الحدباء

محمد الذهبي
2017 / 6 / 22

الحدباء
محمد الذهبي
منذ ان توقفت الحياة في المدينة لم يعد يلعب تحت اسطوانتها التي ترتكز على بناء موشوري، لايدري متى ولكنه يتذكر ان امه كانت تحذره من انهيار هذه المنارة، وتمنعه من اللعب قربها، وبعناده المعهود يجمع الصبيان ويذهب باتجاه الحدباء، ويلعب تحت جزئها الشرقي تحديداً، انها تميل باتجاه قبر العذراء ولايمكن ان تقع، هكذا يقول ابي، لكن امي تمتلك هواجساً كثيرة، اكثر من ثمانمئة وخمسين عاما وهي تقف بارتفاعها الشاهق، تحدت جميع الظروف، ولعب تحتها آلاف الصبيان بل الملايين، لايمكن لها ان تقع الآن، لقد حكى لي جدي كيف حدثت الفجوة في داخل هذه المنارة، في اعلاها، وكيف اصلحها احد البنائين وسط زغاريد النساء، يقولون انها بنيت على كنيسة تسمى كنيسة القديس بولس، والناس يتداولون اخبارا خرافية عن انحنائها الذي يميزها عن المنائر الاخرى، هذا الميلان عجيب، ولكنها تقف شاهقة، امي لاتعرف معنى تماسك الاشياء، تظن ان كل شيء قابل للسقوط حتى الحدباء.
نفسه احمد الصبي الذي كان يلعب تحت الحدباء بجزئها الشرقي، يقف اليوم مع سلاحه على انقاض المنارة، تأملها جيدا، مسك الحجارة بيده، كانت بعيدة جدا، وتوقعات امي صادقة، لقد ساوت الحدباء الارض، وهي الآن كومة من الحجارة، لم يكن فعل الزمن، كأنه يعرف كل شيء، هذا الجدار كنت اتسلقه بخفة عالية، حتى هذه الحجارة اعرفها جيدا، وانا اقف اسفل المنارة امسح على الآجر والجص، اتصور ان الله كان يقف هناك في اعلاها، ولذا لم اتوقع يوما انها ستسقط، وكثيرا ماكان يشت بي الخيال فاسهو، انني اتسلقها كي ارى الله، جدي كان يقول انها تقف بقدرة الله، ومتى ما اراد الله لها ان تسقط ستسقط، وسألته مرة: جدي حين تسقط الحدباء، هل ستقوم القيامة، لا ادري يابني فالقيامة بيد الله، يقولون ان البناء الذي اصلح الفجوة فيها وجد افعى، هل كانت هذه الافعى شيطاناً، ام انها هي التي تسببت بانحنائها، ويقولون ان الرجل انتزع الافعى من مكانها ورمى بها الى الارض فقتلها الناس، ربما الافعى ذاتها او افراخها من سيقوم باسقاط الحدباء ذات يوم، نعم يابني، المسألة كفيلة بالزمن والناس، حين اكبر ساتطوع لترميمها، انا واصدقائي قررنا ذلك، انتبه الى نفسه، رمى بندقيته وبكى بكاء عالياً.