الطابق الرابع

محمد الذهبي
2017 / 6 / 9

الطابق الرابع
محمد الذهبي
لم يكن جاداً في كتابة رواية، لأنه طالما شكا من قلة الصبر، وأنه يكره أن يخلق عالما يسيره بحسب إرادته، يضحك دائما ويقول : لا أريد أن أكون رباً جديداً، فالأرباب كثيرون، ولكنه في يوم شتائي التقى صديقاً له وجلسا يتحادثان، في أصل وأصول الرواية، وبين له صديقه إنه بدأ مشروع عمره بكتابة رواية تحتوي على عنصر الدهشة التي تفتقر اليه الروايات المكتوبة بسرعة فائقة في الزمن الحالي، لم يتطرق الصديق الى شخوصه، ولكن إبراهيم فارق صديقه سعد وهو يشعر بتشوش ذاكرته، هناك أحداث متسارعة تطرق على ذهنه المتسم بالسرعة، وهناك شخصيات تمرق كالبرق بذهنه، وهناك وهناك الكثير، حاول أن يتفرغ قليلا لذاته، ويحاول أن ينظم هذه الأحداث والشخصيات، وصل الى البيت، وضع بند الورق، واخرج القلم وبدأ بكتابة العنوان: ( الطابق الرابع)، لا يدري من كان بجانبه يضخ اليه المعلومات عن ذلك الطابق، وبسرعة استطاع أن يضع ثيمة الرواية، وراح يحرك الشخوص بخفة وكأنه بهلوانٌ او مهرجٌ في السيرك، استطاع خلال أسبوع، أن يكتب أكثر من خمسين صفحة، ما الذي كتبتهُ وهل من الممكنِ إعادتهُ لو لم يكنْ مكتوباً على الورق، بعد ثلاثة أشهر التقى صديقه الكاتب وراحَ الاثنان يتناولان شتى الأفكار، حتى وصلا الى الرواية، كان سعد واثقاً من نفسه، لقد كتبتُ مئة َصفحةٍ من الرواية بعناء كبير، لكنني لن اكشفَ عن عنوان روايتي، سَهِمَ ابراهيمُ وراح يفكرُ ، يا الهي انا أيضا كتبتُ مئةَ صفحةٍ من روايتي الطابق الرابع، راح سعد يعدد آلاء عمله المضني، وأوحى بما يشبه الحلم الى بعض تصرفات شخوصهِ في الرواية، الزمن هو الذي سيثبت من هو الأول في هذا المضمار، ولكنني لم أرَ أيَّ نصب في كتابة روايتي، مجرد أن أضع القلم بيدي حتى تسيل الأفكار والأحداث، ما الذي يجري، التقى الاثنان مرة ثانية، وكانا يتحدثان عن التنقيط في الكتابة وتأثيره الكبير بالنسبة للقارىء، تناول ابراهيم الشاي وراح في ذهول كبير، الجمل التي تنتهي عنده تنتهي لدى سعد أيضا، لم يصرح أيٌّ من الاثنين بأية فكرة أو ثيمة، هناك تشابهٌ كبيرٌ في خارطة العمل، سعد بدا متذمراً ويشكو من صعوبة العمل الروائي، أما ابراهيم فكان يجلس للكتابة وكأنه يُملى عليه.
مرت سنة كاملة على سعد وهو لم يكمل روايته، ما كان يكتبه في أسبوعين يكتبه ابراهيم في يوم واحد، لكنهُ لا يستطيع أن ينتهي من كتابة الرواية لسبب مجهول لم يعرف كنهه، فهو يصاب غالبا بالإفلاس الفكري لأيامٍ عديدة، ثم لا يفتأ إلا أن تنهمر سيول الكلمات عليه انهماراً، لا يدري ما الذي يحدث، يلتقي صديقه بصمت، ماخلا سؤال يلوح على شفتيه: هل انتهيت من كتابة الرواية؟، فيجيب سعد: لم يبق إلا القليل، دفع الاثنان روايتيهما الى ناشرين مختلفين، عامل الوقت كان مهما جداً، طبعت رواية ابراهيم بسرعة أيضا ونزلت الى الأسواق، وحضر سعد حفل التوقيع، فصدمه العنوان أولا : الطابق الرابع، ثم اسماء الشخوص والأحداث.