- الشريعة الإسلامية - سلاح ذو حدين - الحلقة الثانية

محمد علي العامري
2017 / 6 / 15

" الشريعة ألإسلامية " سلاح ذو حدين
الحلقة الثانية
محمد علي العامري

عندما إنتبه المسلمون اليوم الى ذاتهم وتلمسوها بوعي ، وجدوا أنفسهم يعيشون في عالم مهموم ومأزوم ومنغلق تماماً ، ولم يجدوا لهم مخرجاً من هذا العالم المظلم إلاّ ما تيسر لهم قليلاً من مساعدات الخارج . بل وجدوا أنفسهم في قوالب مرصوصة في عتمة ولا يشعرون بوجودهم ، وإن شعروا ، فاليأس والقلق يداهمهم ، والخوف من الآخر يرعبهم ، وكلما حاولوا الخروج من هذه القوالب وهذه العتمة ، يتلقون رفسات من الفتاوى ، وكفخات من التكفير ، ووابل من اللعنات .
ولكن الذات البشرية تريد أن تكون ، وتطمح أن تتنفس من هواء الكون ، وأن تشرب من ماء الحياة الدنيا ، وتتحرك مع حركة المجتمع البشري بشكل عام . ولهذا نرى اليوم الحركة التنويرية والحداثوية والصحوة الإنسانية تدب من جديد في عروق نسبة كبيرة من المسلمين ، لتقف بشجاعة وجرأة بوجه الظلاميين والتكفيريين والسلفيين والوهابيين . ويستمر الصراع لتستمر مسيرة البشرية صعوداً نحو التطور والرقي تلبيةً ً لقوانين الطبيعة .
إذاً ما هي الأسباب التي جعلت المسلمين في بؤس الحال من التخلف والتأزم ؟ وما هي الفلسفة التي جعلتهم راضين لقرون طويلة بأن يكونوا في آخر الركب في هذا العالم ، والى يومنا هذا ؟
حصلت على جوابين مختلفين من جناحي الإسلاميين :
1 – عدم تطبيق " الشريعة الإسلامية " بشكلها الصحيح ، وإبتعاد المسلمين عن دينهم ، هو السبب الرئيس . هذا ما يؤكده الكثير من فقهاء ومرجعيات المدارس الإسلامية المتشدده الراديكالية ويؤكدها السلفيون .
2 – خبث المطالبة بتطبيق" الشريعة الإسلامية " وتجييرها لخدمة السياسي ، وتطويع الدولة للدين وتسييسه . هذا ما يؤكده الإسلاميون التنويريون ، وأصحاب الفكر العقلاني الذين يجاهدون في سبيل أن يكون الدين لله ، والكون للجميع ، والناس أحراراً فيما يعتقدون .
إذاً ، ما هي الشريعة الإسلامية ؟
الشريعة تعني كما جاء في المعجم العربي ( المحيط في اللغة – لمؤلفه الصاحب بن عباد 928 – 995 م )
شرع الوارد شرعاً وشروعاً . والشريعة والشراع والمشرعة : موضع يهيأ للشرب .
وقد شرعت الأبل : صارت على الشريعة
والشريعة والشرعة : ما شرع الله لعباده من أمر الدين ، وهو يشرع شرعة
وجاء في معجم " لسان العراب " :
الشرعة والشريعة في كلام العرب : شرعة الماء وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس .
ولم يأتي ذكر مفردة " الشريعة " في القرآن أو السنة النبوية ، وكذلك لم يستخدمها إطلاقاً الخلفاء الراشدين الذين جاءوا بعد النبي محمد . وإن جاءت كلمة " شرع " في القرآن ، لا تعني الشريعة بتفسيراتها الفقهية السياسية المطروحة علينا اليوم ، بل تعني مصدرها اللغوي وهو الطريق أو السبيل . كما جاء في سورة المائدة { وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فأحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ولك جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } حيث تؤكد هذه الآية بأن هناك أكثر من سبيل وأكثر من شرع .
فـ " الشريعة الإسلامية " مصطلح من صنع فقهاء اللغة وفقهاء الدين ، نتيجة لتراكمات هائلة من الإلتباسات والتعقيدات الفقهية الدينية ، حيث أًستُخدمت من قبل الفقهاء المجتهدين الذين سار المسلمون على طرقهم وشرائعهم المختلفة والتي أدت على إثرها الى ظهور المذاهب الإسلامية المختلفة والمعروفة يومنا هذا .
إن توسع الإمبراطورية الإسلامية في العصر الأموي قد تبلور فيها الإسلام السياسي وهيمن على مسار وسلوكيات الخلافة الأموية الذي طغى عليه الطابع القومي العربي حيث عجنوا العروبة بالدين ، فأصبحت الشريعة كلوحة أو ديكور يزخرف بوابة أمبراطوريتهم . وأخذ العباسيون نفس المنحى ، ولكن إضمحلت عندهم القومية العربية تدريجياً . فالعباسيون لم يؤسسوا دولة الكهنوت أو إمبراطورية الدين ، وإنما طوعوا الدين لصالح إمبراطوريتهم ، حتى كاد الدين أن يكون شبه مفصول عن سياسة الدولة . ولهذا عم الإزدهار في كثير من مناحي الحياة ، وكان عصراً متميزاً يوم ذاك . أما الشريعة فلم يعد لها أي أهتمام ، لأن الفقهاء إنشغلوا بالإجتهادات والتفسيرات والتأويلات الى أن تفرقوا وتشعبوا الى ملل ونحل لتعرف بالمذاهب .
ولما جاء العثمانيون وجدوا أنفسهم أمام مفترق طرق بين المذاهب والفرق الإسلامية وأنتهى بهم الأمر الى المذهب الحنفي . وقد تحولت الإمبراطورية الإسلامية الى قومية عثمانية على شكل إستعمار تركي عززة " تحالف مطلق بين السلطة السياسية والسطلة الدينية ، خُضعت بموجبه سلطة الدين للسلطة السياسية تماماً حتى يومنا هذا " ولم نرى للشريعة أي وجود .
ولا يختلف اليوم عن أمس العثمانيين ، وهاهو الإسلام يُستغل بأبشع الصور وأخبث الأساليب ولكن بشكله الحديث ، وها نحن نرى جميع الحكام في العالمين العربي والإسلامي دون إستثناء ينكلون ويضطهدون شعوبهم ، ويخرقون حقوق الإنسان بإسم الدين وبحجة تطبيق " الشريعة الإسلامية " .
وها نحن نراهم قد عجنوا الدين الإسلامي مئات المرات ، وفصّلوه آلاف المقاسات ، وكل مقاس يخرج للمسلين أنيقاً بإناقة التفسيرات والتأويلات التي تتناسب وحجم السلطان .
محمد علي العامري
15 حزيران 2017