفس وتدريبها على الصبر وتحمل المشاق فكل الديانات تكفل تحقيق ذلك ولكن لغاية ربانية تعلو على ما نستوعبه , ولذلك عندما نتدبر آية
"كل عمل أبن آدم له إلآ الصيام فإنه لي وأنا أجزي به"
فإنما يستفرد الرب بهذه الفريضة له , فأما أن يتقبل أو لا يتقبل , فكل عمل بني آدم سيعرض للثواب أو العقاب كما أقرت الآية فلما خصص الصيام بهذا الإنفراد
ألم يتساءل احد من قبل لماذا !!!
في الصيام ,,,تنازع النفس رغباتها وتطارد شهواتها وتكثر الشكوى وتزداد حركات الإحتجاج , فثلاثين يوما ليست بالأمر القليل على من تعوّد على التدخين والنفخ في الأرجيلة وشرب القهوة أو النسكافيه. وإن لم تخلو السّهرات بها حتى الصباح - ولكن صيامك عن الترفيه والمتع الدنيوية. كل ذلك سيجعلك تدرك أن أحد عشر شهرا كانت هبة من الرب أعطاك إياها للتمتع بكل ملذات الحياة من طقوس حياتية وتبغدد ونساء وها هو الشهر الوحيد الذي يطلب منك الرب أن تكف عن كل ذلك من أجله لأن في هذا الشهر بالذات يجري لك حسابات أخرى و يريد أن يعلم
كم أنت مطيع وتلميذ في حضرة الرب.
شهر كامل تمتنع فيه عن الطعام والشراب حتى المغيب هل هذا شيء صعب على بشري استطاع أن يخرج من الحجر الصلد , أنهرا من الماء العذب
فما بك تحتج !!!!
فالصيام بالذات لهذا الشهر هو طاعة مفروضة ولكن بإختيار مدروس ,أنت ستحاسب على كل كبيرة وصغيرة في الأشهر الماضية ولم يتبق سوى هذا الشهر فله حسابات أخرى لن ينالها إلا من هو ذو حظ عظيم !! ستتساءل كيف هذا ! وكيف لي ان أكسب القبول في هذا الشهر الفضيل وخاصة بعد إحتكار المحاسبة وتخصيص المكافأة بيد الرب . "كل عمل أبن آدم له إلآ الصيام فإنه لي وأنا أجزي به"
فالصيام وان كان عبادة وطاعة فهو بالأصل خشوع وخنوع وإذلال لملك الكون الذي لا تملك أمامه أي قوة .فأنت ضعيف لا تقوى على إحتمال ساعات من العطش والطعام , وأنت أيضا معرض لمشاعر الرغبات التي تتزايد في هذا الشهر رغما عن أنف الشياطين المصفدة فما هو هذا الشيء الذي يجعلك غير زاهد بملذات الحياة وخاصة إنه
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
فكأنما يقول لك دع عنك كل ذلك في هذا الشهر.
لا تجعل الأموال تلهيك عن اقتناص فرصة الخشوع
والاعتكاف والخلو إلى الذات والتفكر بملكوت الله .
دعك من النساء والشهوات التي تأتي بهن
فكيف يستقيم الحال وأنت تنازع الملذات بعدم الصبر على اجتنابها, فكيف يحسن أن يكافئك وأنت تقلد هؤلاء الرجال الذين كانوا يختانون بالتقرب لنساءهم
" عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ [البقرة:187]، وقد نزلت بهم آية ورخصة شرعية لأن هؤلاء لا يريدون معنى الصوم الحقيقي يريدون الإقرار بالطاعة لا الإنغماس بها لدرجة الروحانية - لذلك فهو يحاسب على الصيام بقدر المجاهدة على ترك تلك الملذات جميعها.
انت تصوم ليس لتصنع طعاما من الطيور لثلاثين يوما بل تصوم لكي تجرب الخبز الناشف بالماء.
أنت تصوم لكي تجاهد إغراءات الجنس المثيرة التي تستثار بدرجة أعلى في شهر رمضان .
انت تصوم لا لكي تطعم الفقراء وتتصدق بأموالك المكدسة بالبنوك ,فتخرج زكاتها وتوزعها على اهلك وجيرانك , بل لأن الصوم يحمل شحنة عاطفية بأن ما تنفقه على الفقراء ليس من أجلهم بل من أجلك لتتطهر روحك من حب المال والسيطرة.
هذا القليل الذي تتصدق به من أجل روحك الهائمة تشعر الفقراء ,بأن الله معهم ولم ينساهم مادام كتب عليهم الفقر في الحياة , فها هو يدفع تجار المال أن يخرجوا بزكاتهم ويضعونها في جيب الفقراء في أكبر مساندة تاريخية على الإطلاق بمعنى أن الصيام يكفل لكم مشاركة الأموال مع الآخرين ومشاركتهم في الصلوات في المساجد ومشاركتهم في إرشاد بعضهم لبعض في معرفة المتعففين والمساكين والفقراء - الذين يخفون فقرهم – وها هو شهر الصوم قد فك الإقتار والبخل وحب المال وجعلنا نفتح خزائننا لنعطيكم لكي يغفر لنا الله-جميعا تخاذلنا و بخلنا وإمساك يدنا طيلة الأشهر الماضية.
ولذا تكثر الصدقات في رمضان لمضاعفة الأجر والصدقات مفروضة كما الصلاة وكما الصوم في كل الأديان .
يقولون في الديانة البوذية عندما تتصدق فأنت ترسل أموالك إلى زمن آخر - ايمانا منهم بتناسخ الأرواح وعودتها فيما بعد على هيئة جديدة .
وفي الأسلام يدعو المسلم الى الصدقة "خذ من اموالهم صدقة "التوبة 103 و يبارك الله بالمال المنفق على الفقراء والمساكين

"ما أنفقتم من خير فلأنفسكم "وما تنفقون إلآ ابتغاء وجه الله " ( البقرة 272 )
فالصيام زهد وتقشف وترك ملابس الحرير والنساء وكل أسباب الدعة والترفيه والركوع والخشوع في محراب الخلوة كالّنساك والزهاد والمتقشفين الطوعيين من الأولياء الأبرار .
في الصيام تذبل القوة الجسمانية وتخترقها رصاصات الضعف. فلا تعود تسيطر على إرادتها أو عقلها
يصبح الانسان هشا ضعيفا أمام روحانيته أمام أشياء ومتع دنيوية كان يفترض أنها مصدر سعادته وها هو يشعر كم هي ثانوية وغير مهمة لأن في الخلوة زهد وتقشف وحساب رباني يكافأ عليه بحساب مختلف , لأن البشري الذي لم يحتمل أن يصوم عن مضاجعة النساء لمدة شهر فكان يخاتل الله فجاءت رخصة " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، بمعنى إقربوهم الآن بدون أن تختانوا من الخيانة و لكي تقول لك
ما دمت ارتضيت أن تكون من الصنف الثاني من عباده - الصنف الذي لا يحتمل الابتعاد عن الملذات .
فقد تخلى الله عن فكرة أن يكون أبناءه جميعا من الصنف الأول.
لقد تخلى على أن تكونوا امة من المتقشفين الزاهدين العابدين القانتين .
وما دام الصوم الروتيني العادي بصورته البشرية المتاحة بما هو قائم ومادام فصلا للتلذذ والتمتع بملذات الحياة كما هو حاصل بعد المغيب حيث الولائم والسفرات الممتدة بأطايب الطعام ومادامت الشهوة تستعر في هذا الشهر أكثر من أي وقت آخر وكأن ذلك لا علاقة له بالشياطين المصفدة , لأن كل شخص بداخله شيطانه الخاص الذي يوسوس له باقتناص الفرص.
وبالنهاية ومع نهاية هذا الشهر الفضيل لعلنا تعلمنا أن الصوم هو الصوم عن الملذات فيما بعد الأفطار بمعنى أن تفطر على صحن من العدس المجروش وقطعة من الخبز فقط رغم إنك تملك المال ليس بخلا كما يتراءى للسذج بل زهدا وتقشفا لكي تشعر بفقر الآخرين الذين لا يملكون طعاما طيلة السنة إلا الفتات . فالصوم بمعناه الحقيقي الصبر والتقشف و الإعتكاف والخلوة ,لا التجمعات ولا الولائم التي تحدث ولا الهدر في الطعام ولا السهرات حتى الصباح
وهاأنا اترك الأسئلة السابقة بدون إجابات لعل البحث عنها يسفر بتزويدكم بمعلومات أكثر ويثري حب الإستطلاع لديكم وبالنهاية لا تصوموا لتصحوا كما وصفها بعض مشايخ الفضائيات فقط صحة جسدية مثل تنظيف الأمعاء والكبد و المعدة وغيرها , بل صوموا لتصحوا صحة نفسية وعقلية وحركيةو وجدانية وإنفعالية سليمة .وكل عام وانتم بخير .
ورمضان كريم فلا تسرفوا كثيرا في طقوسه الإستعراضية, بل إذهبوا الى المساجد – بيوت الله اعتكفوا بها وصابروا وجاهدوا فالصيام الحقيقي هو جهاد الأقوياء .