فصول من حياة الباحث العراقي الدكتور يوسف عز الدين...نهر الإبداع المتدفق من قرية إمام عسكر حتى ويلز

شكيب كاظم
2017 / 6 / 22

الاستاذ الدكتور يوسف عز الدين علم من اعلام العراق الحديث ملأ دنيا الكتابة، كتابة وبحثا وتنقيبا وتحقيقا وشعرا وقصة، وقد لا تجتمع كل هذه المناحي والابواب في شخص فرد، لكن يوسف ذا القلم الجوال والعقل الخصيب المنتج طَرَق كل الابواب ففتحت له وتناول كل الفنون الادبية فاستجابت له ولا غرو في ذلك ففي حياته محطات عدة تشير الى تميزه بقابليات ومواهب جمة، تتيح له ما اتاحت فهو الطالب الجامعي الذي انتظم في جامعة الاسكندرية للحصول على شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها في شهر شباط عام 1946 وحاول المثبطون كسر همته وزعزعة عزيمته بأن النجاح يكاد يكون مستحيلا عليه هذه السنة وهي السنة الاولى في دراسته الجامعية، كونه وصل متأخرا شهورا عدة من بدء الدرس، وما قد يجره هذا من هزائم نفسية واحباطات روحية، ينوء بها كلكل هذا الشاب غض الاهاب، القادم من العراق نحو ربوع مصر والاسكندرية ذاتها. لكنه بعزيمة الباحثين المنقطعين للدرس والبحث، واصل الليل بالنهار، وأكب على الدرس والتحصيل وحاز ثقة اساتذته ومنهم الاستاذ محمد خلف الله احمد، والدكتور محمد طه الحاجري، والدكتور محمد حسين، والاستاذ عبد السلام هارون والاستاذ حسن عون، وكان من زملائه في الكلية الدكتور ماهر حسن فهمي، الذي قرأت كتابه الزهاوي الصادر في ضمن سلسلة اعلام العرب والدكتور كمال نشأت، استاذي في كلية الآداب، في النصف الاول من سنوات السبعين 1970 ــ 1975 اذ دَرَّسنا مادة البحث الادبي في الصف الثاني، ومادة النقد الادبي في الصف الرابع.
لم يقف جهد الاستاذ يوسف عز الدين عند البحث والدرس، وكان فيهما حاذقا ومجليا، بل اتجه ــ كذلك ــ الى النشاطات العامة خارج مجال الدرس فعمل على تأسيس جمعية الشبيبة العربية ولأن بذرة الشعر الكامنة في ذاته، والتي صبت اولى ارهاصاتها على الورق شعرا عاطفيا يوم كان في العراق، يوم حَصَبَنه الاخوات الثلاث بالحصباء فإن هذه البذرة نمت وازدهرت وازهرت ومدت اغصانها عاليا في دوحة الشعر والشعراء اردت ان انشر شيئا من شعري في الجرائد وكان في القسم الشاعر كمال نشأت، وهو من خيرة الشعراء رقة في الشعر والخلق، وكان الشاعر يؤثرني بقصائده ويسمعني اياها فأحس بالمعاناة التي يعانيها الشاعر ولاسيما وقد كنت اعرف الزميلات اللواتي ينظم فيهن الشاعر شعره وصرحت له برغبتي في نشر شعري فقال في الزمان صفحة ادبية يحررها ويشرف عليها الشاعر الكبير محمد الاسمر، فارسل له قصيدة من شعرك فقد يختار منها بيتين او اربعة ابيات لأن ما يصله كثير، واراد بذلك ان يدخل الاطمئنان الى نفسي …. ارسلت اول قصيدة كنت القيتها في الكلية بعنوان شهر منها
شهر وما احلاه من شهر كأنه بسمة في الثغر
قد مر بين الحب والطهر مثل الشذا الفواح في الزهر
وقلت للشاعر كمال ان نشر مقطع واحد فسوف اكون سعيدا لان صفحة الادب كانت مقروءة من اساتذة الكلية والشعراء والكتاب.
كنت اترقب الجريدة بفارغ الصبر وكانت الخيبة تؤلمني، وما كنت ادري ان الصفحة الثقافية اسبوعية. ولما يئست من نشرها لم اعد ارقب صدورها. وفي الصباح قابلني احد الاساتذة وعلى وجهه علامات الرضا والبسمة فقال لي
مبروك يا يوسف
قرأ علامات الدهشة على وجهي
فقال الم تقرأ الجريدة؟
أية جريدة؟
جريدة الزمان ففيها قصيدتك الطويلة، واكد على كلمة الطويلة. اكتسحتني موجة عارمة من السعادة ما شعرت بها من قبل. فقد نشرت في جرائد العراق عددا كبيرا من قصائدي لكن لم اشعر بمثل هذا الشعور الممتع الجميل، لعل اسلوب الاستاذ اللطيف وعلامة الاعجاب التي اظهرها لي هي التي نشرت المتعة والسعادة في روحي… ص90 ص91 من كتابه حلو الذكريات ومرها . طبعة دار الابداع الحديث القاهرة 1992.
لكن الاستاذ يوسف عز الدين، لم يذكر لنا اسم استاذه الذي زف له البشرى، ولقد لمست ذلك في الكثير من المواقع في كتابه الممتع هذا، ترى هل نسيها الدكتور ام ماذا؟ قد يكون له الحق في بعض الاسماء التي كانت مواقفها غير ايجابية، خشية نكء الجراح واثارة الشجن، ولكن لماذا في المجالات الايجابية؟
الرحيل الى بريطانيا
واذ اورد هذه الواقعة الدالة على مثابرة الاستاذ يوسف عز الدين ومجاهدته في ميدان الحرف والكتابة والبحث والدرس، فأن لهذه الواقعة اختا اكثر وقعا واشد دلالة على المعية هذا المفكر الاديب.
بعد ان حصل على الماجستير عام 1953 عن رسالته الشعر العراقي في القرن التاسع عشر خصائصه واهدافه يعود الى العراق، لكن يقابل بفتور وموجدة، يحسد عليها ولا يوافقون على تعيينه استاذا في دار المعلمين العالية، كونه غير حاصل على الدكتوراه، مع ان عميدها يحمل الليسانس فيكون هذا الجفاء دافعا الى مزيد من التحصيل والمثابرة والضرب في مراقي التقدم باقدام مكينة راسخة، هذا الفتور الذي قوبل به ترك اثرا سيئا في نفسه، لكن هذا الانسان المجبول على المقارعة والمجاهدة، ما فت في عضده هذا العبوس وهذا الجفاء بل ترك اثرا معاكسا، فلكل فعل ردة فعل موازية في الاندفاع ومساوية ومخالفة في الاتجاه، فيمم وجه شطر المملكة المتحدة وجامعتها لندن، وهو الذي راسل عدة جامعات هناك لندن، كامبردج، اوكسفورد، فيأتيه الجواب من كل هذه الجامعات بالموافقة، في حين يأتيه الجواب من جامعة القاهرة، بعد مرور سنة لكنه اختار اعرقها واكثرها شهرة، فذهب نحو لندن، واذ التقى هناك باستاذه الفرد كيوم وهو قس، ومثال للطيبة والخلق الرضي، وقد خدم الاسلام والعرب عندما ترجم السيرة النبوية، ثم حوله على الاستاذ داود كاوون لانه سوف يغادر منصبه الى احدى الجامعات في امريكا وشيكا، واتذكر الاستاذ داود كاوون رئيس دائرة الاستشراق في جامعة لندن يوم القى محاضرة علينا، نحن طلبة كلية الآداب في شهر نيسان 1974 عن الاستشراق وجهود المستشرقين في تحقيق تراث العرب والمسلمين، لكنه جوبه من بعض الطلبة بما يزعج
يطلب منه استاذه المشرف التحضير لامتحان التعادل لشهادة الليسانس وان ينتظم في معاهد لاقان اللغة الانكليزية، نطقا، وحذق اللهجة الانكليزية، ولم تفده اعتراضاته كونه يحمل الماجستير والليسانس فلماذا هذه المعادلة؟ لذا وطد العزم على المجاهدة والمُدارسة بعد ان لم يُستجب لاعتراضاته وعليه ان يبرهن لهم بالواقعي والملموس، امكاناته الباهرة على الدرس والتحصيل، وما هي الا اشهر ثلاثة، حتى طلب من استاذه كتابة بحث باللغة الانكليزية عن الادب العربي، ولشد ما كانت المفاجأة، فلقد اُعْجِبَ الاستاذ ببحث طالبه، ولغته الانكليزية الممتازة التي استخدمها استخداما ذكيا، وهو الذي زادَ حصيلته اللغوية بالدرس والاختلاط، اخذها شأن الباحثين العرب الاوائل، الذين دونوا اللغة العربية وِقعَّدوا قواعدها، اخذوها شفاها من السنة ابناء الجزيرة العربية، بعد درسها ومدارستها، وهذا ما كان من امر يوسف عز الدين، الذي حذق الانكليزية عن طريقتين الدرس والمشافهة، فكانت النتيجة كتابة راقية زاهية، وكدت اقول لا ارقى منها لطالب عربي وصل حديثا الى عاصمة الضباب والمطر، لكنها الموهبة والقابلية والابداع ورقة الحاشية ورهافة الشعور، صبها الله تعالى في عقل هذا الانسان الباحث الدائم الدائب عن كل جديد وفريد في دنيا البحث والعلم والكتابة، وكان من اثر هذه الدراسة الرصينة، التي نالت اعجاب استاذه واستحسانه ان وصلت اليه بعد اسبوع من الزمن، رسالة تخبره باعفائه من امتحان التعادل وقبوله في مرحلة الماجستير.
يقول الدكتور يوسف عز الدين كنت في لندن اسابق الوقت واذلل الصعوبات واواصل الليل بالنهار للدراسة والعمل والترجمة والكتابة ودراسة اللغة الانكليزية واجادة الكتابة. وقد كنت اقبل على عملي بشوق برغم المَشاق التي كنت اعانيها، ولا احس بالوقت حتى تطل عليّ الشمس من الشباك واحس بحرارتها تحيي هذا الغريب الوحيد في حجرة بلسعة منها المرجع السابق ص118.
لكن هذا النجاح ما كان ليجعل الغرور يتسرب الى نفسه، فالغرور قاتل الابداع والتألق، واذ مرت ستة اشهر اخرى على درسه وبدء تحضيره للماجستير، حتى اعفاه استاذه من ذلك، اعترافا بقابليات هذا الطالب النابه العلمية وواصل الدرس لينال الدكتوراه من جامعة لندن عام 1957 عن رسالته الشعر العراقي الحديث والتيارات السياسية والاجتماعية Poetry in the social and political development of 20th century Iraq وعلى الرغم من ان الجامعة التي تخرج فيها، رغبت اليه ان ينتظم في عدادا اساتذتها الا انه لم يوافق على ذلك، وآثر العودة الى وطنه العراق ليضع علمه وتحصيله في خدمة وطنه وليرد بعض الدين الذي عليه الى العراق، وما فتئ ان اصبح استاذا في كلية الآداب»جامعة بغداد، ثم معاونا لعميدها، العلامة الدكتور عبد العزيز الدوري، حتى اذا جاء الدكتور مهدي المخزومي عميدا آثر الانصراف، لاختلاف المشارب والاتجاهات.
هناك من البشر من ينحني امام المصاعب والمثبطات التي تواجهه في مسيرة الحياة، فتراه يذعن لارادتها ويوطن النفس على العيش بما قسم له، ولعل ذلك ناتج عن ضعف في شخصية هؤلاء، وتطامن ازاء احداثها، ولكن يوسف بما جبل عليه من شمائل حميدة، وبما حباه الله من خصال، كان يوظف هذه المثبطات نحو مزيد من التقدم في دنيا البحث والدرس، ونيل ارقى الشهادات العلمية.
حدث ان توجه مدير معارف لواء ديالى وهو الذي امضى سنوات عدة من عام 1941 1946 في مهنة التعليم في قرى ديالى ونواحيها، طالبا منه نقله الى مركز اللواء كي يستقر قرب اسرته، لكن المدير ضعيف الشخصية الذي كان يقع تحت مؤثرات ذوي النفوذ، وعائلة زوجته المتنفذة، قابل طلبه بعدم اهتمام، واذ حاجَّةُ يوسف، بما يملك من حق وقوة حجاج، فما كان من المدير وقد اُسْقِطَ في يده، والذي لم يستطع قرع الحجة بالحجة لضعف موقفه الاداري، الا ان يدير ظهره، وهو الجالس على كرسي دوار متحرك ماسكا بيده الجريدة، موحيا بانتهاء المقابلة وعدم رغبته بتلبية مطلبه العادل بالنقل.
كانت هذه المقابلة المخيبة للآمال، والتصرف غير المنضبط لمدير المعارف سببا في توتر نفسي حاد عصف باهاب ذلك الشاب،وكان عليه رد التصرف بما يماثله، وكيف يكون عند يوسف عز الدين؟، يكون الرد بتخطيه عن طريق اثبات الذات وقدراتها العلمية، اذن فليتوجه نحو بغداد، ونحو وزارة المعارف ذاتها، كي يقدم طلبا لغرض الموافقة على منحه اجازة دراسية لنيل الليسانس وتشاء المصادفة الجميلة ويشاء الحظ السعيد ان يتولى وزارة المعارف الاستاذ صادق البصام رحمه الله الشخصية دمثة الاخلاق والمخلصة في عملها، يقدم يوسف الطلب فيوافق عليه، بعثة الى الاسكندرية التي وصلها في شهر شباط من عام 1946 وكان قد مضى على بدء الدروس شهور وشهور لكنه يوطن النفس ويشد العزم ويربط ليله بنهاره قراءة ودراسة لتعويض ما فاته من ايام الدرس وتمضي السنون ليحصل على الليسانس بمرتبة الشرف، وتظل هذه المرتبة؛ الشرف او الشرف الاولى؛ ملازمة له في الليسانس والماجستير من الاسكندرية والدكتوراه في جامعة لندن ولعل من مفارقات الحياة ان هذا المدير اسرع بمقابلته بكل الترحاب واظهاره المودة مهنئا اياه بالشهادة الجامعية العليا يوم عاد حاملا الدكتوراه راغبا اليه زيارته في مكتبه كما ان المعلم الذي عرض يوسف عز الدين قصيدته الشعرية ايام الطلب واجهه بكل ما في قاموسه من عبارات اللؤم وخفض الهمة مصرحا بانه يصلح لكل شيء الا للشعر هذا المدرس الذي كان يقرض الشعر هو ذاته يذهب اليه يوم اضحى امينا للمجمع العلمي العراقي والذي كان يرأسه في ذلك الوقت 1962 الدكتور ناجي الاصيل اذ كانت الدولة في العراق اقامت بداية شهر كانون الاول 1962 مهرجانا علميا ثقافيا سمي مهرجان بغداد والكندي دعت اليه كبار العلماء والادباء والباحثين وعددا من اهل الاستشراق، وشارك الشعراء فيه فشاء هذا المدرس الشاعر المشاركة في المهرجان بقصيدته فذهب متنازلا عن غطرسته وغلوائه ناسيا كل ما قال من قول راجيا من تلميذه الذي اصبح ما اصبح عليه ان يطلع عليها لانه لم يجد في كل العراق من يستطيع عرض قصيدته عليه، او يأتمنه عليها والله في خلقه شؤون
ولد يوسف عز الدين بن السيد احمد بن السيد عبد الرزاق السامرائي، في مدينة بعقوبة، بداية العقد الثالث من القرن العشرين، وكان ابوه ضابطا في الجيش العثماني، وشارك في معارك هذا الجيش في الاناضول وقفقاسية، وغيرها من الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية ضد اعدائها، حتى اذا انتهت الحرب الاولى 1914 ــ 1918 بهزيمة الدولة العثمانية، عاد فيمن عاد من الضباط العراقيين والعرب الى بلادهم، ولقد عُرف عن ابيه كرمه واباؤه واخلاقه الحميدة، وكان يطلق عليه لقب السيد فالعائلة كانت تسكن مدينة سامراء، وبيدها سدانة الروضتين المطهرتين للامامين الجليلين الحسن العسكري وعلي الهادي عليهما السلام ويرجع نسبها الرفيع الى الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ورضي الله عنه وارضاه وتشاء النوازع الذاتية لان تدق اسفينها بين الاعمام والاخوة فتنشب معركة دامية شرسة بين الطرفين الامر الذي يدفع والي بغداد داود باشا الى تجهيز حملة عسكرية لفض الاشتباك وحقن دماء الاخوة وابناء العمومة ومعاقبة المسيئين فتتفرق الاسرة في انحاء شتى من العراق والدول المجاورة وحتى البلاد البعيدة فاصبح منهم راجات في الهند، فيما سكن آخرون في ايران في حين شاء اجداده السكن في لواء ديالى وعاشوا فيها ردحا طويلا من الزمن.
الرصافي
واكبت نتاجات الدكتور يوسف عز الدين وكتاباته منذ وقت مبكر يعود الى منتصف سنوات الستين من القرن العشرين فكنت اقرأ ما ينشره في المجلات والجرائد العراقية، وبين يدي مقالته التي خصصها للذكرى الثانية والعشرين لوفاة الشاعر الكبير معروف بن عبد الغني الرصافي 1975 الجمعة 16 آذار 1945 اذ نشرها الملحق الادبي لجريدة الجمهورية يوم الخميس 16 من آذار 1966 كما اطلعت على كتاباته الاولى ومنها كتابه داود باشا ونهاية المماليك في العراق وفيه سرد لاحوال العراق في العقود الاخيرة من حكم الدولة العثمانية، مستندا على مصادر عديدة ووثائق وثقت لتلك المدة وخاصة ممن عاشها وعاصرها معرجا على داود باشا ونهاية الحكم المملوكي في العراق كما اطلعنا على قصائده التي كان ينشرها في الصحف والمجلات العراقية الاقلام مثلا، وكانت الدراسة التي كتبها عنه المرحوم خضر عباس الصالحي، وعن شعره تناول فيه شاعرية الدكتور يوسف عز الدين من خلال التجوال في دواوينه الثلاثة الاولى 1 في ضمير الزمن 2 الحان 3 لهاث الحياة وصدر الكتاب شاعرية يوسف عز الدين للاستاذ خضر عباس الصالحي عام 1383 1963، فكان سياحة فكرية ذوقية جميلة في ثنيات هذه الدواوين الثلاثة التي لم يقصرها الشاعر على لون من الوان الشعر واغراضه فترك قريحته الشعرية تجوب حقول الشعر ومعانيه، بحثا عن فرائده وازاهيره، وضوعا لعبيره وعطره، فكتب في اغراض الشعر المتعددة فنراه متغزلا عاشقا مرة، ونراه اخرى واصفا، وثالثة مودعا مستذكرا، ولأن الموت باغت الباحث الاديب خضر عباس الصالحي مبكرا فلم يتسن له دراسة دواوين الشاعر الاخرى التي نشرها في اوقات لاحقة مثل دواوينه من رحلة الحياة وهمسات حب مطوية.
كان الدكتور يوسف عز الدين استثناء بين المبدعين حيث عرف في بداياته شاعرا قرزم الشعر او غرزمه يوم كان طالبا في الصف الاول الثانوي وبدأ قصيدته بكلمة إيه وكأنه ارتكب جريمة كبرى وتنبأ له مدرسه بانه لايصلح للشعر وعليه تركه هذا الرأي كاد يخرس تلك الاصوات المترنمة في اهاب يوسف عز الدين لكن شاء الحظ ان يكون في المدرسة استاذ فلسطيني اسمه ميشيل حداد كان شاعرا فعرض عليه الطالب بعضا من شعره فاستحسنه وبث في نفسه نسغ الثقة واريحية الشعر حتى اذا اصبح معلما في قرية امام عسكر واندلعت حركة مايس 1941 التحريرية كان يذهب الى دار الاذاعة اللاسلكية في بغداد ليذيع منها قصائده الحماسية لنصرة الجيش العراقي المتصدي للقوات البريطانية المتعسكرة في سن الذبان والشعيبة او تلك التي نشرها في الجرائد كما ان سفره الى الاسكندرية لغرض الدراسة في جامعتها كان حافزا قويا لصقل موهبته الشعرية وخاصة بعد اختيار قصيدته من قبل رئيس القسم كي تلقى في المهرجان في الحفلات السنوية كانت القصائد تعرض على رئيس القسم لاختيار الجيد منها بعد ان تجمع عنده ومنها يختار قصيدة لتلقى تمثل القسم في حفل الكلية السنوي.
كنا حشدا من الطلاب وكل واحد منا جلب قصيدة وتمنى ان يكون هو الفائز بالقائها …. وكنت احس باني غريب بين الطلاب لاختلاف اللهجة والصحبة فقدمت قصيدتي وجلست بعيدا فكان رئيس القسم ينادي على اصحاب القصائد لتلاوة جزء منها .. جاء دوري وكان امتحانا صعبا الطلاب يجلسون في حجرة رئيس القسم الكبيرة فدخلت والحياء يغلبني والخجل يسيطر عليّ … ولم تطاوعني نفسي في الالقاء، واحس الاستاذ محمد خلف الله احمد بما يعتمل في نفسي، وبدأ يداعبني، ولما اطمأنت نفسي وهدأت، قرأت ابياتا من قصيدة النيل اولها
لا تسألني عن جمال السكون وعن الربيع الامل الحالم
قد انعشتني في ظلال الفتون نفحة طيب من شذا هائم
قد صافح العطر رفيق الغصون فاحتفلت بالموسم الباسم
رأيت وجه الاستاذ يتهلل وينصت بكل مشاعره وقلبه ويبتسم ابتسامة حلوة عذبة وكأنه اكتشف شيئا جديدا … ولم يتمالك نفسه فقال احسنت. وعندما اكملت المقطع الاول ….. قال كفى.
رجحت ان تكون مجاملة أستاذ لتلميذه… فقد كان يسمع مقطعا واحدا من كل قصيدة…. التفت الى الطلاب وقال انتهى الاختيار… تفضلوا بالخروج واتركوا قصائدكم عندي ولما خرج الطلاب وكنت معهم ناداني وقال انتظر لا تذهب اجلس ولما جلست قال انك الذي سوف تلقي قصيدتك في الحفل …. كانت الفرحة كبيرة لم اكن اصدقها ص88، ص89 المرجع السابق.
كما ان نشر جريدة الزمان المصرية المسائية التي كان يصدرها الشاعر المصري المعروف محمد الاسمر، لاول قصيدة بعثها الى الجريدة، واحتلت القصيدة صفحة كاملة هي كل الصفحة الثقافية، شكل دافعا آخر قويا نحو ولوج عالم الشعر بثقة وطموح، حتى اذا استوى من هذا الشعر ما يشكل ديوانا، اصدر ديوانه الشعري الاول في ضمير الزمن اصدره في مدينة الاسكندرية عام 1950 عن دار الطباعة الحديثة، اردفه بديوانه الثاني الحان الصادر في الاسكندرية كذلك سنة 1953 وقدم للطبعة الثانية منه الصادرة عام 1971 الشاعر المصري الكبير احمد رامي بقصيدة جميلة، جاء في مطلعها
طالعتني ابكار عز الدين سانحات في جنة وعيون
وبودّي ان اطلع القارئ الكريم على مقدمة الطبعة الثانية من هذا الديوان الحان لمن لا يستطع قراءتها في الديوان لنفاده، ولأن فيها خلاصة لرأي يوسف عز الدين في طريقة نظم الشعر وارهاصاته وبداياته ومكوناته. يقول سألني سائل كيف اصبحت شاعرا؟ وكنت في بداية حياتي الشعرية فاحترت في الجواب لاني وجدت نفسي انظم الشعر واترنم بموسيقاه واطرب لالحانه دون ان اعرف الخليل الفراهيدي وعروضه نظمت الشعر دون ان اعي هذه الحقيقة واخذت اسأل نفسي السؤال نفسه واراجع ذكريات الطفولة القديمة وما بقي من ظلالها الشاحبة في اللاشعور فكان بينها ذكريات خروجي منعزلا في خارج المدينة متجولا بين الفضاء المطلق والدنيا الرحيبة وجدت نفسي اترنم بكلمات والفاظ لا معاني لها وبلا هدف ظاهر غير صوت موسيقى يلم شتاتها تسير على هذا النغم وانا اطرب له فما هي تلك المخارج والالفاظ الموسيقية التي كانت تواتيني والتي كنت اقضي بها وحدتي في التجوال متمتعا بها وكأني اعزف على قيثارة صوتية مخارجها صوتي وترانيمها مشاعري؟
ما كنت في تلك السن ادرك من الشعر معنى ولا اعرف ما الشعر ولا النثر فهل كانت هذه البداية هو الحس الموسيقي وهل كانت ولادة موهبة الشعر؟
فاذا كان الجواب هي بداية الشعر فهو يولد مع الانسان وينبع مع احساس داخلي ويبرز بالصقل ويكبر بالرعاية والعناية وقد اتيحت لي فرصة لنمو هذه الموهبة بديوان اهدي لي وجدت نفسي فيه غايتها ومشاعري متنفسا في قراءتها فبدأت احفظ هذا الديوان بلذة وشغف ولم تعد الترانيم المبهمة التي ارددها كلمات واصوات دون معنى فقد عوض الشعر بموسيقاه عن مخارج تلك الكلمات وموسيقى تتناسق معه تلك الاصوات غير المفهومة ثم بدأت احس بأن في صدري شيئا وبأن في قلبي احساسا يريد ان يظهر ولكني لم اكن قادرا على الايضاح او مستطيعا على الافصاح وفي ليلة من الليالي كنت اقرأ قصيدة من قصائد الشعر الذي هزني انتابتني نوبة غريبة وشعور مبهم دفع بي الى تقليد القصيدة ولكني لم اكن قادرا على السير في فحواها، فقد اصابني الاعياء، وذهبت تلك النوبة الغريبة …. والشعر خلجات تتدافع في النفس عارمة لايمكن للانسان ان يقف ضدها، فتثور هذه الخلجات، وتفيض العواطف، فينظم الشاعر شعره كما يغرد العندليب اغاريده وكما تهب النسمة العذبة الرخية، ويفوح الشذا العبق، وهو اسير قوة خارجة عن ارادته، لايمكن ردها، هو الالهام، او هي السليقة، او هي الموهبة، سمها ما شئت، فقد جهل الشعراء هذا الامر وحسبوه سحرا …. وكلما تنوعت ثقافته وزاد محصوله اللغوي كان اقدر على حديث العبارات، وصوغ العواطف، لانهما من ادوات الشاعر التي تملي عليه الدقة في التعبير، وصياغة المعاني متى قدر على السيطرة اللغوية اصبحت اللغة طوع آرائه والخيال ملك تعابيره …. .
شهدت نهاية النصف الاول من القرن العشرين، ظهور لون جديد من الوان الشعر وقد جاء هذا التجديد على يد الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وشاذل طاقة، واذا كان السياب نشر قصيدته الاولى المسماة هل كان حبا؟ في ديوان ازاهير ذابلة ، ناسجا وشيها على اللون الشعري الجديد الذي اطلقت عليه تسميات كثيرة لعل اقربها للدقة شعر التفعيلة ولم يكن ليعلم انه يخترع جديدا، فأن نازك كانت اوسع افقا اذ كانت تعي ما تقول وتعمل، ونظمت قصائدها الاولى التي نشرتها في ديوانها الاول شظايا ورماد الذي صدَّرته بمقدمة وضحت فيها هدفها من الكتابة بالنهج الشعري الجديد، لكني وجدت في القصائد الاولى للشاعر يوسف عز الدين ما يشير الى بل ما يؤكد، ولوجه هذا الميدان مبكرا، وضربه بسهم وافر، وتوصل الباحث البولندي أنجي دريفنوفسكي في رسالته للماجستير الموسومة بـ يوسف عز الدين شاعرا وناقدا الى توصلات قمينة بالمدارسة والمراجعة والتثمين اذ نص على ان يوسف عز الدين يعد من اوائل من كتب بهذا اللون بشعر التفعيلة ولم يطلق كلامه بدون دليل وكان دليله اشعار يوسف عز الدين في تلك المدة مشيرا الى قصيدته غمغمة لحن ، واذ رجعت الى ديوان لهاث الحياة الصادر عام 1960 عن دار العلم للملايين بيروت وجدت هذه القصيدة مذيلة بتاريخ 28»10»1943 ونظمها في مدينته بعقوبة وفيها يقول
انا في انغام شعري»شقيت نفسي وعمري»من رضاب الدهر اسقى»شجن العيش الممر»انا ريان ولكن»من اسى دهري وخمري»شردت انغامه الاحزان»مذ رنت بصدري»تطرب المحزون مذ حفت»حواشيها بسحر»عصفت رناتها الثكلى»وصبّتها بشعري.
واذا كانت بعض القصائد التي نظمت على هذا النهج مثل قصيدة المجهول التي نظمها في لندن عام 1955 او قصيدة ليلة العمر التي نظمها في الآستانة في 7»4»1954 ولله دره اذ ابقى على اسم عاصمة الخلافة الاسلامية، وكذلك قصيدة الهمسة الحيرى المنظومة في لندن في 25 ايلول عام 1954 التي جاءت متأخرة عن البدايات بداية الرواد، بدر ونازك، فأن الباحث يستطيع المحاجّة في القصيدة الاولى غمغمة لحن التي ترجع الى تأريخ يسبق البدايات، الامر الذي يجعلنا نؤكد ان الشاعر الدكتور يوسف عز الدين رائد من رواد شعر التفعيلة، سائلا عن سبب ترك هذه الحقيقة العلمية دون انارة جوانبها ووضعها في موضعها الواقعي الصحيح من قبل الدكتور؟ ترى اهو الزهد في الشهرة وقد نال منها شيئا كثيرا، او عدم الرغبة في سباق لا طائل من ورائه؟ مع ان الزهد وعدم الرغبة لايعفيانه من وضع تلك الحقيقة العلمية في الاطار الصحيح لأن الحقائق العلمية ليست ملكا للافراد بل هي ملك القارئ والمتلقي والباحث، وتلك مهمة النقد كذلك.
قلت، لم تقف جهوده الابداعية والفكرية عند حد الشعر على كثرة ما كتب فيه، بل تعداه الى الكتابة في فروع العلم والآداب المختلفة، وتكاد قائمة كتبه المؤلفة تجعل القارئ والدارس يحس بالانبهار المشوب بالاعجاب والمحبة، لهذا العقل الجوال والقلم كثير الصيال الذي يضرب في مفازات المعرفة، فتراه يكتب في النقد والتاريخ الحديث؛ تاريخ العراق؛ بشكل خاص كما يدلو بدلوه في فن القصة، ولعل كتابه حلو الذكريات ومرها، دراسة للمجتمع العربي وثقافاته المعاصرة الصادرة طبعته الاولى عام 1992 عن دار الابداع الحديث بالقاهرة، من كتب السيرة الذاتية الرائعة، وقلة من المبدعين من دونوا سيرهم الذاتية ووضعوها بين ايدي الدارسين، فذهبوا وذهب معهم ما كان محفوظا في الصدور، من ذكريات ورغبات ولواعج وامنيات، في حين وضع الآخرون، هذه الذكريات وهذه المسيرة في الحياة في متناول القراء والمتلقين، فلقد نشر الدكتور طه حسين سيرته الذاتية في كتابه الايام والدكتور جورج حنا في قبل المغيب وميخائيل نعيمة في سبعون والمرحوم الدكتور كمال السامرائي في حديث الثمانين صدر في خمسة اجزاء والدكتور لويس عوض وغيرهم. فجاء الدكتور في كتابه الممتع هذا ليجعل منه اضافة نوعية جميلة، لهذا اللون من الوان الكتابة السيرية.
آراء نقدية
من المعروف عن الدكتور يوسف عز الدين، اعتزازه الشديد بنتاجه الفكري والمعرفي، اذ يعدّه جزءا منه مادام كتبه وابدعه وصرف فيه عصارة الذهن وكد الروح، ويحضرني هنا ما ينسب للموسيقار المطرب محمد عبد الوهاب قوله يسألوني ماذا افضل من الحاني، فأقول لهم اسألوني ماذا افضل من بدني، سمعي ام بصري، فاذا عرفت الاجابة اجيب عن سؤالكم. لذا رأينا الدكتور يحرص على طبع كل ما كتبه حتى تلك الاجزاء من مقالاته ودراساته تلك التي حجبها المحرر، او تلك التي حجبت لاسباب عدة، لذا جمع هذا النتاج الناجي من الوأد فاصدره في كتاب ممتع ورصين، اسماه آراء نقدية نجت من الوأد صدرت طبعته الاولى عن دار الابداع الحديث في القاهرة عام 1413 ــ 1993 والفائدة التي يجنيها القارئ لهذا الكتاب، اطلاعه على الكثير من الآراء الغاطسة والمسكوت عنها، في دنيا الثقافة والادب، وحاولت الجرائد والمجلات حجبها عن عيون القراء، ابتعادا عن وجع الرأس الذي قد يجلبه الرأي الصريح والقلم المسبار للكاتب والناشر..