تفجيرات بغداد في ساعات الذروة

كاظم الموسوي
2017 / 6 / 23

لماذا تفجيرات بغداد الاخيرة، في الكرادة، من جانب الرصافة وبالقرب من جسر الشهداء من جانب الكرخ، في ساعات الذروة من تحرك المواطنين واجتماعهم، سواء في الشوارع والأسواق والمطاعم والمقاهي او في مراجعة الدوائر واكتظاظ المكاتب والمقرات بما يحيطها من باعة ومتسوقين وعابري طريق؟!. اي عقل دموي وراء تلك الجرائم الوحشية؟!، وكيف نجح في تنفيذ جريمته؟!. صحيح هذه الجرائم الارهابية ليست جديدة أو غريبة عن نسق العمليات الإجرامية وحتى طبيعة المجرمين الذين قاموا بها، وكذلك أهدافها واضرارها والغايات منها، ولكنها تلفت الإنتباه إلى أكثر من قصور وسبب في أحداثها وعدم التنبه والتهيؤ لها ولامثالها. فما حصل سابقا احدث هزات غير قليلة في الرأي العام العراقي خصوصا، واشر بقوة إلى المصادر والأسباب والهواجس. اذ لا يمكن أن تمر تلك الجرائم المروعة وما راح جراءها من ضحايا ابرباء، من كل الاعمار والاجناس، مرور الكرام، دون تحقيق جاد وتحميل مهني للمسؤولين عنها مباشرة أو غيرها، والقائمين بها أو الساكتين أو المتسترين عنها، أفرادا أو هيئات او منظمات او احزابا.
ما زالت جرائم إلارهاب في الكرادة، او في غيرها من الأحياء البغدادية، خصوصا، في الرصافة والكرخ، شاهدة في الذاكرة دون أن ينتهي امرها إلى معرفة دقيقة لمن ارتكبها او وفر لها البيئات والحواضن والمقصرين في الأمن والتفتيش والرقابة والإستعلام والاستشعار والاستخبار. فالتسارع في كيل الاتهامات وتعليق الشماعات، والاستسهال في إلقاء التبعات والارتكابات يعطي سببا آخر للجرائم والارهاب. وبلا شك حين يكون الأمر هكذا على ما مر وحصل، على انهار الدم واشلاء الشهداء، فان ما يحصل سيلحق به، والدوامة باقية رغم التقليل باعدادها او وسائلها، إلا أن النوعية والإختيار استمر فظيعا وكارثيا. وهذه النتائج والآلام تكفي لإجراء تغييرات شاملة في كل المؤسسات والدوائر المختصة والوزارات دون تردد ومجاملات على حساب الأرواح والدماء.
ما يحصل من انتصارات واضحة للقوى العسكرية العراقية، بمختلف اسمائها وراياتها، في محافظة نينوى، وهزيمة تنظيم ما يسمى اعلاميا "داعش" عسكريا وواقعيا، تترك انعكاسات لها في ردود الفعل عليها ومحاولات التعبير عن الانتقام أو تسجيل نقاط او تشويش الانتصارات والتحرير الحقيقي للأرض والانسان. مما يسجل في الوقائع اختراقات مبيتة وغفلة عن معرفة الاوضاع والاحداث، والاستهداف في حدوثها وما تلحقه من خسائر في الأرواح والممتلكات لاضعاف الزخم المعنوي اساسا. وفي الوقت ذاته يكشف عن أسباب متناقضة وعوامل متضاربة، لابد من التصريح بها علنا ووضع الحلول النهائية لها، وردع من تسول له نفسه المساس بمصير الشعب والوطن. حيث لا يمكن الازدواج في المواقف المصيرية وانتهاز الظروف وصعوباتها للتهديد والضغط والابتزاز على حساب الدماء والوطن. وهو ما تنطق به تطورات المشهد السياسي وتسارع أشخاص وأحزاب في التلويح بخطط ومشاريع خطيرة تمس مصير الشعب والوطن.
لقد كشفت العملية السياسية الجارية بوحي الإدارة الأمريكية وسياستها الاستعمارية وخطط إعادة الاحتلال والاستعمار والتخادم من جديد في التحكم والهيمنة وتوزيع الأدوار وشراء الذمم وتوفير الأجواء وتصنيع قواعد ستراتيجية لها عسكرية واجتماعية وثقافية واقتصادية، كشفت عن التهاون والتراجع في مستويات الحماية الوطنية وحتى الروح الوطنية وغلبة التنازع والتساوم والتسليم بمشاريع الاحتلال التي أسس عليها العملية، المحاصصات الطائفية والاثنية، والإغراءات في التقاسم الوظيفي والطائفي والاثني، وهو ما نجح فيه، وأدى إلى ما يجري اليوم في العراق كله.
وضوح الكثير من الأمور في المشهد السياسي يتطلب العمل السريع لوضعه في مسار البناء الوطني وكشف تناقضات المواقف الخارجية ولاسيما الإدارة الأمريكية ودور سفارتها وقياداتها العسكرية في العراق والمنطقة، وحلفائها الاقليميين، ومحمولاتها الفعلية التي تعكس ليست التناقضات وحسب وانما تؤشر الى ما رسم فعلا وانجازها لمصلحتها واهدافها، على حساب المصالح الوطنية ومستقبل البلاد والعباد. فهذه الادارة وخططها المعروفة لا تسعى إلى تنفيذ ما كانت تردده من شعارات براقة ومسميات لماعة، من مثل بناء دولة الحرية والديمقراطية والازدهار الاقتصادي، وانما تتخبط في صراعات وتناقضات محلية وإقليمية ودولية، على حساب المصالح الوطنية والأمن والأمان للشعب العراقي والمنطقة. وهنا لابد من تعامل جدي وتحمل مسؤولية وطنية في الحد من التجاوزات والتدخلات في حاضر ومستقبل العراق.
هذه التفجيرات المتتالية انذارات مسبقة او مؤشرات على خلط الأوراق والاستنزاف والتدمير وعدم الاعتبار للخسائر البشرية والمادية العراقية، وفي استهدافاتها واهدافها تكريس للمشاريع الرئيسية التي جاء بها الاحتلال وبنى أسسه عليها في الهيمنة والتحكم والسيطرة العملية، سواء مباشرة أو عبر الوكلاء والمستخدمين معه، علنا او سرا. وتعني ايضا أعمالا لاستمرار التدهور الأمني والخراب الاقتصادي والاحتراب الداخلي، الذي توظف له قدرات وتصرف له مليارات الدولارات، تحت أسماء مخادعة وصفات كاذبة.
تكرار التفجيرات في مناطق معينة وفي ظروف معينة وفي ساعات الذروة يعيد المشهد السياسي الى ما يراد له أن يكون، التنازع والابتزاز والخضوع والتهاون في بناء دولة القانون والمؤسسات والحقوق والتنمية واستثمار الثروات الهائلة في خدمة الشعب والوطن. وبالمقابل ولابد من التفكير بعد أن حصل ما حصل بضرورة الاصلاح والتغيير، وتغيير قواعد العمل في العملية السياسية بخطوات وطنية قادرة على تحمل المسؤولية ومكافحة الارهاب والفساد والمحاصصات الطائفية والاثنية، والاخلاص للشعب والوطن. بدونها ستتكرر الأعمال الارهابية وتتجدد الجرائم والانتهاكات والاختراقات الامنية وغيرها وتعود الأوضاع الكارثية عنوان الفشل والخلل في الإدارة والقيادة وبناء الدولة. الامر الذي لا يمكن السكوت عليه بعد، ولا الصمت على تطوراته وتحولاته. إنها لحظة حقيقة ومسؤولية تاريخية.
هل يمكن ايقاف ما يمكن أن يحصل من أعمال ارهابية؟!، وهل لدى الأجهزة والسلطات الإمكانات للوقاية والحماية والاستباقات لمثل هذه الجرائم؟. بالتاكيد عندها كل ذلك، وهي مسؤولة بكل الاحوال عن هذه المهمات الأساسية لاية حكومة في دولة قادرة، مستقلة، حرة، تؤمن بشعبها ووطنها، وقدراتها على التقدم والتطور والانتصار. ولعل الرد على الجرائم هذه والارهاب بعمومه وباشكاله المختلفة أو المتنوعة هو الواجب الاعلى للجميع ولمن يريد حقا أن يكون مشاركا في بناء دولة قوية وصيانة مستقبل مشرق. وإلا فالكارثة مستمرة وفي ساعات الذروة من كل يوم.