عبد الخالق فريد.. شاعر الحب والجمال.. قيسيّ الوصال نواسيّ الخيال

شكيب كاظم
2017 / 6 / 16

أستاذي الدكتور أحمد مطلوب من الباحثين الأكاديميين الجادين ، الذين واصلوا البحث والكتابة ، بخلاف آخرين ما ان يحصلوا على الشهادة، حتى يُطَلّقوا دنيا البحث طلاقاً بائناً بينونة كبرى ، ولا يتذكرونه، إلا عندما يطالبونهم ببحث الترقية ، ولولا هذه المطالبات لأستناموا وناموا ، و يسعدني أن أكون ممن تتلمذ على يديه الكريمتين ، كان يدرسنا مادة القرآن و الحديث النبوي ، وكنت طالباً في الصف الأول من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد في العام الدراسي 1964-1965،ويوم استوزر للثقافة صيف عام 1966 ، حدثت نفسي كيف يستطيع هذا المهذب دمث الأخلاق ، من العمل مع العساكر القادمين من الثكنة إلى الوزارة ؟ و الأمر ينسحب على الباحث الأنيق في دنيا الفلسفة الدكتور ياسين خليل ، الذي خسرته السياسة الرصينة ، و الكتابة الأكاديمية الفلسفية سراعاً، ويوم استوزر ناجَيْتُ نفسي ، بمثل ما ناجيتها يوم استوزر أستاذي أحمد مطلوب ، وبقيت أتابع كتاباته و أشعاره في مجلة (الأديب) اللبنانية ، وكتبه الصادرة في العراق ومنها كتبه (البحث البلاغي عند العرب) الصادر في ضمن الموسوعة الصغيرة عام 1982 و ( البلاغة عند الجاحظ ) الذي نشرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 1983، فضلاً على (ضياء الدين بن الأثير ) الصادر في ضمن سلسلة نوابغ الفكر العربي ، وعن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1988، وبودي أن أشير إلى أن لأثير الدين ثلاثة أولاد، أكبرهم مجد الدين المولود سنة 544هـ ، صاحب كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) وأوسطهم عز الدين المولود سنة 555هـ ، وقد اهتم بعلوم التاريخ ، وقد عرف وأشتهر بكتابه الضخم (الكامل في التأريخ ) الذي يكاد يضارع كتاب (تأريخ الرسل والملوك ) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (224-310) وكان ضياء الدين ثالث الأخوة من أبناء الأثير (محمد أثير الدين ) وأصغرهم المولود عام 558هـ ، الذي نال الشهرة والمجد من أوسع أبوابها من خلال كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ) ، وغطت شهرته على انجازات أخويه ، حتى إذا ذكر ابن الأثير ، انصرف الذهن إلى ضياء الدين هذا من غير أخويه، فبزت شهرة الأديب ، شهرة المؤرخ والمصنف في أمور الدين ، وقلةٌ من المتخصصين من تعرف هذه الواقعة العلمية ، وإن أبناء الأثير ثلاثة ، بعد أن حاز ضياء الدين أبن الأثير الأديب الكاتب لنفسه المجد من أطرافه كلها !.

شاعر الحب والجمال

كما أهداني _ مشكوراً _ ديوانه الموسوم بـ ( رفيف المنى) أدرت عنه حديثاً نقدياً نشرته مجلة (صوت الآخر ) الصادرة في أربيل بعددها المرقم 429 والصادر في يوم الأربعاء 3/ من نيسان /2013 ، حتى حصلت على كتابه الذي يدرس فيه المنجز الشعري والبحثي للشاعر الأنيق عبد الخالق فريد الذي أوقف شعره _على الغزل و الخمرة ووصف النساء، هذا الشاعر الرومانسي الحالم ، الذي يعيد لنا ولذاكرتنا حيوات شعراء الرومانسية والغزل والخمرة قديماً وحديثاً ، بدءاً بأبي نواس ، ومروراً بالياس أبو شبكة ، وبشارة الخوري وحافظ جميل وحسين مردان ورشيد عبد القادر الناصري ونزار القباني ، وعبد الأمير الحصيري و صفاء الحيدري وعلي محمود طه المهندس ، وإبراهيم ناجي وأحمد رامي وعزيز أباضة وغيرهم. وإذا كان الشعر العراقي في غالبيته سياسياً ومتحزباً ومؤدلجاً ، ظل الشاعر الغِرَّيد عبد الخالق فريد ، يعزف ألحانه الشجية ، واصفاً ومتغزلاً عابًا من النشوة ولذائذ الحياة ما شاء له الهوى ، وإنه ليذكرني بالقاص و الروائي (حازم مراد ) ففي الوقت الذي انغمس القاصون والروائيون العراقيون في السياسة ، ظل (حازم مراد ) يكتب للمرأة والحب و الغزل ، رواية تقترب من أجواء وفيق العلايلي الروائي الرومانسي اللبناني ، وما زال في ذاكرتنا عددٌ من رواياته قرأناها في أيام المراهقة و الفتاء مثل ( في قلبها نار) و ( مَنْ يطفئُ النار ) فضلاً عن كتابات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وفرانسوا ساغان في روايتها (مرحى يا كآبة ) وفي بعض الترجمات( مرحباً أيها الحزن ) فضلاً على روايتها ( هل تحبين برامز؟) . عام 2003 أصدر أستاذي الدكتور أحمد مطلوب كتابه ( عبد الخالق فريد : شاعر الحب والجمال ) وقد درس فيه وهو الدارس الأكاديمي المنهجي ، الإبداع الشعري ، لشاعر الغزل عبد الخالق فريد ، منذ ديوانه الأول الصادر عام 1955، والذي سماه (نداء الأعماق ) وحتى ديوانه السادس عشر و الموسوم بـ(أغنيات القلب الرمادي) الصادر في بغداد سنة 2002، مشيراً إلى انه واصل بوحه الشعري الشفيف ، وأصدر منذ 2002 اثنتي عشرة مجموعة شعرية ، آخرها حملت عنوان (إشراقات حب ) صدرت طبعتها الأولى في أيلول /2013 وما زال في جعبة الشعر و الشاعر الشيء الكثير ، فضلاً عن اعتنائه بالرسائل المرسلة إليه ، هو الذي عقد صداقات واسعة مع شعراء عصره ولا سيما في مصر ولبنان وبلاد الشام، ولعل قلة هم من يبارون الشاعر عبد الخالق فريد في صداقاته مع شعراء و أدباء الوطن العربي ، وفي الذاكرة ، الباحث و الشاعر الجميل حارث طه الراوي ، الذي تحدث عن صداقته الوطيدة مع الأدباء العرب ، ولاسيما أدباء بلاد الشام و لبنان في كتابه الجميل ( من ذكرياتي الأدبية ) وقد أدرتُ عنه حديثاً نقدياً نشرته أول مرة في جريدة ( الثورة ) بعددها المرقم 9867 و الصــــــادر يوم الاثنين غرة رجب المعظم /1420هـ– 11/10/1999 و أعدت نشره في كتابي الأول الصادر في بغداد عام 2000 و الذي عنونته بـ ( الضفة الأولى : مقالات في الثقافة و النقد ) وإنها لمناسبة أن أقول : إني قرأت رباعيات الراوي الصادرة في ضمن مطبوعات مجلة دبي الثقافية الرائعة ، عددها الصادر في نيسان / ابريل من عام 2012 ، فوجدت ظاهرة الحزن و الأسى وعتاب الدهر و الخلان فاشيةً فيها ، مما بعث في نفسي الألم و الأسى للحال التي آل إليها هذا الشاعر المتفائل ، الذي طالما سعدنا بقراءة صوره القلمية التي كان ينسج وشيها على صفحة (آفاق) من جريدة ( الجمهورية ) فضلاً على لقطاته الجميلة وعباراته الأنيقة وحكمه ومقولاته التي كان ينشرها في ثقافية جريدة ( العراق ) تحت عنوان ( عيون صغيرة ) وما زلت أحتفظ في ضمن أرشيفي بالعديد من هذه الكتابات ، وكثيراً ما تجاذبت أطراف الحديث بهذا الشأن مع صديقي الشاعر عبد الخالق فريد . أقول : لقد اعتنى الشاعر عبد الخالق فريد بالرسائل الواردة إليه و أصدر مجاميع منها وكان آخر ما صدر منها الجزء الثالث عشر عام 2013 وصدرت تحت عنوان موحد هو ( عبد الخالق فريد في رسائل أدباء عصره). لقد درس أستاذي الدكتور أحمد مطلوب في كتابه هذا ، حياة الشاعر عبد الخالق فريد ، كما درسه شاعراً وكاتباً ، إذ أن للشاعر عبد الخالق أكثر من كتاب منها ما كتبه عن الشاعر أبو شبكة عنوانه ( الياس أبو شبكة _ مقالات ورسائل ) فضلاً على كتابه (مذكرات في الأدب ) الصادر في بغداد عام 2001، كما درس الإِيقاع الشعري لديه ولغته الشعرية ، والمرأة في شعره، فضلاً على الشجون ، ويعني بها المؤلف الموضوعات المختلفة التي سكب فيها روحه ، وذوب قلبه ، وقد عجبت لدقة الباحث الدكتور أحمد مطلوب وهو يحصي عبارات معينة وردت في شعره، فضلاً على إحصائه لأسماء النسوة والفتيات اللائي وردت أسماؤهن في شعره ، فإذا كان الشعراء العرب القدامى والمحدثون يتغزلون أو يشببون بامرأة بعينها جميل بن معمر ببثينة ، وقيس بن الملوح بليلى ، وقيس بن ذريح بلبنى و العباس بن الأحنف بفَوْز وابن زيدون بولادة ، فان شاعرنا عبد الخالق فريد قد تغزل بمئة وثلاث من النساء، وقد أحصى الباحث أحمد مطلوب اسماءَهن و القصائد التي وردت اسماؤهن فيها بدءاً بابتسام وإجلال الشربيني مروراً بخُزامى وفوز وليلى حسين السيد وإنتهاءً بيارا الأمر الذي جعل الباحث أحمد مطلوب يتساءل ، و أوافقه أنا في تسآله : أحقٌ كل هؤلاء النسوة تعرفن على الشاعر ، أو تعرف الشاعر هو عليهن ؟! إذ لم يعرف العرب شاعراً تغنى بمثل هذا العدد وبثهن لواعج قلبه وشوقه وهيامه. تراجع ص 132 . إن كتاب ( عبد الخالق فريد: شاعر الحب و الجمال ) فضلاً على كونه دراسة نقدية لشعر عبد الخالق فريد، فإننا ليمكننا ان نعده كتاباً نصوصياً ، إذ حرص أستاذي الدكتور أحمد مطلوب على تضمينه شذرات ومنتقيات من شعر الشاعر موضع الدراسة، قد تكون معيناً لتذوق الشعر ، للذي لاتحضره دواوين الشاعر الغِرَّيد عبد الخالق فريد…