الثقافة المصرية ومراكز الأبحاث والترجمة المتكاملة

حاتم الجوهري
2017 / 6 / 18

تفتقد الثقافة المصرية مفهوم مراكز الأبحاث والترجمة المتكاملة، التي ترتبط في الوقت نفسه بمدرسة فكرية في دراسات التدافع الحضاري، التي هي من الأهمية بمكان بالنسبة لظرف مفصلي مثل الذى تمر به البلاد المصرية والأمة العربية. وكذلك تفتقد مفهوم التجاور والتجرد؛ التجاور بمعني وجود عدة مشاريع تعمل معا وفق تصورات متعددة منفتحة متجاورة في الوقت نفسه، والتجرد بمعني تحرك هذه المؤسسات وفق إطار فكرتها بعيدا عن المصلحة وأطرها الشخصية الضيقة، أو الشخصنة وربط كل مشروع بفرد ما، وتحول الأمر للفردي والذاتي وتراجع العام والجماعي.
ما هي المدرسة الفكرية التي نحتاج لمثلها كإطار لمراكز الأبحاث والترجمة المتكاملة تلك؛ أعتقد أن دراسات التدافع الحضاري واستشراف بدائل المستقبل واحتمالاته هو الإطار الذى يفرض نفسه على أي تصور ينبع من الظرفية التاريخية الخاصة بهذه البلاد..
حاليا تتعدد مشاريع الترجمة في مؤسسة الثقافة المصرية، لكنها تفتقد لمفهوم الـ "Think Tank" تفتقد لمفهوم المركز البحثي، بمعني أن معظم التراجم التي تصدر عنها، لا تصحب بدراسة نقدية وافية تضع الموضوع في سياقه التاريخي، وتصنع بينه وبين السياق الحضاري العربي والمصري الآني علاقة وجدلا وتفاعلا، يفيد مستقبل البلاد واستشراف بدائله والبحث عن مقدماته ونتائجه..!
هناك قطيعة نسبية بين العقول الأكاديمية القادرة والفاعلة، وبين مشاريع الترجمة القائمة.. بمعني أن كتابا ما يصدر دون أن يتم تكليف أحد المتخصصين بعمل دراسة نقدية له، وكأن المقصود هو تفريغ الشيء من مضمونه، وتغييب دور الدراسات الإنسانية والاجتماعية في دراسة الظاهرة الإنسانية، وتقديم متن الترجمة دون وضعه في سياقع الثقافي والحضاري والعلمي، ليستفيد منه صانع القرار العربي والمصري.
من جهة أخري تراجع الاهتمام بترجمة العلوم الاجتماعية والحضارية، لصالح الترجمات الأدبية التي لا تصحب أيضا في المعظم بدراسة وافية تضع النص في سياقه الثقافي والإنساني الأعم، هل في ذلك شعور بانسحاق الذات وعدم قدرتها على معيرة وقياس المنتج الثقافي الوافد من الآخر؟ فتجاوزنا الإطار النظري للعلاقات الحضارية بعضها البعض، كالعديد من مشاريع الترجمة الخاصة للمؤسسات غير الحكومية التي تتبع النمهج ذاته وتقدم متن التراجم دون دراسة حضارية وافية تسبقه، هل ذلك شعور عام وقرار عام بغياب الإطار الحضاري العربي والمصري..!
يجب عودة الإطار الفكري الجاد لمؤسسة الثقافة المصرية؛ الإطار الذى يضع في ذهنه الظرف الحضاري الآني والمشكل للحالة العربية، فيقف على الذات في علاقتها بالآخر، ويبحث في أسباب النهضة واستشراف احتمالات المستقبل العربي والمصري.
مراكز الأبحاث والتراجم المتكاملة، سوف تقوم بدورين في الآن ذاته، سوف تنقل متن الترجمة من الآخر الحضاري للمتلقي العربي، وفي الآن نفسه يمكن إعادة تصدير وترجمة الدراسات النقدية والثقافية العربية التي تصحب متن تلك التراجم، إلى لغات العالم الأخري عارضة وجهة النظر العربية في المسألة..
ذلك في حاجة لثقة وفي حاجة لوجود رؤية تقوم على فهم الذات والوعي بها وبتاريخها، ووجود رؤية ووعي بالآخر المتعدد وفهم سياقه التاريخي والحضاري، لإقامة ذلك الجدل وفق إطار دراسات التدافع الحضاري..
أعتقد أنني قدمت النموذج لذلك التصور الذي أحلم به في مشروع الترجمة التفاعلي هذا، في الترجمتين اللتان نشرا لي.. في الترجمة الأدبية "أغنيات البراءة والتجربة" والدراسة المصاحبة لها بعنوان "سيد الرومنتيكية" للشاعر الإنجليزي الشهير وليم بليك، التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة المركز القومي للترجمة 2015م، وفي ترجمتي الفكرية "تأملات في المسألة اليهودية" ودراستي النقدية المصاحبة لها: "سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودي للفلسطينيين" للفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر، كذلك هو المنهج الذى اتبعته في ترجمتي الثالثة التي قيد النشر حاليا بعنوان: "الحل النهائي للمسألة العربية" للشاعر الصهيوني دافيد أفيدان والدراسة المصاحبة لها عن ظهور الصورة غير النمطية للعربي في الأدب العبري..
بحيث يمكن أن تعبر الدراسات الثلاث المصاحبة للتراجم عن وجهة نظر ثقافية عربية، وعن وعي بالذات والآخر والتدافع الحضاري فيما بينهما، بحيث يمكن إعادة ترجمة وتقديم هذه الدراسات الثلاث للغات العالم للتعبير عن وجهة النظر العربية بشكل ثقافي ومعرفي مرتب وموضوعي وخطاب يستطيع الوقوف في المحافل الدولية الند للند.
كما أن الترجمة في ظل التدافع الحضاري الذي أراه يجب أن تحدد لها محاور فكرية تركز عليها لتترجمها وتدرسها، ترتبط أيضا ببحثها عن المستقبل مثل: دراسات الهوية، الدراسات الحضارية ونظرياتها، الدراسات اللغوية والعرقية والاجتماعية التي تربط الوجود الإنساني بجذوره وتستشرف احتمالاتها ونظريات وجوده، دراسات الأطر الكلية للعلوم الإنسانية وتطورها وفق كل جماعة ثقافية بعينها للبحث عن علاقة الذات العربية بمدرسة خاصة بها في الوجود الإنساني في العالم، دراسات الأنساق الكلية للأدب والآداب البشرية المتنوعة ومحددات كل منها بحثا عن نظرية عربية أو بذورها تنبع من طبيعة الذات وظرفها الخاص.. كل هذه التراجم والدراسات لابد ان تصحب وتسبق كما أوضحت بدراسة عربية يقوم بها أحد المتخصصين، وما المانع أن تتم هذه الدراسة وفق معايير الأبحاث النقدية المنشورة، لنستفيد من كم الأكادميين في الجامعات المصرية ونفعل دورهم لخدمة الظاهرة الإنسانية العربية وهو الدور المفترض منهم أساسا.
تصوري هذا وفق المدرسة الفكرية التي أعتقد فيها، وأعمل من خلالها في دراسات التدافع الحضاري، قدمته كمشروع طموح لتطوير جهد "الهيئة المصرية العامة للكتاب" في مجال الترجمة منذ عامين، بوصفها أحد أهم مؤسسات الثقافة المصرية، ومن خلال تفعيل "المركز العلمي للترجمة" بداخلها، وفق خطة طموحة حالمة من أجل البلاد واستشراف مستقبلها والحلم من أجلها، ذلك الحلم الذى لا ينقطع عنه الماء ويظلله الغمام كفينق وشاطيء وأغنية.