ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (37)

طلال الربيعي
2017 / 6 / 11

كما يؤكد باحثون (1, 2), يفهم ماركس نفسه كعالم اجتماعي؛ ومع ذلك، وكما نوهت مرارا في حلقات سابقة, يمكن القول ان ماركس لم يترك لنا عرضا واضحا ومنسقا لمنهجيته. ونتيجة لهذا فقد تم اعادة تفسيره كثيرا (3) لجعل منهجه يتناسب مع النموذج السائد في العلم في وقتنا. ولهذا اكد معلقون ان ماركس كان بلا شك عالما وضعيا.

ان مصطلح "الوضعية" لا يزال قيد الاستخدام, ولكن هذه الأيام، فإن قلة من الباحثين سيحددون أنفسهم كاتباع للفلسفة الوضعية, ويفضلون تعبيرا بديلا لها, وان كان يدلل على نفس الشئ تقريبا, مثل الوضعية الجديدة او الامبريقية.

يمكن تعريف "الوضعية" بكونها فلسفة العلم التي تعود جذورها بشكل واضح الى بداية نظرية المعرفة (Epistemology) الحديثة, وخصوصا تلك التي تجسدها فلسفة ديفيد هيوم (1711-1776), حيث نضجت لاحقا واكتسبت تسمية "الوضعية المنطقية" في ثلاثينيات القرن العشرين, وكانت, حتى الفترة الاخيرة, قد هيمنت على خطاب العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على حد سواء.

يعود اصل مصطلح "الوضعية" (كمصطلح "علم الاجتماع", وكما نوهت سابقا), إلى رائد علم الاجتماع اوغست كومت (1798-1857). فقد اعتبر كومت الوضعية كآخر "مرحلة علمية" في تطور "العقل". ولكن الأهم من ذلك، ان كومت وضع أيضا بوضوح, إلى حد ما, الأفكار الرئيسية للفلسفة الوضعية للعلوم (4).

تأثر كومت بالفيلسوف ديفيد هيوم (1711-1776)وكذلك بالفيلسوف عمانوئيل كانط (1724-1804), والذي اشرت اليه في الحلقة السابقة, وخصوصا في كتابه "نقد العقل الخالص". ففي حين قدّم كل من هيوم وكانط نظرية معرفية مختلفة، الا ان كلاهما كانا امبريقيين.

حسب كومت, هنالك ثلاثة خصائص محددة للفلسفة الوضعية:
أولا، أصر كومت على أن الميتافيزيقيا والخيالات لا يمكن أن تكون جزءا من العلم. وهذه كانت ايضا أطروحة كانط الرئيسية والمؤثرة للغاية في كتابه "نقد العقل الخالص". حسب المنهج الوضعي, ينبغي ان يكون العلم تجريبيا, بمعنى أنه يتعامل مع الأفكار التي يمكن التحقق منها عن طريق التجرية وذلك عن طريق اثبات فرضياته, او تكذيبها حسب فيلسوف العلم بوبر الذي اعتبر كلا من الماركسية والتحليل النفسي الفرويدوي علمين مزيفين لأنهما, بزعمه, لا يمكن تكذيب فرضياتهما. وقد ناقشت المشاكل العديدة التي تعتور المنهج الوضعي وكذلك منهج بوبر في تحديد علمية الماركسية والتحليل النفسي من عدمها في مكان آخر (5), فمثلا, يشيرGlymour الى ان منهج فرويد في التحليل النفسي (6) مطابق الى حد كبير لمنهج نيوتن في كتابه الثالث (7). وينبغي التنويه هنا انه من سخرية القدر ان النهج السوفيتي في فلسفة العلم وقتها امتاز بالكثير من التخبط والعشوائية, فهو, حاله حال بوبر, اعتقد ايضا بلاعلمية التحليل النفسي بالرغم من ان بوبر اعتبر الماركسية نفسها علما زائفا. وكان هذا نتيجة, الى حد كبير, لما يسمى العِلِْمانية Scientism التي تساوي بين العلم والعلم الطبيعي, اولا, وتختزل كل المعرفة البشرية الى العلم الطبيعي, ثانيا (8). واني لا يمكنني معالجة فلسفة العلم الماركسية حتى بادنى تفصيل هنا, وساسعى الى فعل ذلك لاحقا.

ثانيا، رأى كومت أننا يجب أن نتخلى عن البحث عن اسباب للاعتقاد بصيغة ان كبح الفرد (كبح الفرد لمشاعره او افكاره حسب التحليل النفسي) هو السبب المفترض في ان يسلك الفرد السلوك المعين, وذلك لصالح سببية بمفهوم هيوم, اي "علاقات ثابتة من التعاقب والتشابه." لهذا إذا كان الكبح مفهوما علميا, فانه يجب ان يعني شيئا مثل "إذا كان شخص ما يمارس الكبح ويجابه الحالة S (Situation), فانه سلوكه سيكون بهذا الشكل او آخر (Response) R. لذا بمجرد إنشاء علاقة قانونية(؟) بين "S" و "R"، يصبح الكبح فكرة زائدة عن الحاجة, وبذلك تنتفي الحاجة ايضا, وضمنا, الى التحليل النفسي ويصبح هو بذلك لاعلما حسب الفلسفة الوضعية.

ثالثا، في أعقاب ما تقدم، ان تفسير الوقائع هو مجرد إنشاء علاقة بين ظواهر محددة وبعض الحقائق العامة, أو, بعبارة أخرى، استنتاج مثيل من القوانين العامة. وهكذا، لمواصلة المثال، ونحن نشرح سلوك الشخص الذي يكبح مشاعره من خلال العرض أنه في الحالة S وأنه كلما تواجدت الحالة S سيتبعها السلوك R. وهذه النظرية هي التي تم الاعتراف بها ضمنا من قبل العلم السوفيتي الذي ايد تجارب عالم الفسلجة العصبية بافلوف وبحوثه في الانعكاسات المشروطة وغير المشروطة, والتي, اي بحوث بافلوف, شكلت لاحقا الاساس الفسيولوجي-عصبي للمدرسة السلوكية في العلاج النفسي.

تهيمن هذه الأفكار الوضعية على المناقشات المنهجية في علم الاجتماع. فمثلا، تؤكد شافا فرانكفورت-ناشمياس في كتابها "طرق البحث في العلوم الاجتماعية" على التالي (9):
في كثير من الأحيان, ان السمات أو الأحداث الامبريقية التي تمثلها المفاهيم لا يمكن ملاحظتها مباشرة ... في مثل هذه الحالات، أن الوجود الامبريقي لمفهوم (كذا) ينبغي ان يتم الاستدلال عليه. ويتم إجراء استدلالات من هذا النوع بالتعاريف التشغيلية" (ص 31)

والتعاريف التشغيلية بكل بساطة هي:
"إذا تم تطبيق حافز معين (S) على شئ، وإنتج بذلك باستمرار رد الفعل (R)، فإن الشئ له الخاصية (P)" (ص 32). P هنا تشير الى Property (خاصية).
وبالمثل: منذ ديفيد هيوم، اصبح استخدام مفهوم التفسير على انه العلاقة بين الظاهرة المطلوب تفسيرها بظواهر أخرى ضمن قوانين عامة.
يتبع
----------
المصادر
1- Cornforth, M., (1962) Dialectical Materialism, An Introduction: Volume Two, Historical Materialism. Surrey, Unwin Brothers
2. Walker, D. M., (2001) Marx, Methodology and Science. Hampshire, Ashgate
3. McBride, W. L., (1977) The Philosophy of Marx. London, Hutchinson and Co
4. Comte, A., (1877) ‘The Intellectual Character of Positivism.’ In G. Lenzer (ed.) (1998) Auguste Comte and Positivism. London, Transaction Publishers
5. الـماركسـية والتحليل النفسي
http://www.althakafaaljadeda.com/talal_alruba2e.htm
6. Glymour, C. (1974). Freud, Kepler and the Clinical evidence. In: R. Wollheim (Ed.), Freud. New York: Anchor
7- THE THIRD BOOK OF OPTICKS
http://www.newtonproject.ox.ac.uk/view/texts/normalized/NATP00051
8. Scientism
http://www.philosophybasics.com
/branch_scientism.html
9. Research Methods in the Social Sciences
https://www.amazon.com/Research-Methods-Social-Sciences-Frankfort-Nachmias/dp/1429233001