- الشريعة الإسلامية - سلاح ذو حدين - الحلقة الثالثة

محمد علي العامري
2017 / 6 / 16

" الشريعة الإسلامية " سلاح ذو حدين - الحلقة الثالثة
محمد علي العامري

إذا أردت أن تتحكم بجاهل ، عليك أن تغلف كل باطل بغلاف الدين – أبن رشد

من يعثر على " الشريعة الإسلامية " فاليأتني بها ..
تتعالى الأصوات أيامنا هذه بأن " الإسلام هو الحل " وفي تطبيق " الشريعة الإسلامية " إنقاذاً للبشرية جمعاء من الفوضى والظلم واللامساوات ، وأضافوا : سيكون العالم أكثر أمنا وأماناً وإستقراراً ، وستنعم البشرية بالعدل والرخاء والسلام .
أنه كلام جميل وليس هناك أجمل منه ، ولكن المجتمعات الإسلامية لم ترى الفُتاة من هذا الكلام ، بل العكس من هذا لقد إكتوى المسلمون من ظلم وجور الإسلاميين سواء كانت أنظمة حاكمة أو مؤسسات وتنظيمات ، ولم يأتوا بالشريعة التي أطلقوا عليها " السمحاء " ليثبتوا صحة كلامهم أثناء تطبيقها على " الأمة " . ويا ليتهم جاءوا بمثال واحد أو نموذج يحتذى به خلال 1400 عام حتى يثبتوا مصداقيتهم أمام العالم ، وما هو نوع هذه الشريعة التي يريدون تطبيقها ، وعلى أي مذهب أو أي مدرسة تستند ؟
فالمطالبة بتطبيق " الشريعة الإسلامية " في بلدان تتميز بتعدد الأديان والمذاهب والطوائف كالعراق ومصر ولبنان وإيران وغيرها ، يتحتم على ذلك تأسيس دولة المذهب الواحد بدل دولة الوطن الواحد ، ناهيك عن إلغاء الدين الإسلامي في هذه الحالة وإبداله بالمذهب ، والمذهب تحول تدريجياً الى دين قائم بحد ذاته، فأصبح الإسلام اليوم إسلامين ، الإسلام السني ومذاهبه والإسلام الشيعي ومذاهبه .
وبما أن الدين الإسلامي إنشطر منذ أكثر من ألف عام الى عدة فرق ونحل ومذاهب ، وكل مذهب يحاول إزاحة الآخر وإلغائه بإعتباره هو وحده صاحب الحقيقة المطلقة ، ومالك السماوات والأرض ومالك الله والأنبياء ، فلا بد وإن تظهر لنا دولة المذهب الواحد . وهذا ما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ، فلا يوجد قط دولة الإسلام بل يوجد دولة المذهب.
ويا حبذا لو تفضل مشكوراً أحد الإسلاميين المؤمنين المتحمسين لتطبيق " الشريعة الإسلامية " ليأخذ بيدنا ويدلنا على مكان وجودها ، في أية حوزة دينية أو مكتبة أو مدرسة أو حكومة أو دولة حتى يطلع المسلمون على شريعة دينهم ليساهم بتطبيقها . إنه ضرب من الخيال حين نتكلم عن وجود شريعة إسلامية ، إنه وهم وخداع ، فلا وجود لها على الإطلاق وإنما ما موجود هو مجرد مجموعة من الفتاوى والإجتهادات متناثرة بين المذاهب المتنافرة .
نعم ، كلً له إسلامه ، وكلً له شريعته ، الجهلة لهم شريعتهم وحتى التكفيريين والإرهابيين لهم شريعتهم ، وكلً بإسلامه فرحً ، والمسلمون ضحية صراعاتهم وإحترابهم وإرهابهم .
فالإسلام الشيعي له شريعته الخاصة به ، ويؤكد فقهاؤه بأنه لا بديل عنها ، ويصرون ويؤكدون على تطبيقها ، ويعتبرونها هي الأصلح والأنجع للإسلام والمسلمين ، وموروثهم يثبت أنه لا شريعة سواها . وهم – الإسلام الشيعي – يقولون بأنهم لن ينحرفوا عن القرآن والسنة النبوية والأئمة قيد شعرة . وهم ليس أقل دهاءً من غيرهم ، فلقد جاءوا بالقرآن وفصلوهُ تفصيلاً بما يتلاءم ومذاهبهم ، وهم على قدر بما يفقهون ، وعندهم حوزاتهم الدينية في النجف بالعراق وقم بإيران المختصة بالإسلام الشيعي وفقه دين الإمامة – الجعفري الأثني عشري – حيث يتخرج من هاتين الحوزتين كبار فقهائهم ومجتهديهم ورجال دينهم .
وكذلك الإسلام السني إنفرد بشريعته أو شرائعه ، وكما فعل فقهاء الإسلام الشيعي جاءوا بالقرآن وفصلوهُ تفصيلا على مقاسات مذاهبهم بما يتلاءم وشرائعهم . وأيضاً إعتمدوا على الموروث الذي لملموه على مَر القرون من أحاديث مروية عن نبيهم محمد أو أحاديث صحابة محمد ، ليؤكدوا لمسلميهم بأن شريعه دينهم هي الأصلح والأنجع لهم ويجب الجهاد والتضحية من أجلها .
وبما أن القرآن " حمال ذو وجوه ، وحمال أوجه " كما وصفه الإمام على بن أبي طالب في نهج البلاغة ، أصبح لكل منهما إسلامه وقرآنه في التفسير والتأويل ، وكل له صحابة وأئمة لهم أحاديثهم ورواياتهم على لسان نبيهم . ولو تمعنا جيداً ودققنا بكل صغيرة وكبيرة ، لوجدنا أن هناك لكل منهما نبيّه ومحمّده .
وبما أن كل من الطرفين يحتكر الحقيقة المطلقة ، فلا يمكن لأي من الإسلامين الشيعي والسني أن يفكر بالتنازل للآخر مادام الكل متسمك بموروثاته ، والمروث عند الطرفين مقدس ، وهناك إنقياد وتمسك جنوني بهذا المقدس . ولهذا نرى أن الحوار بين السنة والشيعة هو حوار الموروثات لتتحول حججهم الى المزايدات على بعضهم البعض ليصل حد التسقيط وإلإلغاء . فنقطة الحوار المركزية التي دائماً يبدأون بها هي لقضايا وحجج حدثت قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام ، ولهذا بات من المستحيل أن نجد نقطة إلتقاء بينهما ، فأصبحا عدوين متضادين متحاربين كارهين بعضهما ، ولم يبقى بينهما من الإسلام جامع أو عامل مشترك ، حتى لفظ الشهادتين ما باتت تجمعهما ، لأن الإسلام الشيعي أضاف شهادة ثالثة وهي " أشهد أن علياً ولي الله " في الأذان ، لتكون القطيعة نهائية والعداء يستمر والكراهية تزداد يوماً بعد يوم. ويا ليتهم يعلنوها بأن الإسلام إنشق الى إسلامين .
فهل بقيت مساحة في الأفق بأن نتكلم عن وجود " شريعة إسلامية " واحدة موحدة ؟
الحلقة القادمة حول مصادر الشريعة