لقاء في ذكرى الثالثة لسقوط الموصل

نبيل تومي
2017 / 6 / 9

بعد لقاء لي مع قناة الأرامية فجر يوم الخميس الموافق 8 / حزيران 2017

ومع الأستاذ كمال يلدوا مقدم البرنامج الرائع [ أضواء على العراق ] أرتأيت توضيح مداخلاتي حول موضوع المطروح للمناقشة سيمـا تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الثالثة لسقوط الموصل والكوارث التي رافقتهـا على أصحاب حرف النون والأيزيديين والشبك وغيرهم .
المدخل الأول : -خلفيات وأسباب سقوط الموصل والأوضاع التي هيأت لأحتلالهـا من قبل عصابات داعش
في البدء أتقدم بالشكر الجزيل للأعلامي الفذ الأستاذ كمال يلدوا على أستضافتي والشكر موصول لجميع العاملين على هذه القناة وللمشاركين في الحلقة ذاتهـا .... وأمنياتي أن تنتشر أضواء المحبة والنقاء في قلوب العراقيين وعقولهم وعلى العراق كافة وأن تزدهر الكهرباء وتضيئ كل الشبر معتم .
بعد سقوط النظام البعثي الفاشي على أيادي الأمريكان ، أدُخِـل العراق في دائرة الصراع الطائفي والمذهبي والأثني العميق عمق الزجاجة الطويل الخانق ولم يستطيع الخروج منه ليومنـا هذا كي يتنفس هواء الحرية ويمارس حقه في سيادته وتحقيق العدالة والمساواة المبتغاة منذ مجيئ الفاشية البعثية للسلطة ، وقد مضى على ذلك أكثر من أربعة عشر عام ، وللأسف بلع السياسيون العراقييون الطعم المذموم المقدم لهم على أطباق ذهبية مسمومة من قبل الحاكم المدني بريمر .
والسؤال يفرض نفسة مـاذا بعد داعش ... لنفترض أن داعش سقط في الموصل ومن بقية المدن العراقية فهل أنتهى حقـاً ؟ وهل تنتهي معاناة [ الأشوريين ، الكلدان السريان ، الإيزيديين ، الشبك ، الأرمن ، المندائيين والبهاتئيين ] وغيرهم من الأعراق الدينية الغير مسلمة بزواله ؟ الجواب ... أني لا أعتقد ذلك !!! لان المسألة أصبحت لهـا طابع وواقع مختلف في واقع و كيان الثقافة المجتمعية ، بحيث أنتشرت ثقافة الكراهية و الخوف ، ثقافة الحقد وأزدراء الأخر ، ثقافة أنعدام الثقة ... كل ذلك نتاج مـا جلبته لنـا وأسستهُ ألقوى الحاكمة منذ سقوط الصنم لليوم ممـا أنتج عمليات فرزنة المجموعات الأثنية المختلفة وأبتعادهـا عن المجموعات الأخرى المختلفة معهـا في الدين والمذهب والقومية والمعتقد ، وهذا مما أضطر تلك المجاميع للأحتماء بنفس المجموعة فالتركماني أي كان أصبح أكثر تركمانيـا حتى وان كان مثقف ومدني ، وكذلك فعل الكردي والأشوري والكلداني والمندائي والشبكي والسني ثم الشيعي والذي بدورهم منقسمين كمـا السنة إلى فئات وأحزاب وفرق صغيرة تجمعهـا مصالحهـا الذاتية والشخصية والحزبية ، هذا الذي أدعوه الوعي والثقافة الجديدة التي أصابت العقل العراقي ، أنه شيئ مخجل ومذهل بنفس الوقت !!! بحيث تصبح المهمة مستحيلة على أي مصلح حتى وأن كان نبي ، وعليه تتعقد المهمة على تلك المجموعات الصغيرة من الأفراد المدعين الثقافة والعلمانية والمدنية والديمقراطية وحتى بعضا من هؤلاء يتكئ عند الحاجة إلى تلك المجاميع التي يأمل منهـا حمايته من بطش الأخرين له فيقع في الأزدواجية و في فخاخ الواقع الجاري في عراق اليوم .
المدخل الثاني أسباب سقوط الموصل : - ألخصهـا حسب رؤيتي ببعض النقاط يطول شرحهـا ولكني لن أفعل ...
1- تهيأت ظروف لسيطرة عصابات داعش على الموصل بعد أن سقطت عدة محافظات ومدن تابعة لهـا حتى وصلوا مشارف بغداد العاصمة حيث كان داعش قد سيطر في أوائل كانون الثاني من عام 2014 على الفلوجة والرمادي وكثير من مناطق الأنبار وألحقهـا في حزيران من نفس العام بالزحف نحو الوسط والجنوب مع العشائر التي كانت قد أحكمت السيطرة على حديثة و جرف الصخر ، عانة ، القائم ثم أبو غريب والتاجي وهنـا توقف الزحف ، وليس من المعروف أسباب هذا التوقف المفاجئ ثم الأنسحاب .
2 - كلنـا يعرف حقيقة مكونات داعش التي كانت من مجاميع متبقية من عصابات البعث الساقط [ جماعة جرذ الجرذان صدام ] والجماعة النقشبندية الموالين لعزة الدوري خليفة هدام ، وعشائر ما يسمى الثوار والكثير من بقايـا الضباط والعسكريين الموالين للنظام الساقط وبعض التنظيمات الأسلامية الأخرى .... أجتمعت مصالح هؤلاء جميعـا في الزحف نحو الموصل بعد تذوق طعم الأنتصارات المريبة والمشكوك بكيفية حصولهـا في الأنبار وصلاح الدين وغيرهـا ...
3- ثم ممـا مهد لقوة هؤلاء كان أشاعة الرعب والخوف والهلع من الأنتقام الشيعي من كل مـا يسمى سني أو مخالف للنظام الجديد ، بالأضافة إلى الأخطاء المحسوبة على السلطة الجديدة أنذاك وبالأخص على رأس الوزراء نوري المالكي ، وكان التهميش الطائفي والأعتقالات الشبه عشوائية دور في أزدياد النقمة ثم إصدار قانون المادة أربعة أرهاب ... والذي زاد الطين بله وتراكمات ساحات الأعتصام التي كان لهـا تأثير كبير في أزدياد الأحتقان والفوضى والكراهية والأحقاد .
4- أمـا الأسباب المباشرة في سقوط الموصل فتأتي مكملة لمـا ذكرته أعلاه بالأضافة إلى عدم كفائة القادة العسكريين المهنية وهروب أغلبهم من المدينة وتركهم للجنود وضباط الصف دون قيادة أو حتى أعلامهم بالذي يجري ، وعدم الأكتراث بالتبليغات والتحذيرات التي كانت تصلهم خيانة محافظ نينوى أنذاك وكان أول الهاربين تعاطف نسبة كبيرة من سكنة المدينة مع المهاجمين .
5- سقوط بعض أهم المنشأت الحيوية بيد عصابات داعش مثل البنك المركزي العراقي فرع الموصل و مطار الموصل ، ومبنى المحافظة ثم الأستيلاء على كمية هائلة من الأعتدة والسلاح بمختلف أشكاله واصنافة بيد عصابات داعش ومنهـا 2300عربة همر ومدرعات ، دبابات ومدافع مختلفة ومنصات أطلاق صواريخ وطائرتان والتي كانت تعود إلى الجيش العراقي ، وممـا عزز ذلك أطلاق سراح ما يقرب من 1000 سجين من بادوش والسيطرة على الفرقة الثالثة و قبلهـا سقوط الفرقة الرابعة والتي كانت تجوقل في الأنبار قرب تكريت .
6-أستكملت عصابات داعش ومن لف لفهـا محاولات السيطرة على بقية المدن الواقعة شرقي الموصل مثل الحويجة والزاب ، والرياض , العباسي ، ثم ناحية الرشاد والبنكجة جنوب كركوك ، ومن ثم أنطلقت نحو جنوب الموصل وأحتلت قرى الحديديين ، البدران الستراتيجيتان لأتصالهمـأ بطرق الجزيرة نحو الأنبار .
7- لم يكن هناك أكثر من 2000 مقاتل لتلك العـصابات ولكنهـا أرعـبت الجميع حقـا وكل ذلك بسبب هروب جميع القادة العسكريين [ وهل هربوا حقا أنه أمر مشكوك به ، إن لم يكن أتفاقـا ] .. كان أول الهجوم حقيقي على مركز الشرطة الأتحادية وقوات الأمن ... و هذا كان مؤشر على سقوط هيبة الحكومة وفتحت أبواب الرغبة في الأنتقام لكل من له مشكلة مع أي أحد .
8- ألأهم في تلك الأحداث أن عصابات داعش لم تتحرش بالبيشمرگة الكردية التي كانت تحمي الكثير من القرى والقصبات مثل ألقوش والحمدانية وبعشيقة وحتى تلكيف ولم تدخل إلى المناطق الشيعية الرافضة لفكرهم الأسلامي المتشدد على الأقل في البداية .
9- ولي سبب أخير أضيفه وأعتبرة واحد من أهم الأسباب في سقوط الموصل وهو ذات السبب الذي أسقط به العراق بيد الأمريكان مع الأختلاف في الوقائع والأحداث والوقت والزمان والمننفذ ... بأعتقادي أن سقوط الموصل مستحيل كان يكتب له النجاح لو أن السياسيين العراقيين وأحزابهم كانت موحدة ومتكاتفة وصادقة في حب الوطن والأنتماء إليه ... وهي كانت ومـا تزال على نفس المنوال لا تهتم سوى إلى مقدار الثروة التي تستطيع نهبهـا ومقدار الأستحواذ على المناصب والمواقع المهمة وكم تستطيع السيطرة على الأرض والجغرافية وليذهب العراق كدولة إلى الجحيم هذه هي الأحزاب السياسية والكتل الحاكمة والمتنفذة في عراق اليوم .
أذهب في المدخل الثالث إلى مسألة :- أثر سقوط الموصل على المكونات العرقية والدينية الغير مسلمة والغير مسلحة وهنـا أيضـا أحاول تلخيص الموضوع بقدر الأمكان ...
1- صّدع المتصارعون على السلطة والمال والنفوذ في العراق رؤوسنـا بالتباكي والتباهي بحبهم وحمايتهم للأعراق الغير عربية والكردية أو الغير مسلمة وفي حقيقة الأمر لا يعني لأحد لون عيون تلك المكونات أو معاناتهم ... ولكنهم كانوا ومـا يزالوا يتباكون من أجل تكريس السيطرة وكسب الأصوات أو بعض المناطق الجغرافية المتنازع عليهـا بين مختلف الكتل أو الأبقاء على الحال كمـا هو الكرة بين اقدامهم فقط ... وكنتيجة ذلك الكسب ما يوردهُ من مكاسب أقتصادية تمول مكائنهم وتقوي عصاباتهم .
2- ونتيجة ذلك التسابق تقوم كل كتلة متصارعة أو حزب بتكوين أحزاب كارتونية لا يهم عددهـا أو أعضائهـا أو تكوينهـا أو هدفهـا بقدر مـا يهم الولاء لأسم تلك الكتلة او المجموعة أو الحزب وهي بالطبع تقوم بتهيئة السبل لأنجاح تلك الأحزاب الكارتونية أن كان ماديا أو أعلاميا ومعنويا في الترويج لهـا ، ولهذا نرى أن أغلب الأحزاب العائدة للمكونات الصغيرة تابعة للكتل أو للأحزاب الكبيرة ذات السلطة والمال . وبالنتيجة أني أعتبر تلك القيادات ولتلك الأحزاب الكارتونية هي ليست أكثر من مشاركة في نزيف الدم العراقي وثرواته وهي مشتركة بالخيانة .
3- تبقي جميع الأعراق القليلة العدد جماعات صغيرة متناثرة الولاءات والمصالح وتابعة لمن يدفع وبهذا تخسر المشيئتين .
4- كل تلك الأمور سوف لن تحل الأشكالية العراقية ولن تحل إلا بحقيقة واحدة يعلمهـا الجميع ولكن الجميع يرفضهـا جملة وتفصيلا بسبب أنعدام الرغبة والأيمان والثقة بينهم جميعـا وعدم وجود وضوح لديهم بأن المركب العراقي سوف يغرق لا محالة أن أستمروا بهذه العنجهية والمكابرة .
5- وبأعتقادي بأن هذه الثقافة والوعي ولدت بزمن النظام المقبور والذي حطت من القيم الأخلاقية والكرامة والفروسية العراقية المعروفة لدى القاصي والداني ، وأختلفت البنى العقلية للمواطن بشكل عام وللسياسي بالاخص ، بحيث أختار الغالبية أرخس الأختبارات وأشدهـا قباحة و ودنائة وهي الرقص على جميع الحبال وأن يتلون كالحرباء كمـا التضاريس وأن يكون أنتهازي قميئ .
6- أنني أصف مـا يجري اليوم في العراق بأغرب من الخيال ... أقسم لو جاء الشيوعيون إلى السلطة يوم غد سنرى أن أغلب الناس سيتحدثون بالماركسية والمساواة والأشتراكية وسيصبحون أفضل من فهد أو سلام عادل في تفسيراتهـا ، وسيرفع المنجل والمطرقة على كل سطح وفي كل حارة وكافة الشوارع والمحال والمعاهد وحتى المعابد . هكذا خبرتُ شعبنـا للأسف .
الشيئ الأخير الذي أود البوح به إننـا أيهـا العراقيين لا ينفعنـا ولن ينقذنـا سوى الدولة الديمقراطية المدنية الموحدة إلتي تحمي وتحفظ للجميع حقه دون النظر للون بشرته أو أسمه ولا إلى قوميته أو دينه لأنهـا دولة المواطنة دولة العدالة والمساواة أمـام القانون دولة مؤسسات وليست دولة عصابات أو مافيات بأسماء حزبية يخجل المرئ عن ذكرهـا , دولة لهـا قوات مسلحة حقيقية وجودهـا الأول والأخير الدفاع عن الوطن وحدوده ومواطنية فقط وليست دولة ميليشيات تأتمر بقرارات الفقية او الولي أو معمم لم ينهي الأبتدائية ... نحن نريد دولة ترعى الجميع بالتساوي وحينهـا سوف لن نرى احد من أبناء الشعب العراقي يطالب بالتغير أو بالأنفصال أو بحماية أو بحقوق ثقافية أو حتى بتظاهرة ، حين تتوفر للجميع حقوق وواجبات متساوية أرفض أنـا وأخوتي من العرب والكرد والإيزيديين والمندائيين والشبك والأرمن والكلدان والسريان والتركمان نرفض الأبتعاد عن بعضنـا البعض لاننا كعراقيين تربينـا سوية نشأنـا في تحت تلك السماء لفحتنـا ذات الشمس الحارقة أوتنـا تلك المدارس الجميلة أشتركنـا في تلك المأسي والأفراح عشنـا تلك الأجواء وشربنـا من أعذب مياه لنهرين عظيمين .... حين تضمن الدولة للأطفال الصحة والمدرسة والمسكن والمأكل الكريم اللائق فمن سيهاجر أو منذا الذي سيبحث عن وطن جديد أو عن كرامة ولماذا ؟
قول صريح جدا إلى جميع المؤمنين في وطني الجريح إلى جميع أصحاب الديانات والمذاهب تأكدوا لا خوف عليكم وعلى دينكم وشريعتكم و لا على أيمانكم من العلمانية او من الديمقراطية لا خوف على ثقافتكم ولا على شعائركم وأعيادكم بالدولة المدنية الديمقراطية هي التي تحميكم من عبث المستغلين أسم دينكم وهي التي تجعلكم تمارسون طقوسكم خوفـاً عليكم من الزارعين فيكم الخوف حتى الموت والجهل حتى الغباء والصمت حتى البلاهة ... وأعلموا بأن الدين أخلاق قبل أن يكون أيمان والوطن وحمايته بأعناق الجميع متدينـا كان أم كافرا شيوعيـا كان أم ملحد مسيحيـا كان أم مسلمـا مندائيا كان |أم إيزيديـا . لكم محبتي كما أحب العراق