أسئلة مهمة للملحدين

سامح عسكر
2017 / 6 / 24

طولبت منذ فترة بالرد على بعض مفكري الإلحاد وكان جوابي أنني لا أعتبر نفسي حارسا للدين، لي إيمان خاص لا ألزم به أحد، وقضيتي الرئيسة هي الإرهاب والشيوخ..ليس الملحدين..باعتبار أن الخطر على الحياة الآن والتهديد الأصلي للكوكب هو التطرف الديني.

منذ يومين طرحت مقدمة لفلسفتي الخاصة وهي.."فلسفة الصورة"..رأيت فيها التفاعل مع الأحداث لحظيا بنفس مستوى ومقدار تأثر الناس بذات الحدث، لذلك عندما أنتقد الإرهاب أنتقده من مصدره وهو.."الفقه السني"..باعتباره المؤثر الأول والوحيد على المتطرفين، لا أهتم بنقد مسيحية ولا تشيع ولا إلحاد..هذه ليست قضيتي..فمن غير المعقول أن أرى الأسد معتديا علي فأتركه وأذهب للهجوم على القطط، ثم أعتبر نفسي بطلا وأنا لم أحل مشكلتي الأصلية بكيفية الهروب من السبع أو قتله..

لا يوجد مسيحي أو شيعي أو ملحد الآن يفجر نفسه في الأسواق والجوامع، ولا يهجم على الناس في الشوارع بالكلاشينكوف، ولا يؤمن بإمبراطورية توسعية، لا يوجد بوذي يطارد الفقراء بالسياط يجبرهم على الصلاة، ولا هندوسي يهتم بالتكفير وإخراج الناس من الملة، الخطر الآن هو سلفي وهابي يستمد مصدره من فقه ابن تيمية ومذهب ابن حنبل ومناهج سيد قطب وابن عبدالوهاب، وقد نجحت أمريكا في توظيف هؤلاء ضد الاتحاد السوفيتي، ووظفتهم الآن في سوريا بمساعدة أدواتها في الخليج، ولولا انتفاضة الجيشين العراقي والسوري وتضحياتهم لابتلعت الفوضى كل الدول العربية..

منذ أسبوعين اتصل بي أحد الأخوة اللادينيين تليفونيا وطلب مني مناقشة الإيمان والإلحاد، وناقشته مرتين لمدة ساعتين، لديه شبهات وعلل كثيرة على الأديان، هو مفكر قدير وخياله جيد..لكن لم أستسغ طرقه في الاستدلال، ورأيت أن الخطأ الأكبر عند بعض الملحدين هو في كيفية الاستدلال يشبه كثيرا طرق السلفيين، كذلك جهل أكثرهم بأنواع الإيمان، الملحد يعتبر أن كل الإيمان نصوصي، وبالتالي عندما يهدم نص قرآني أو قصة أو حديث فقد هدم الدين..وهذا غير صحيح، هذا سلوك مقنع لأصحابه لكن غير مقنع عند الآخرين، ليس فقط عند المقلدين والعوام بل العقلاء والتنويريين يرفضون تلك الأساليب.

مبدئيا: فالإيمان أربعة أنواع هي:

أولا: الإيمان العلمي وهو إيمان أقلية مؤمنة بأن الدين علم، يجهدون أنفسهم في التوفيق بين النص الديني وبين العلوم الحديثة، لكن للأسف أكثرية المنشغلين بهذا النوع من الإيمان هم .."شوية نصابين"..أمثال زغلول النجار وذاكر نايك وغيرهم.. لذلك فهذا النوع محسوم خارج المناقشة ولا يصلح دليل إثبات أو حتى دليل نفي.

ثانيا: الإيمان العقلي وهو إيمان الفلاسفة ، عند المسلمين سموه بعلم الكلام، وفي المسيحية سموه باللاهوت الدفاعي، الملحد قد يستطيع مجاراة هذا النوع في الجدل لكن سيصل إلى حقيقة كانط في النهاية وهي أن العقل لا يمكنه إدراك الماورائيات ، ومناقشته لها نوع من العبث.

ثالثا: الإيمان الروحي وهو إيمان العرفان الصوفي أو ما يسمونه في المسيحية بالغنوصي، هذا لا يرى إيمانه كما يتخيله أكثرية الملحدين، ويقيني أن الملحد عقلاني النزعة لن يفهم طبيعة هذا النوع، ولكي يفهمه لابد أولا من سلوك هذه الطرق وتجربتها بنفسه..

رابعا: الإيمان النصي وهو إيمان الشيوخ والسياسيين والعوام، وهذا أضعف أنواع الإيمان وأكثرها دليلا عليه، ونقطة قوة للإلحاد يستند عليها في نقد الدين وهدمه بالكلية..لكن ليس بشكل مطلق هناك نوع قديم من الإيمان النصي ممزوج بالعقلاني عند المعتزلة نجحوا فيه بالتوفيق بين النقل والعقل..ولولا اضطهادهم والقضاء عليهم لرأينا مستقبل أفضل للأديان والإسلام تحديدا..

توجد فرضية عند الملحد تدفعه للتفكير الخاطئ، هو يعتقد أن كل شئ مفهوم، وكل سلوك له تفسير علمي، وكل شاهد أمامه محسوم..وهذا خطأ..نظريتي .."الكم والشواش".. نسفا هذا التصور وأثبتت أن ما تراه نظاما قد يكون فوضى بطريقة أخرى والعكس صحيح، صورة طبق الأصل من إيمان النصوصيين فعندما تدخلوا في إيمان العقل استدلوا بأن البعرة تدل على البعير وكل فرع له أصل..وهذا استدلال.."عبيط"..فأنت تحاول إثبات النظام في الأخير ولم تثبت بعد وجود الخالق، ونظرية الكم قالت علميا أن ما نراه أمامنا ليس محسوما كحقيقة مطلقة..حتى لو استدل عليه بطريقة علمية..

يوجد سؤال أولي قبل البحث عن حقيقة وجود الخالق من عدمه وهو.."من أنت..وما سر وجودك"..؟..فلو كان الجواب أنك كائن طبيعي مثل أي حيوان، فالسؤال الثاني: وهل وعيك البشري يساوي وعي الحيوان؟..فلو كان الجواب: أن الإنسان أخذ نصيبه من سلم التطور بينما الحيوان لا، فيكون السؤال الثالث: ولماذا أقرب الحيوانات للبشر وهو الشمبانزي متأخر في سلم التطور رغم تشابه جيناته مع البشر بنسبه 97%، لماذا لا نرى الشمبانزي ملك الغابة مثلا أو يصطاد حيوانات أخرى؟..إنه يتصرف كحيوان تماما حتى أنه يمكن أن يقع فريسة للذئب بمنتهى السذاجة..

ما الفارق الذي جعل الإنسان الحديث المسمى تطوريا Homo sapiens يكون هو ملك الأرض أو حسب تعبير المؤمنين هو.."خليفة الله"..في الأرض؟

أعي تماما الجواب وهو ربط ذلك بسلم التطور المثبت في أصل الأنواع..وهو ما يدفعنا لسؤال آخر بديهي وهو: ألا يحتمل أن يكون هذا السلم مقصود من قوة عليا مهيمنة رسخته بقانون السببية؟..ألا يمكن أن عقل الإنسان الحالي تطور بقوة ما ورائية؟..ما الذي يمنع ذلك من الناحية العقلية؟..في تقديري لم يصل العلم لإجابة صريحة وواضحة عن هذا السؤال..وقتها يكون النفي الميتافيزيقي هو إثبات حسب نظرية كانط، وإلا لم تتحدث في الموضوع من أصله وتكتفي بالقول أنه سؤال ليس له جواب أو أنه إشكالية علمية ليست لها حل الآن، قد يكون لها في المستقبل حين يتوصل الإنسان لإمكانية مناقشة وإثبات الميتافيزيقا أم الآن فلا..

أفهم أن الملحد أصبح كذلك لعدم وجود أدلة تدعم إيمانه، فهو يبحث عن الدليل، لكن في تقديري الوضع يختلف فيما لو بحث في أنواع وصنوف الإيمان، البشر ليسوا متساويين وعقولهم متفاوتة في حجم الإدراك والفكر، بل متفاوتين في كيفية استقبال الصور الذهنية وحسب مجتمعاتهم تزداد هذه الحالات تنوعا وتكثر النسبية بشكل منفلت، أنا هنا لا أثبت وجود الله ..لكن أطالب الملحدين بالتفكير بطريقة جديدة كما طالبت المؤمنين، فالسيد داوكنز يستدل بالعلم..لكن من قال أن البشر إيمانهم علمي؟..وهل الإيمان العلمي ضرورة؟..وماذا لو اتفقنا أن العلم متغير أو أن نتيجته النهائية صفر لكل الأطراف..