ابن رشد من الفقه الى الفلسفة

محمد الاغظف بوية
2017 / 6 / 19

ان ابن رشد الفيلسوف هو الذى برز على منصة الدولة ، وهو الذى كان على صلة رسمية بالموحدين،وشغل منصب القضاء ويفتى الناس فيما يعرض لهم من النوازل ،ويعتبر بذلك فقيها مالكيا على مذهب أبيه وجده ومذهب المغاربة وأهل افريقية ، بل ظل مدافعا عن مذهب المغاربةـ وبحكم مهنة القضاء التى احترفها والبيئة التى نشأ فيها ـ وبشهادة كتابيه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد " و كتاب " مختصر المستصفى "فقيها من الطبقة العليا للفقهاء ، له رأى يعتد به ويعتمد في أبواب ما يصطلح عليه ب"الخلاف العالي " .واشتغاله بالفقه لم يمنعه من الظهور بمظهر المفكر العقلانى .حتى أن الكثير من الباحثين برهنوا أو أكدوا على وجود منظومة فكرية متكاملة عند ابن رشد تجمع بين العلوم الشرعية الاسلامية من نحو وفقه وأصول .ومعارف عقلية كالمنطق والفلسفة وعلوم تجريبية مثل الطب والفلك والطبيعة 1على الرغم من هزالة الدراسات التى تناولت فقه ابن رشد ، ويرجع ذلك الى غياب صورة ابن رشد الفقيه عن الرواد الأوائل الذين تناولوا فكر ابن رشد ، وخصوصا مؤسسي الدرس الفلسفي الرشدي كالمفكر " مونيك " 1805ـ 1867.و"أرنست رينان " 1823ـ 1892..ولعل السبب يعود لتأخر نشر الأعمال الرفيعة لابن رشد الى عدم وصول كتب مهمة الى يد الباحثين ، فكتاب "فصل المقال ..." لم ينشر الى اللغة الفرنسية الا في سنة 1905م بعد ما تم نشره باللغة العربية لأول مرة في القرن التاسع عشر مع كتاب "مناهج الأدلة " على يد المستشرق الألمانى "ماركوس ميلر " .و الذى ترجمهما أيضا الى اللاتينية ونشرا في عام 1875م .وكتاب " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " الذى تلقاه العموم في بداية القرن العشرين .علما أن "مختصر المستصفى " رأى النور في أواخر القرن العشرين مع الباحث المغربي جمال الدين العلوى .ورسالة " الضروري في النحو " خرجت من عمق خزائن شنقيط العامرة .

ومهما كان من التأخر الذى صاحب فكر ابن رشد .لكن ذلك لم يمنع من بروزه كأحد شوامخ الفقه المالكى الرافض للتقليد المندفع نحو الاجتهاد المنهجى المؤسس على ضوابط الشرع .وكانت أولى الدراسات الفقهية لفقه ابن رشد مع المستشرق الفرنسي " برونشفيك" .واصفا كتاب " بداية المجتهد ونهاية المقتصد" كنص ينتسب الى النوع التقليدي ،يدور حول المواد التى تمثل جوهر الكتب الفقهية لمذهب السنة والجماعة .وقد قام " برونشفيك" بتقسيم فقه ابن رشد الى مراحل .مؤكدا على أن مرحلة " بداية المجتهد " هى مرحلة نضجه التام ، مرحلة تسمح بفتح الطريق للاجتهاد .
شخصية ابن رشد الفقهية
نبدأ بشهادة أصحاب السير ومنهم الذهبي الذىترجم له بالقول: " العلامة فيلسوف الوقت أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ ابن رشد الحفيد المالكى ...مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة ،عرض الموطأ على أبيه وأخذ عن أبي مروان بن مسرة وجماعة ، وبرع في الفقه وأخذ الطب عن أبي مروان بن جربول "
قال عنه ابن الأبار : لم ينشأ بالاندلس مثله كمالا وعلما وفضلا وكان متواضعا منخفض الجناح ، يقال عنه انه ماترك الاشتغال مد عقل سوى ليلتين .ليلة موت أبيه وليلة عرسه ،وأنه سود في ما ألف وقيد نحوا من عشرة آلاف ورقة ،ومال الى علوم الحكماء .فكانت له فيها الامامة .كان أوحد في الفقه والخلاف وبرع في الطب 2.

يقول محمد عابد الجابري ***:" أما في الفقه والحديث فتذكر المصادر أنه حفظ " المدونة " وقرأ " الموطأ" على أبيه "حفظا" كما تلقى الحديث عن آخرين من كبار المحدثين في زمانه .وكان يستشهد به كثير ، بسهولة وعن حفظ ..ومن جهة أخرى أشتهر عنه أنه كان له " الحظ الوافر من العربية " . وأنه ألف كتابا كتابا بعنوان " الضرورى في النحو" .وأنه كان يحفظ الكثير من شعر المتنبي وأبي تمام .وأنه كان يتمثل بشعرهما .كما تدل كتاباته على أنه كان على معرفة دقيقة وواسعة ب "علم الكلام " خاصة منه علم الكلام الاشعرى " 3
يوضح الجابري علاقة ابن رشد بالفقه " ابن رشد درس دراسة تخصص كلا من العلوم الدينية و العلوم الفلسفية ، وقد ألف فيها جميعا ...لا تأليف عارض وملخص ومفسر فحسب ، بل أيضا تأليف مجتهد " 4
ان ابن رشد اجتهد فزاوج بين المعقول والمنقول فيما لم يتمكن احدا فعل ذلك من قبل ،ولاسيما الكندى والفارابي وابن سينا و مواطنه ابن طفيل .
قراءة في انتاجه الفكرى :
ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد .
تطلع ابن رشد في الفقه بأبيه وجده و"كان يفزع الى فتواه في الفقه كما يفزع الى فتواه في الطب " وألف كذلك في الفقه كتاب " الضرورى في اصول الفقه ".
كتاب " كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد" ألفه في الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة ، وقد اعتبره ابن الابار من أهم كتب الفقه المتخصصة " أعطى فيه أسباب الخلاف وعلل وجوده .فأفاد وأمتع به ، ولا يعلم في فنه أنفع منه ولا أحسن مساقا "5
بل ليس هذا وحسب بل ان هذا الكتاب خطوة عملية ـ علمية نحو فتح باب الاجتهاد والتجديد الذى يدخل في اطار أعم وشامل كمشروع فكرى حمله معه أو على عاتقه .
المالكي الفيلسوف ،يروم الانعتاق من التقليد ،يقول موضحا ذلك في رفض أسلوب التقليد "...ولأن هاهنا طائفة تشبه العوام من جهة ، والمجتهدين من جهة ،وهم المسمون في زماننا هذا بالفقهاء ، فينبغي أن ننظر في أي الصنفين أولى أن نلحقهم ؟ وهو ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون.والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنهم يحفظون الاراء التى للمجتهدين فيخبرون بها العوام " 6
لقد دافع ابن رشد عن اختياره الفقهى ،ليكشف لنا أسباب ودوافع تأليفه ،يصرح بذلك قائلا " ونحن نروم ان شاء الله ،بعد فراغنا من هذا الكتاب ،أن نضع في مذهب مالك كتابا جامعا لأصول مذهبه ومسائله المشهورة التى تجرى في مذهبه مجرى الاصول للتفريع عليها .وهذا هو الذى عمله ابن القاسم في المدونة .
أراد ابن رشد من تأليفه اخراج العقل الفقهى من دائرة الحفظ والتكرار ونبذ التقليد .بل ان الكتاب كان فرصة ليس فقط الخروج من شرنقة التكرار والاحتراز .بل للتأمل واعمال الفكر .
عرض ابن رشد في" بداية المجتهد ونهاية المقتصد " .مجمل مسائل الفقه الاسلامى عرضا تقريريا مقارنا بين اراء المدارس الفقهية الرئيسية .ذاكرا الخلاف بين المدارس المذهبية مع بيان حجة كل مذهب ،مع التزام ابن رشد بعدم الدخول في سياقات فقهية "طويلة"بل اقتصر على بيان وأسباب ودواعي كل موقف واجتهاد بشكل علمى .يقول في مقدمة كتابه ......
استطاع ابن رشد من خلال كتابه إيجاد موطن قدم في الفقه المالكى وفي فقه الاختلاف وأعطى نموذجا حيا للفقيه المتنور الذى سعى لخدمة الدين وتصحيح المعتقدات وتبيان الأصح والأصوب بعيدا عن التشنج .وفي كتابه أدلة على روعة التحليل وحسن التعامل مع الأمور الفقهية من زاوية رد الفروع الى الاصول معتمدا حسب المفكر المغربي محمد عابد الجابري على المنهج المقارن .فهو كما قال ابن عبد الأبار كما ذكرنا سلفا "لا يعلم في فنه أنفع منه ولا أحسن مساقا "
ابن رشد : الفقيه الفيلسوف
البيئة التى عاش فيها ابن رشد الفقيه والفيلسوف بيئة ملتزمة لكنها ليست بالمتزمتة بل توصف بالانفتاح والتنوع وهذا ما أثر شخصية ابن رشد ، شخصية الفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد على مذهب الإمام مالك تحمل صفة أخرى تتجلى في كون هذه الشخصية اتخذت مسارا فكريا وعقلانيا .فمن الفقه الى الفلسفة ،من الاجتهاد إلى العقل والنقد ،هذا هو ابن رشد ويطلعنا كتاب" فصل المقال ...."على هذه الثنائية المميزة لشخصه .دفاعه عن الفقه المالكي ومنطلقاته الأصلية وقبوله بالاختلاف كانت نقطة بارزة التى شكلت دافعا للتوجه نحو التفكير الفلسفي .
"ان النظر في كتب القدماء واجب بالشرع " هكذا هيأ ابن رشد علماء الأمة للقبول بالفلسفة .من منطلق فقهى .بدأ ابن رشد عمله الفلسفي بمحاولة ناجحة ليس لاستقطاب الفلسفة للفقه ،بل لايقاف مد التكفير الذى أرق الفلاسفة وأخذ من وقت ابن رشد الشيء الكثير .أسس ابن رشد فلسفته بداية على نزع شبهة الكفر عن الفلاسفة ثم عمل على شرعنة فعل التفلسف في بيئة محافظة ،بيئة أساسها الوحى والفقه والحديث .يقول ابن رشد في بداية "فصل المقال " فان الغرض من هذا القول أن نفحص على جهة النظر الشرعي ،هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور ،أم مأمور ب هاما على جهة الندب ،واما على جهة الوجوب ..".
يستحضر ابن رشد موضوع شرعية الفلسفة مخاطبا صفوة التفكير الاسلامى اذ يركز على المتكلمين والفقهاء ولاسيما الاتجاه الموغل في التطرف .الرافض للفلسفة المحرم للنظر في كتب أرسطو .أي ما أصطلح عليه آنذاك "كتب الحكمة " متخذين من التكفير كذريعة للرفض .ولكن في الحقيقة فان فقهاء المالكية كانوا أكثر العلماء قبولا بالاختلاف بل سمحوا بالتوسع .حتى أن المذهب المالكى يجمع مابين الأشاعرة والمتصوفة والفلاسفة ناهيك عن أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث .
أوجب فقيه قرطبة المالكي المشرب .الفيلسوف ابن رشد بإصداره فتوى تبطل تحريم التفلسف وقرر في فتواه وجوب النظر في كتب الفلسفة ودراستها والتمعن فيها .ولاضرر في ذلك .بل الضرر والخسارة هى الابتعاد عن فهم الأخر .
لقد قرر ابن في اجتهاده " الفقهي" مايلي :

1ـ ان "النظر في كتب القدماء واجب بالشرع ...لأنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لايؤدي النظر البرهاني *إلى مخالفة ما ورد به الشرع ،فان الحق لايضاد الحق بل وافقه ويشهد له ".
2ـ الحكمة هي صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة ".

وأخيرا فان انتقال ابن رشد من الفقه الى الفلسفة أسهم في خلق نموذج يزاوج بين التفكير العقلي والتفكير المنطلق من الوحى .ولقد كان ابن رشد الحفيد خير من بسط الفلسفة وأبدع في احداث تغيير مس جوانب التفكير عند اهل الاسلام .بحيث أمست الفلسفة مقبولة ومحبوبة .
محمد الاغظف بوية .
هوامش :
ـ 1 الفقه والفلسفة في الخطاب الرشدي ابراهيم بورشاشن .دار المدار الاسلامي بيروت 2010
ـ 2 ابن الابار.التكملة لكتاب الصلة .ج1.مدريد 1868طبعة القاهرة 1956ـ رقم 1496
ـ 3 محمد عابد الجابري :ابن رشد سيرة وفكر.دراسة ونصوص مرطز دراسات الوحدة العربية الطبعة الاولى 1998.ص32
ـ 4 نفسه ص 33
ـ 5 ابن الابار : التكلمة لكتاب الصلة .ج 1مدريد 1868م طبعة القاهرة 1986ـ رقم 1986
ـ6ابن رشد .الضرورى في اصول الفقه : مختصر كتاب المستصفى .تحقيق جمال الدين العلوي دار الغرب الاسلامي 1992






--