الإسلام ليس هو الحل

محمد علي العامري
2017 / 6 / 24

الإسلام ليس هو الحل
محمد علي العامري

قال مصطفى صادق الرافعي " إذا كنت تشنق من يخالفك في الرأي ، ففي رأسك عقل أسمه الحبل ، وإذا كنت تسجن من يخالفك في الرأي ففي رأسك عقل أسمه الجدار ، وإذا كنت تقتل من يخالفك في الرأي ففي رأسك عقل إسمه السكين ، أما إن كنت تأخذ وتعطي ، وتقنع وتقتنع ففي رأسك عقل إسمه العقل " .

أصبح الدين الإسلامي هذه الأيام إلعوبة خطرة ومميتة تتقاذفها الأحزاب الإسلامية على مرمى من رؤوس المسلمين ، وأصبح الإسلام مادة رخيصة للتجارب والعبث بيد المراهقين السياسيين الذين سيطروا على عواطف المسلمين وتلاعبوا بمقدراتهم . ولو تمعنا قليلاًً وأزحنا بعضاً من أغطية الرهبنة والكهنوت التي يتلحف بها خدعة وشيطنة الغالبية من قيادات الإحزاب الإسلامية المعممة منها والملتحية ، لأكتشفنا حقيقة أمرهم ، لأكتشفنا دون عناء أن هؤلاء يتمتعون في عيشهم وفي كل جوانب حياتهم بالعصرنة ومنجزات الحداثة والحضارة الغربية ، لكنهم يجبرون المسلمين على العيش كما كان السلف قبل الف واربعمائة عام ، بل ويفرضون على بسطاء الناس وعامة المجتمع التمسك بالموروثات " المقدسة " ولزوم تطبيقها والأخذ بها .
إن الذي دفعني لكتابة هذا الوضوع الحساس والشائك والذي لابد من طرحه للنقاش لما له من خصوصية وتعقيد وخطورة بنفس الوقت ، رسالة وصلتني عن طريق البريد الكتروني من احد الأخوة السعوديين هو عبدالله الراجحي الذي يقول فيها " يا أخ محمد ، إن إسمك يدل على إنك مسلم ولقبك العامري يدل على إنك عربي ، الا ترى عندما تتمعن بمشاكل العالم اليوم هي بسبب التخبط والعشوائية والحيرة والتلكؤ عند الفكر الغربي الذي لم يفلح بإيجاد الحلول الناجعة للبشرية . ألا ترى إن الإبتعاد عن الدين هو السبب ، والا ترى إن الإسلام هو الحل " .
طرح الإسلاميون نموذجهم الأخير " الإسلام هو الحل " كحل وحيد أوحد للشعوب العربية والإسلامية ، بل وذهبوا ابعد من ذلك بكثير ليشمل العالم والمجتمع البشري بأسره . وفكرة " الإسلام هو الحل " إبتدعها الإسلام السياسي ، وبالذات حزب الأخوان المسلمين عام 1987 أثناء الإنتخابات المصرية ، وتبنتها بقية الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الأخرى لما للدين من وقع روحي وعاطفي لدى عامة الناس وخاصة المسلمين الذين يعيشون الآن في الدرك السفلي من المجتمعات البشرية بفضل الإستبداد السلطوي والإرهاب الديني . وبدلاً من أن يطرح الإسلاميون شعار " أحزابنا الإسلامية هو الحل " جاءوا بشعار " ألإسلام هو الحل " ، فمصلحتهم الذاتية ومشروعهم السياسي حتم عليهم أفضلية التضحية بالإسلام بدل التضحية بأحزابهم في حالة الفشل والهزيمة . وكما قلت في مقالات سابقة أن هؤلاء يحاربون بالإسلام وليس من أجل الإسلام .
" الإسلام هو الحل " شعار فضفاض أجوف فارغ من أي مضمون ومن أي تفاصيل ، ولم يوضوحوا لنا على أية أسس فكرية / دينية يستند عليها ، لكنهم أكدوا أن الحل لا يأتي إلاّ بتطبيق " الشريعة الإسلامية " ليعم العدل والمساواة بدل الظلم والجور والعسف الذي تتكوى به مجتمعاتنا .
كلام جميل جداً ، لكنهم لم تأتوا لنا بالحل ، فهناك أكثر من إسلام وكل إسلام ينشطر الى أكثر من مذهب وكل مذهب له شريعته، وإذا أردنا ان نتشعب في الموضوع أكثر ستتقافز أمامنا إستفسارات لا حصر لها ، على سبيل المثال : ما نوع الدولة الإسلامية المنشودة التي سيكون على يدها " الحل " ، أتكون دولة الخلافة على خطى " السلف الصالح " كما هي في مخيلة السلفيين ، أم جمهورية شيعية كما هو الحال في أيران ، أم جمهورية سنية كما هو الحال في باكستان وتركيا والسودان ، أم ملكية كالسعودية والبحرين ؟
ولو دخلنا الساحة الإسلامية سنجد أن : -
1 - هناك إسلامان لا إسلام واحد متناقضان متنافران ولا يلتقيان أبداً [ الإسلام السني والإسلام الشيعي ] فأي إسلام منهما هو الحل ؟
2 - هناك أكثر من أربعين دولة إسلامية ، وتطبق فيها أكثر من خمسين شريعة إسلامية ، فأي شريعة من هذا الكم هو الحل ؟
3 – هناك عشرات المرجعيات المتناحرة والمتنافرة ، ولم يحدد التاريخ الإسلامي أن هناك مرجعية واحدة للمسلمين منذ أكثر من الف وأربعمائة عام ولحد الآن ، ماعدا فترة النبي محمد . فأي من هذه المرجعيات تدلنا على الحل ؟ . تعالو لنواصل البحث ، عسى ان نعثر على حل :-
الإسلام السني يتكون من أربع مذاهب رئيسية ( الشافعي ، المالكي ، الحنبلي والحنفي ) ، وكل مذهب له شريعته المفصلة على مقاساته بالتمام والكمال ، وكل شريعة قائمة بالأساس على القرآن والسنة النبوية ولا أحد يستطيع نكران ذلك ، ولهم كل الحق في أن يدّعوا أن شريعتهم هي الحقة ودونها باطل. ولو إفترضنا جدلاً أن الإسلام السني توحد واتفق على شريعة إسلامية واحدة تلائم ومقاسات المذاهب الرئيسية الأربعة ، وكتب في دستور الحكومة الإسلامية " الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس والوحيد للتشريع " فكيف سيكون " الحل " في بلدان متعددة الأديان والطوائف والمذاهب والأثنيات ، كما هو العراق ولبنان ومصر والسودان وأيران وغالبية البلدان العربية والإسلامية؟ وبما أن هناك وجوب في تطبيق " الشريعة الإسلامية " وتشمل الكل ، كيف يكون إذاً الحل مع المسيحيين والصابئة واليهود وبقية الأديان ؟ وكيف يكون الحل مع الشيعة ؟ هل يتخلوا عن ديانتهم ، أم يبقوا عليها محافظين بشرط ان تطبق عليهم شريعة الإسلام السنى . أليس هذا ضرب من الخيال .. ولكن يبقى السيف معدّل الأحوال بينهم!!

الشيعة لهم إسلامهم الخاص بهم ، وهم أيضاً شيعاً ومذاهب ( الجعفري الإثني عشري ، الزيدي ، الشيخي والإخباري ) وينادون بتطبيق شريعتهم الإسلامية المبنية والمستندة على القرآن والسنة النبوية وسنة آل بيت محمد – أصول الدين عند الشيعة تختلف إختلافاً جوهرياً عن الإسلام السني - وفي حالة تطبيق شريعتهم يتوجب على الجميع الخضوع والإلتزام بقوانينها وفتواها ، فالشيعة ليس أقل دهاءاً من السنة فقد قالوا " الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس والوحيد للتشريع " وهنا يتوجب على مذاهب الإسلام السني إما أن يتشيعوا أو يبقوا على مذاهبهم بشرط وجوب قبولهم بشريعة الإسلام الشيعي . أما وضع الأديان الأخرى فليس أفضل حال عما هي عند الإسلام السني . إذاً كلّ له إسلامه وكلّ له شرعه ، وهذا يرفض ذاك .. وأيضاً يبقى السيف معدّل الأحوال بينهم .

" الإسلام هو الحل " فكرة تلغي الوطنية والمواطنة وتهدد وحدة الأوطان ، وفي تطبيقاتها يسود التسلط بإسم الشريعة ، والظلم والجور والقهر بإسم الدين . فالإسلام يميز بشكل صارخ بين المواطنين في البلد الواحد بسبب الجنس أو الدين أو العقيدة [ ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ] ( سورة النحل آية 89 ) لم يقل وبشرى للعالمين حتى يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات. فأين هي معايير المواطنة في الدولة الإسلامية ، وأين هي مبادئ الحرية في العقائد والافكار والضمائر في الدولة الإسلامية، وكيف يكون " الإسلام هو الحل " والدولة الأسلامية تلغي مبدأ المساواة بين كافة أبناء البلد الواحد، ويقتل المواطن الصالح أو ينتقص من حقه لأنه مرتد ، ويقتل المواطن الصالح أو ينتقص من حقه لأنه مسيحي أو يهودي ، أو ذو عقيدة غير سماوية . وكيف يكون مصير ملايين الناس الذين لا يعتنقون أيّ دين أو أي إيمان بإله ، وكذلك الملايين من اللاأدريين الذين يعتقدون ان الله غير معروف لحد الآن وممكن إثبات وجوده أو عدمه .
وأخيراً أين الدولة المثالية التي يتباهى بها المسلمون من بين أكثر من اربعين دولة إسلامية ؟ فلم نجد أن هناك نموذجاً يحتذى به لدولة إسلامية منذ أكثر من الف واربعمائة عام حتى تطرحوا علينا الشعار الفضفاض " الإسلام هو الحل " الذي لا يمكن تطبيقه وتحقيقه في عالمنا المعاصر .
ولم ينتهي الجدل القانوني حول أمكانية " الشريعة الإسلامية " في بناء دولة حضارية متقدمة لها دستورها وقوانينها التي تسمو بها الى الرقي وتبني مجتمعاً مدنياً يتمتع كل إنسان فيه بالحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية كميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان .

وما يبقى أمامنا سوى الإعتراف بأن العلمانية هي الحل الوحيد لشعوبنا العربية والإسلامية. فالعلمانية تعني الزمانية والحداثية وليس الإلحاد كما يحلوا للإسلاميين ان يسموها . وكذلك الدولة اللادينية هي ليست دولة الإلحاد وانما تعني فصل الدين عن الدولة ، وفصل الدين عن السياسة ، وهذا لا يعنى إلغاء الدين أو الإنتقاص منه ، بل هو تعزيزاً واحتراماً له . وهناك الكثير من رجال الدين العقلانيين يطالبون جهاراً بالدولة العلمانية ، لأنهم على دراية تامة بأن العلمانية تحمي الدين من سيطرة الدولة عليه ، وتحمي الدولة من سطوة الدين .
محمد علي العامري
24 حزيران 2017