ومات ضابط الموساد الشهير مؤسس وحدة كيدون...هراري يقود صراعا خفيا بين المقاومة الفلسطينية والمخابرات الإسرائيلية

شكيب كاظم
2017 / 6 / 17

وأنا جالس مع زميلي وصديقي المثقف والقارئ الجيد عثمان محمد المرزوك في مقر عملنا، وأصابع يده تحرك فأرة الحاسوب، توقف ليخبرني نبأ موت ضابط الموساد الإسرائيلي (هراري) مردفا إخباره بسؤاله لي هل سمعت باسمه، هل تعرف عنه شيئا؟ أجبته: أن اسم هراري لم يطرق سمعي لكني أردفت ضابطا مهما في الموساد، لعله هو الذي كان وراء مطاردة القادة الفلسطينيين في العالم بعد أحداث ميونخ في شهر أيلول /1973 وما هي إلا هنيهة حتى واصل قراءة الخبر ليؤكد ما ذهبت إليه. وفي صبيحة اليوم التالي الثلاثاء 23/ من أيلول / 2014 ، قرأت في الصحف نبا وفاة ضابط الموساد الشهير (مايك هراري ) ولأقرا ان هراري الذي نشط في القوات العسكرية الإسرائيلية قبل قيام الكيان الصهيوني سنة 1948، ثم تابع عمله في الجيش الإسرائيلي قبل أن ينتقل إلى جهاز الموساد وهو الجهاز المكلف بحماية امن إسرائيل من الخارج، وانه مايكا (مايك) هراري مؤسس وحدة (كيدون) المكلفة بعمليات مطاردة وقتل من يشكلون خطر على إسرائيل .
وأنا اقرأ هذا عادت إلى ذهني ذكريات الحرب الصامتة التي جرت بين فصائل المقاومة الفلسطينية، وجهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد) هذا عقب حرب حزيران / 1967 وعملية اختطاف الطائرات التي قادتها (ليلى خالد) وخطف طائرتين في أيلول /1970 ونسفها في الصحراء الأردنية، ما أدى الى انزعاج الحكومة الأردنية الشديد، كما تذكرت اختطاف ثلاث رجال وفتاة واحدة ينتمون لمنظمة أيلول الأسود طائرة للركاب وغيروا اتجاهها نحو مطار اللد، وطالبوا بإطلاق سراح مئة من المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وبعد ثلاثة وعشرين ساعة من الاختطاف، هاجمت قوة من الكوماندوز الإسرائيلي الطائرة البلجيكية المختطفة، وقد تنكر رجال الكوماندوز بهيئة عمال فنيين كلفوا بفحص إطارات الطائرات وملئها بالهواء، وكانوا يستخدمون في عمليتهم المخادعة هذه، إحدى سيارات الإسعاف، حدث ذلك في التاسع من مايس / 1972، وما هي الا أيام حتى قامت مجموعة من الشبان اليابانيين من عناصر الجيش الأحمر الياباني، وكلهم من مواليد عام 1949 بركوب طائرة من مطار روما وما لبثوا أن طلبوا من قائدها التوجه نحو مطار اللد كذلك قاعة استقبال المسافرين بوابل من الرصاص، وتوجه آخر لإطلاق الرصاص والقنابل على طائرة إسرائيلية كانت جاثمة على ارض المطار، وصادف ان نزلت في الوقت نفسه طائرة اخرى، فأطلقوا عليها النار فقتل احدهم، وانتحر الثاني فيما القي القبض على الثالث، وما زال (اكوموتو) سجينا منذ ذلك الحادي والثلاثين من شهر مايس /1972 وردا على هذه الهجمات – كما يبدو – فقد اغتال الموساد الإسرائيلي يوم الاحد التاسع التاسع من تموز /1972 الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، اذ وضعوا عبوة ناسفة ربطت بمشغل سيارته، فما ان هم بتشغيلها قتلته ومن كان معه ، وكان الموساد قد خاض حملات ملاحقة واغتيال ضد رموز فلسطينية في العواصم الأوربية ويبدو ان هذا كان بتوجيه من مايك هراري وإشرافه الشخصي كما قراناه في خبر نعيه ردا على الهجوم الذي نفذه عناصر من منظمة ايلول الاسود، ضد البعثة الإسرائيلية الرياضية المشاركة في الدورة الاولمبية العشرين، التي افتتحت اعمالها في مدينة ميونخ الألمانية يوم السبت السادس والعشرين من شهر اب / 1972، واذ هاجم عناصر من منظمة أيلول الأسود مقر بعثة الفريق الاسرائيلي في القرية الاولمبية بميونخ، يوم الثلاثاء الخامس من ايلول ، فقتلوا اثنين من أعضائها واحتجزوا تسعة اخرين، وطالبوا بإطلاق سراح مائتي سجين في السجون الإسرائيلية بضمنهم الياباني المحكوم مؤبدا (اكوموتو) الذي اشر تاليه آنفا، الا أن قناصة تابعين للشرطة الألمانية فتحوا النار على الخاطفين الفلسطينيين بغية تخليص المختطفين الاسرائليين، فنشبت معركة قتل فيها المخطوفين التسعة وخمسة من الخاطفين فيما القي القبض على آخرين، وتوقفت الدورة الاولمبية في ذلك اليوم واستأنفت ألعابها في اليوم التالي فيما غادرت البعثة المصرية الرياضية ميونخ عائدة الى الوطن، وردا على هذه الإعمال قصف السلاح الجوي الإسرائيلي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وصف بأنه اعمق توغل جوي تقوم به إسرائيل منذ حرب حزيران 1967، كما تعرضت منطقتا الهامة وميسلون في محافظة دمشق وبعض المناطق في اللاذقية وحتى حماة الى قصف جوي.
وإذ كانت عمليات الرد الإسرائيلي تطال المخيمات، فقد بدأ الموساد بعمليات اغتيال محددة ومنظمة، اذ بدأت باغتيال ممثلي الثورة الفلسطينية في العواصم الأوربية، اذ جرت محاولة لاغتيال محمود الهمشري ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، من خلال رسالة ملغومة انفجرت بين يديه وقأت نعيه في صحفنا يوم الثلاثاء 9/ كانون الثاني / 1973 ثم اغتيل (وائل عادل زعيتر) مدير مكتب حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في روما، حينما كان يهم بالدخول المصعد نحو شقته، أطلقوا عليه اثني عشرة طلقة رصاصة اخترقت ظهره، لقد سقط أرضا وهو يحمل أوراقا لعلها جريدة او مجلة، وما زلت احتفظ بصورته وقد سال دمه على الأرض التي توسدها وائل عادل زعيتر نشرتها مجلة (اليقضة) الكويتية، وانا على يقين ان طائفا كان يطوف بوائل وهو يسقط أرضا ان هذه الأرض غريبة، وما أسعدني لو مت على ارض فلسطين وتوسدتها وتوسدتني .
وجاءت قاصمة الظهر المؤلمة فجر الثلاثاء فجر الثلاثاء العاشر من نيسان /1973 اذ هاجمت قوة من الكوموندوز الإسرائيلي محمولة جوا مكاتب المقاومة الفلسطينية في بيروت فقتلت الناطق الرسمي بلسان منظمة التحرير الفلسطينية كمال ناصر، كما تمكنت من قتل المناضل كمال عدوان احد قادة فتح فضلا على ابي يوسف محمد يوسف النجار رئيس اللجنة العليا لشؤون الفلسطينيين في لبنانوقد سمعنا في الإخبار ان القائمة كانت تشمل ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي نجا من عملية الاغتيال .
وفي صباح يوم الجمعة 13/4/1973، شاركت في تشييع جثمان الدكتور باسل رؤوف الكبيسي مدير مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في باريس، الجناح العسكري لحركة القوميين العرب الذي انطلق من داره في الوزيرية حتى مثواه في مقبرة الشيخ جنيد بالكرخ كذلك اغتيل مدير مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية وكان مقره في بيروت، وتصدر عنه مجلة شهرية رصينة عنوانها (شؤون فلسطينية) اغتيل الدكتور أنيس صايغ برسالة ملغومة فضلا على قائد قوات الصاعقة التي كانت تمولها محسن ابراهيم خريف سنة 1976 ولعله يوم الاحد 22/8/1976 على شواطئ الريفيرا، ويوم سمعت خبر اغتياله من اذاعة مونت كارلو ليلا، تساءلت ونفسي: ما شأن المناضلين اصحاب قضية تحرير الاوطان من الاستيطان، وما شأنهم بشواطئ الريفيرا ومنتجعاتها الباهرة الزاخرة بالقيان واجساد الحيتان، واضعين في الحسبان ان محسن إبراهيم كان يؤم المنطقة وحيدا اذا تخفف من حراسه ومرافقيه، اذا لا ريب أنها لحظة من لحظات الضعف الإنساني المميتة، وان لكل انسان مهما علا شأنه نقطة ضعف مؤذية، وكانت لدى محسن إبراهيم مميتة.
هذا ما طرأ على ذهني وانا اقرأ خبر وفاة مايك هراري غير ناس عملية مطار عين تيبة، حيث اختطفت طائرة تابعة لشركة الطيران الفرنسية الى ذلك المطار ايام الرئيس الأوغندي نصف المجنون (عيدي امين) فطاردها الكوماندوز الاسرائيلي وتمكن من افشال المهمة التي قام بها الخاطفون وبأمر مباشر من (إسحاق عوني) رئيس الموساد الاسرائيلي انذاك 1976 والذي توفي قبل هراري بنحو اسبوع وفي شهر كانون الثاني 1978 تمكن الموساد من اقتناص علي حسن سلامة مسئول الحرس الخاص لياسر عرفات في بيروت بعد افلاته من محاولة اغتيال وجدير بالذكر ان سلامة كان زوجا لملكة جمال لبنان سنة 1967، جورجينا رزق واراه كذلك نوع من أنواع العنف الإنساني وفي حزيران من العام ذاته اغتيل ياسين علي ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت امام منزله، ويجب ان لا ننسى عملية الاغتيال الواسعة التي استهدفت (أبو جهاد) في تونس في نيسان/ 1989 بعد انتقال قيادة المقاومة من بيروت الى تونس، وما زال في الذاكرة اغتيال ( أبو إياد) في اليوم ذاته حين اندلعت حرب الخليج الثانية في 19/1/1991، فلم يقف العالم عند هذا الحادث الجلل بسبب انشغاله بالحرب على العراق .