استفتاء كردستان وحصار قطر

علاء اللامي
2017 / 6 / 8

كان على السيد مسعود البارزاني أولا أن يعالج مشكلة رئاسته غير الشرعية للإقليم قبل أن يوقع قراره بإجراء ما سماه "استفتاء استقلال كردستان" من طرف واحد و عبر سياسة فرض الأمر الواقع على بغداد واعتمادا على صفقة سرية محتملة مع حلفائه في التحالف الشيعي الملتزم الصمت بإصرار. كان عليه و على حلفائه الطالبانيين ان يوحد ويتصالح مع القوى السياسية الكردية المنقسمة حول الموضوع، والخارجة لتوها من انقسام جديد حول صفقة "روسنفت" التي عقدها البارزاني ورفضتها أربع كتل في برلمان الإقليم المعطل. ثم أن البارزاني سيجري استفتاء على استقلال الإقليم ليس بقرار من أعلى سلطة تشريعية في الإقليم هي البرلمان بل بقرار شخصي منه كرئيس منتهي الصلاحية وفاقد للشرعية منذ شهر آب 2015، و قد طالبه الجميع وفي مقدمتهم حلفاؤه الطالبانيون - على لسان النائبة ريزان الشيخ ديلر بتاريخ 11 شباط 2016 – بتقديم استقالته وإجراء انتخابات رئاسية.
كان الأجدر بالبارزاني والأنفع لجماهير الإقليم، أن يُفَعِّلَ برلمان الإقليم المعطل بعد طرد رئيسه و نواب حركة التغيير "كوران" من البرلمان ومن مدينة أربيل ذاتها، وأن يكون قرار إجراء الاستفتاء صادرا عن البرلمان في الإقليم بعد التوافق مع البرلمان العراقي الاتحادي ويصدر كقانون أو كقرار دستوري كما هي الحال في سائر الاستفتاءات في العام وليس بقرار شخصي عن رئيس منتهي الصلاحية، ما يجعل الاستفتاء حول استقلال الإقليم مجرد عبث لا طائلة تحته سوى الكسب السياسوي الانتخابي والإضرار بحق الإمة الكردية في تقرير مصيرها وتحويله إلى ورقة على طاولة القمار السياسية في الإقليم وفي ظل عدم تجاوب أو تأييد علني دولي إلا من طرف دولة عنصرية معادية لشعوب الشرق الأوسط كلها هي إسرائيل.
وأخيرا كان على البارزاني وحلفائه الطالبانيين أن يأخذوا العبرة المفيدة من الحصار السعودي على قطر والتفكير جديا بمشاريعهم السياسية قبل رمي جماهير الإقليم في ورطة كارثية جديدة. إنَّ إمارة قطر تشبه إقليم كردستان -العراق من الناحية جغراسية ( géopolitique ) تماما فهي شبه جزيرة ليس لها حدود برية إلا مع السعودية، ومياهها الإقليمية يمكن محاصرتها من قبل العدو بسهولة وفعالية خلال ساعات قليلة. هذا الواقع الجغراسي للإقليم ليس اكتشافا جديدا بل تحدث عنه جلال الطالباني شخصيا قبل سنوات قليلة حين سخر ذات مرة من مشاريع البارزاني الاستقلالية و وصفها بـ "أحلام الشعراء" لأن كردستان مطوقة برا من جميع الجهات وليس لها منفذ بحري ولا يبقى لها سوى الطيران للتواصل مع العالم إن دخلت في حالة عداء مع دول الجوار جميعا. لكن البارزاني يراهن على علاقاته الجيدة مع الرئيس التركي أردوغان وهذا رهان خاسر، فأردوغان لا يطيق قيادة الطالباني وإذا كانت علاقة الطالبانيين جيدة مع إيران فإيران لديها ألف خلاف مع البارزاني فهل سيجرؤ أردوغان أو روحاني على تأييد استقلال كردي في العراق دون أن يفكروا بالخوف من انتقال العدوى إلى دولتيهم حيث يعيش الأكراد دون أية حقوق سياسية وقومية تساوي 5% من حقوقهم في العراق بل و لا تعترف الدولتان التركية والإيرانية بوجودهم القومي رسميا فيهما؟
بالعودة إلى تجربة الحصار السعودي على قطر نسجل التالي: لم تكد تمضي 488 ساعة على بدء الحصار البحري والبري الذي فرضته السعودية على شبه جزيرة قطر حتى ظهرت أولى إشارات الاستسلام القطري و البحث عن حل تفاوضي ولولا التلويح التركي بالتدخل العسكري الذي تحول إلى أمر واقع بعد موافقة البرلمان التركي على قرار بهذا الخصوص، ولولا النجدة الإيرانية بالمواد الغذائية العاجلة عبر البحر لكان الأمير تميم قد وافق على جميع شروط الملك سلمان و غادر قطر هو و والدته بما خف وزنه وغلى ثمنه!
وأخيراً: سجل المراقبون أن قرار البارزاني إجراء الاستفتاء جاء ليشمل المناطق غير التابعة للإقليم ومنها كركوك وخانقين وسنجار وهذا يعني فتح باب الصراع من طرف البارزاني وحلفائه علنا وبقوة مع حلفائهم في التحالف الشيعي إلا إذا كانوا قد ضمنوا سكوت او موافقة هؤلاء وهذا محتمل جدا ، كما سجلوا قرارا مرافقا لقرار شخصي آخر بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الإقليم وكأن البارزاني يريد دفن البرلمان الحالي المعطل قبل أشهر من انتهاء عهدته - عهدة البرلمان -رسميا في تشرين الثاني القادم والقفز إلى الانتخابات القادمة على أجنحة الكسب الإعلامي بواسطة إجراء الاستفتاء. لماذا لم يصبر البارزاني قليلا فيجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أولا ثم يصدر قرار إجراء الاستفتاء بالتوافق مع بغداد عن البرلمان الجديد والرئاسة الجديدة في الإقليم؟ السبب هو ان البارزاني أراد أن يستثمر الاستفتاء الدعائي للكسب السياسي فيضمن فوزه وفوز حزبه وحزب حليفه الطالباني أولا ليكرس وجود برلمان ورئاسة تتقاسمهما العائلتين النافذتين البارزانية والطالبانية.

فهل سيدمر البارزاني المكتسب الكردستاني الوحيد ذا القيمة التاريخية الحقيقية المتمثل بالبرلمان التعددي ويأتي ببرلمان لا يمثل سكان الإقليم بل العائلتين النافذتين فيه والمسيطرتين على كل شيء؟ والسؤال الأخير هل سيسكت الأكراد بعد ان تذهب سكرة الاستفتاء وتأتي فكرة الواقع المر- كما يقول المثل السائر- على ما سيحل بهم وبحقوقهم الإنسانية على أيدي المتاجرين بها؟
*كاتب عراقي