الأحتفاء بالذات/ الروائية سميرة المانع في..(شوفوني...شوفوني)

مقداد مسعود
2017 / 6 / 21

الإحتفاء بالذات ..
الروائية سميرة المانع في (شوفوني ..شوفوني) .
إلى (تماس المدن) رواية المثقف الموسوعي : نجيب المانع - طيّب الله ذكره وثراه –
مقداد مسعود

(*)
(هل تستوجب الحياة القصيرة كل هذه التعقيدات ؟) هذا السؤال توجهه مديحة لأحداهن في الصفحة ماقبل الأخيرة في رواية (حبل السرة ) للروائية والقاصة الأستاذة سميرة المانع .تأسيسا على المقبوس ترى قراءتي أن رواية (شوفوني .. شوفوني ) هي محاولة للجواب السردي على سؤال(حبل السرة ).. و قراءتي ترى في الروايتين درسين للأحتفاء بالوجود والموجود والأنوجاد ..بل هي دعوة لمعالجة كل منغصات الحياة بالضحك كما انهت الروائية روايتها (حبل السرة) تدعوا التلاميذ في ( شوفوني .. شوفوني ) ونحن معهم / معهن :(تعالوا نضحك، الإنسان مضحك ، العالم مضحك ، اسرعوا هيا بنا دعوة مفتوحة ، ضحك ،ضحك، ضحك، هبوا معها ضاحكين ، مجانين ، ها، ها، ها، )..وحين أقشّر الضحك أسمع مولاي النفّري وهو ينصحني به ..
(*)
السرد الروائي بالنسبة لي كقارىء نوعي يعتمد كليا على لغويته .هذا الاعتماد هو الذي أسرني/ وسرني فجعلني في جلسة واحدة رمضانية التهم الرواية كلها .أقولها ملء الفم والقلب أنشددت ُ لأسلوبية السرد المتمكنة ،الهادئة الواثقة: من شحناتها الطرية ذات الاقتصاد الأسلوبي .. لغة ساردة جعلت روحي (مفتخرة، ناظرة لما حولها بإعجاب، مكتشفة دائما احساس اللطف والجمال في اصغر المخلوقات / شوفوني ..شوفوني – 60)...تجسد الرواية تمكن المؤلفة السردي البالغ الجودة .إذن أسلوب السرد (ليس مسألة مهارة حرفية بقدر ماهو رؤية خاصة 198- بشهادة مارسيل بروست- السيميائيات – بيير جيرو )..لغة ساردة تطلي قصديتها بمسافة من الوهم الجميل ، بموضوعية التناول كأنني أمام كاميرا محمولة تسرد بحيادية شبه مطلقة .. كاميرا لا تقترب لتلغي المسافة ولا تبتعد لتضبب وضوح الرؤية لدى المتلقي ..وهي لغة مشحونة بزهوة الأخضر الميداني لغة تعاضد الإنسان المقهور وتغوية بتناول الحياة شعريا ..(المناظر الطبيعية للعالم الواسع الجميل الخلاب الذي يسع الجميع ولكل حصته ليرفع قامته وينفخ صدره نافشا ريشه متباهياً محققا ذاته ...زهور النرجس، شجرة التفاح، الطير، أجل الجميع يقول : أنا، أنا ، شوفوني ، شوفوني ، تنهدت وهي تبتعد عن الشباك ،أيكون الفرق بينهم ، ان العض يدمر غيره من اجل مصلحته فقط على حساب غيره متذكره حزن الرجل العجوز المقرفص بالشارع ، النحيف بسيقان الجرادة، المرأة المتكومة النائمة اليائسة وسلتهما المطاط الفارغة . تذكرت الهجوم على الاهوار وتجفيف مياهها، الاعتداء على الكويت .عمليات التهجير .آلام الاكراد . انتبهت فاطمة للطير يغرد مسرورا نشوان 171)..وأنا أقرأالرواية ثانية رأيت الرواية : صياغة سردية لسؤال الذات والمكانين الوطن والمهجر الأختياري وأجمل مافي هذه الرواية هو دعوتها للتعايش السلمي بين الأنا / الآخر وعلى مستوى آخر هذه الرواية : إطلالة حداثية محمومة (بين الرغبة في الاكتمال وقوة اللاكتمال المبثوثة في كل نواحي اللغة والتاريخ والوجود )
(*)
..الفضاء الروائي يتسع لكل الهم العراقي المتوارث الذي تخصبّه الحكومات المتعاقبة سوطا على ظهورنا ، لكن الرواية تطلق كل نوارسها صوب سفائن أرواحنا المتهالكة وتوصينا بنا خيرا :(الشيء الوحيد المهم في هذا العالم هو الجو المعتدل والطبيعة الخلابة 60).. وعي حداثي لايطلي السرد بل ينبضه فيتدفق الوعي سردا روائيا بديعا .الصورة السردية متماسكة في شعرنتها وفي ترشيق السرد
(*)
(الأغنية تعيد نفسها، بقة محصورة في قنينة . توشوش مرتطمة بجوانب رأسها ،ويمنة ويسرة كعباءة سوداء ملساء يتزايد ضغطها، كلما خلعتها ألصقوا قماشها الاملس بها 5) هذه هي الأسطر الأولى من الصفحة الأولى من الرواية ومابين القوسين يمثل الخلية السردية الموقوته للرواية .. فالأغنية والبقة المحصورة والقنينة والعباءة . هذه المفردات تشتغل بوظيفتيّ : دال / مدلول ومن خلال هذه المفردات تنهض شبكة علاماتية .لأن (المعنى علاقة ، وهذه العلاقة تضم المعنى القديم إلى معنى جديد / 49- بيير جيرو) ..في نهاية الرواية نكون مع صورة للطاغية ضمن مقال لكاتب بريطاني (كافن يونك )..(متكأ برفق على ظهر كرسي من طراز لويس السادس عشر وتحت الصورة الفخمة المعلقة بالطريق العام ، يقرفص مباشرة رجل عجوز عراقي شعبي ، حاف ،سيقانه نحيفة كسيقان الجرادة ،وبجانبه ربما زوجته .امرأة متكومة على الأرض ، نائمة من اليأس ، قربهما سلة مطاط فارغة صفراء خالية من الطعام 170) ..
إذن الرواية بين قوسيّ صورتين سرديتين : الأولى تمثل الشدة والأخيرة تمثل الفرج وفي الصورتين يتم إنتاج العالم تخييليا . الصورة الأخيرة تجسد الخبرة الحسية الدقيقة في إحتفاء الذاتي بمباهج الكينونة هنا تكون وظيفة السرد ترسيم صورة تتخطى الميداني فالشباك الذي تطل منه فاطمة يتخلى عن موضعه الراسخ فيه ويغدو متماهيا في الاشياء المبهجة وكأن مباهج الطبيعة أخترقت الشباك ذاته وتبخرت حدود الداخل / الخارج في لحظة تماه بين نصيّ الذات /العالم ..
خلافا لذلك كانت الصورة الأولى ، فالكائن الصوتي (الأغنية ) يستعير السرد المتخيل له كائنا ضئيلا ومزعجا يتحرك في فضاء ضيق له لون أسود أملس لا يمكن التخلص منه ..وهكذا فالتشكيل اللغوي للصورة يؤكد أن الصورة (ظاهرة نصية ترتهن – في بنائها – ومن ثم في دلالتها ووظيفتها – بالبنية النصية وما يحكمها من آليات التماسك والتلاحم والتفاعل والتناقض – 13- د. شكري الطوانسي – شعرية الاختلاف - ).. في فصل (روميو وجوليت) صورة سردية مسبوقة بمقبوس سردي(من رواية جورج أوريل ،،أيام برما ،،) بحروف أصغر حجما وللمقبوس وظيفة إستباقية في تقشير شفرة الصورة السردية التالية المنسوجة من المسرحي والمتخيل في الذات الإنسانية : حين تسأل أحدهم في محفل بسيط عن أحواله فتكون إجابته ممسرحة (فغرفاه بابتسامة عريضة لكنها خجول تخفي امرا كقبعة خوص واسعة مستديرة منخرقة خفية في الوسط / 91) وحين يخبرها أنه يكتب ستكون إجابته ممسرحة أيضا
(لاويا ذراعيه نيابة عن الشرح، ملوليا كفيه واحدة أثر الأخرى ) وحين تسأله عن نوعية مايكتبه
فيحوله سؤالها بقوة دافع جنسي لديه إلى تجاوز المشافهة العقيمة رغم انه في جلستهما (شعر انها لن تلعب بشعره)!! وهذه أيضا صورة سردية ساخرة ، فيخاطبها (تعالي الى شقتي وسترين ما اكتب ..) هنا السارد سيكذب على القارىء في قوله (قبلت الدعوة ضاحكة محبذة الاقتراح بعفوية طبعها) ..أعني كان على السارد العليم أن يؤكد نباهة الأنثى وبداهة الجواب القوي حين تجيب فاطمة (او تأتي انت لنا، سترى ابني جعفر اثناء ذلك معا /92). .رد فعل الشاعر العربي
سأعمد الى ترقيم نقلاته :
*بمجرد ذكر الاسم الاخير في ردها ثارت الزوبعة .
*اقام الشاعر العربي من قرفصته
*أقضت مضجعه
*لم ينتظر اسئلة اخرى منها
*انتفخت اوداجه وشبع
*قام من مكانه كالسبع ليسلم على آخرين قادمين في الحفلة .
ثم تأتي الصورة السردية الرئيسة ، أعني القسم الثاني من صورة ابتسامة القبعة الخوص وهي كالتالي (الفم الذي سبق ان كان قبعة مستديرة واسعة صار طماطة منسحقة 82)..هنا الصورة الكاريكتيرية والشاعر العربي يبدو أنه مريض أبدي بنزعة التمركز وهو موطوء بحدود الواحد ، فهو يرى منفضة فقط ..
(*)
الإعلام لايكتفي بالتزييف بل يصادر ملكيات الغير ويوسخها ويمسخها فالأعلام مياه راكدة لايحصل على حركته المدوية إلاّ من خلال عمى الآخرين ونأيهم عن مكان الحدث فالوظيفة الرئيسة للأعلام هي هندسة الجماهير وبرمجة وعييها بتوقيت مزاج الحكومات ومصالحها ..
وهكذا تتحول الموسيقى شراسة (النغم مثل الصفعات واحدة وراء الأخرى ، جك ،جك ، جك ، جك، صفعة وراء صفعة / 9-10) وتتحول الأغنية سرقة الأصل وتلويثه (الالحان قديمة كانت تؤديها في مدينة البصرة فرقة مايسمى ،، خشابة،، والراقصون في الماضي وقبل الحرب وتحوير الكلمات ، غلمان، شيء ممكن : الجنس والسياسة 10) وبشهادة مظفر النواب (أن الحكومات تكملة للملاهي ) ..فعلا الاعلام ليس فما ناطقا بل (براطم الاذاعة الرسمية ) ..العراقيون للمسلخ المثنوي : الحرب والمقابر الجماعية ودعارة الإعلام تردس ( نحبك والله نحبك أنت تحب كل الناس وكل الناس تحبك / 10) ..شباب العراق يتصدون لأبشع دكتاتورية في العالم ، الطاغية يخاطب البيوت بالشفلات ، يطالب عوائل المعدومين بثمن الطلقات الموجهة لصدور أولادها وفي العراق آنذاك ولحد الآن ( يناضل بعض الناس بضراوة لكي يصبحوا عبيدا 10).. والاعلام العربي والعالمي كله كان يدعم الطاغية ونفس الاعلام الآن يشن أوساخه في الفضائيات ضد شعبنا العراقي من خلال التفرقة والتأليب ..
(*)
هناك سرد بالتوازي يلتقط التناول الحضاري للتحاور والتعايش الجميل (اقتربت من عجوزتين واقفتين قربها تتحادثان بطمأنينة حوارا مملوءا بعبارات : ،، من المفروض ،، ،، لهذا السبب،، ليس هناك شيء أكيد عندهما وان امتلأتا ثقة ورضى . ليتني اصادق واجدة مثلكما، اسير وإياها في الطريق ،انقرش معها كأمي، اختي، صديقتي . شعرت بوحدة رهيبة . ما أكثر خوفها .التجأت اليهما كملاذ أخير /10- 11) مابين القوسين صورة شعرية متحركة كلقطة سينمية .يكون التركيز فيها على التناول الشعري للحياة .. بدوري كقارىء سوف أتوقف عند مشاركة فاطمة في مؤتمر (المرأة وتأثير الحروب عليها ) ضمن فصل (ملجأ العامرية ) وحين تمتدح مأجورة فرنسا فتعلق فاطمة :(هل أبدت فرنسا زهدا في عملية تسليح المنطقة أو هل رفضت الدكتاتورية وساعدت على تشجيع الحكم الديمقراطي / 156) سأحوّر قليلا ً تساؤل فاطمة وأقول : بريطانيا هل ساعدت على تطبيع الديمقراطية في العراق ..؟: بريطانيا نفسها(1920- 1958) لماذا لم تأخذ بيد الشعب العراقي نحو هذا الطريق حسب طريقتها التدريجية ؟! لماذا تعاملت معنا كمواد خام يجب استغلالها بكل الطرق وتركنا لسيادة الوعي الإقطاعي الرث واستعمال الذخيرة الحية بموافقتها ضد التظاهرات والسجناء واعدام قادة الحركة الوطنية العراقية وتعليقهم في الشوارع ...ان هذا السلوك الحضاري الجميل لدى العجوزتين هو نتيجة طمأنينة المجتمع المستقر في أمنه ورخائه وهو حلمنا الذي لم تساعدنا بريطانيا على انتاجه ولا أمريكا 2003 بل الثانية اطلقت سراح العنف بكل اشكاله في شوارعنا وبيوتنا ومصائرنا ..ونقلت آليات العنف المتشدد بأسره إلى عراقنا الذي للتو تحرر من طاغية استملكه ثلث قرن من البربرية ..
(*)
الفقراء هم دائما وقود الحروب وسماد الارضين وبشهادة صديقة فاطمة (تصوري فاطمة لم نهنأ بالبيت الجديد، بمجرد ان انتهى البناؤون منه وقبل ان ننتقل اليه بأسبوع كبت العيطة في حربهم مع ايران سنة 80 سافر طارق للعمل بالجزائر ،وانتهزت انا فرصة الاجازة الصيفية لآتي بدوري مع الاولاد الى لندن ومنذ ذلك الحين ونحن مسجونون هنا لااستطيع العودة للعراق خوفاً من ان تأخذ الحكومة ابني رياض للجندية فنتسخم عزاء عليهم 102)
(*)
في وحدة سردية أخرى يتماهى المكان مع ما يسرده رعد حول مأساة عوائل التبعية الإيرانية في العراق أثناء حكم الطاغية، وهنا يحدث التراسل المرآوي بين الوجع الإنساني وروح المكان المتعاضد معه وكأن المكان يعزي زوجة رعد التي فقدت أهلها ، والصورة هنا تخلّص السرد من الإسهاب أو التراجع السردي بخصوص عائلة زوجة رعد ..(اختل شي ما . الضياء الكهربائي في الداخل صار مظلماً. الفواكه الموضوعة على المنضدة كأنها قشور لارائحة ولاطعم لها / 55) ..مابين القوسين هو الصورة السردية و المعنى الشعري المعطى وغرائبية هذه المسردة الصغرى تجعلها في علاقة متوازية منافسة للسرد المؤتلف ..
(*)
الوثائقي له حصته عند الضرورة لكن لايشغل إلاّ حيزا من المطبوع (بيع السلاح للمنطقة من تاريخ 1982 بالدولارات كما يلي : الولايات المتحدة 29بليونا، فرنسا 15بليونا، أما بريطانيا المسكينة 6بلايين فقط . هذا الغرب الرأسمالي ، اما الدول الاشتراكية فالرقم سري والاخيرة لاتصدر سوى السلاح من اجل العملة الصعبة 12) مابين القوسين يدخل ضمن الحرب العراقية الإيرانية..وهذه التجارة المسلّحة لم تكن مرتجلة بل هي رد فعل الحقد الأمبريالي على مباهج غلاء اسعار النفط فجأة وتدفق العائدات النفطية على العراق وسقوط أمبراطورية الشاه في إيران ومجيء آية الله الخميني واحتمال ان يصبح العراق وكذلك إيران من الدول الكبرى لذا أفتعلت الحرب العراقية الإيرانية وتعهدت دول المنطقة بدعم الطاغية لإعاقة الجمهورية الاسلامية وهي في فتوتها وسحق شيعة البلدين وشن حملة شرسة ضد الحركة الوطنية العراقية بكل فصائلها وهكذا (افتعلت حروب كبرى ونزاعات بمشارب واذواق لاحصر لها لتمتص آخر درهم في صناديق حكوماتها ويتشرد ابناؤها 83) ثم تخذل أمريكا وشقيقتها الشقر ثوار انتفاضة 1991 ويفتك الطاغية بالعراق ثم تفرض أمريكا نفسها واخواتها الحصار على بلد الحضارات والرخاء الاقتصادي وبشهاد رعد في الرواية (نريد أن نعيش مثل بقية المخلوقات ...مجماعة متفشية في وادي الرافدين ، ياللسخرية، المجاعة في بلد اكتشف الزراعة للبشرية كلها في الماضي . وهو الآن جائع ./ 28) 82 و الرواية تفرد فصلا وثائقيا صغيرا بعنوان ( ميثاق 91)..
(*)
(شوفوني ..شوفوني ) أرخنت وقائع الإستبداد العراقي بسرد رشيق وهكذا خلّصت السرد من الاسهاب كما خلصته من البكائيات على تثبيتات السعادة ومنحتنا شخصيات بشرية لا تعترف بفواصل اللغة بين البشر كما حثتنا على التعايش السلمي..
*سميرة المانع
(1) شوفوني ..شوفوني / مؤسسة الأنتشار العربي/ ط2/ 2002
(2) حبل السرة / منشورات الأغتراب الأدبي / ط1/ لندن/ 1990
*بيير جيرو / السيميائيات / دراسة الأنساق غير اللغوية / ترجمة .د منذر عياشي / دار نينوى/ دمشق /ط1/ 2016
*د. شكري الطوانسي/ شعرية الاختلاف / الجزء الثاني / بلاغة السرد عند إدوار الخراط/ وزارة الثقافة / القاهرة/ ط1/ 2015