هل سمعت عن ثورة التايبنج؟

السيد شبل
2017 / 6 / 6

من أكبر عمليات التجارة الدين ( بمعنى توظيف الدين ومؤسسيّته والمتحمّسين له -بصفو نيّة أو بدون- لغرض تحقيق مكاسب سياسية ومالية) في العصر الحديث كانت حملات التبشير بالمسيحية التي صاحبت الغزوات الاستعمارية الأوروبية. والحقيقة إن "مسيحية" التبشير الكاثوليكية لم يكن يربطها رابط بـ (المسيح الفلسطيني) سوى في الاسم، وهنا لا نتحدث عن الشق العقدي واللاهوتي، وإنما عن الشق الفكري والإنساني والحياتي والنضالي والاشتراكي للمسيح (كما فهمناه في أشعار مظفّر النوّاب ، وفي تأريخ هادي العلوي، وفي طاقم من المؤرخين الموضوعيين الذين تناولوا حياته).

الحملات التبشيرية، في ثمرتها، لم يكن لها غرض سوى إيجاد عناصر تابعة أيدولوجيًا ومشدودة بخيط للكنيسة "الأوروبية"، وما يتبع ذلك من قبول بالاستعمار، أو على الأقل إخماد النزعة الوطنية والإنسانية العادية الرافضة لهيمنة طرف أجنبي، من باب (وحدة الدين).

أدل شيء على أن الغرض لم يكن حتى الدين (كدين)، هو موقف الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وأمريكا وألمانيا) المناهض بشراسة لثورة "التايبنج" الصينية، في منتصف القرن التاسع عشر، والتي استمرت لنحو عقد ونصف، وقادها الثائر العظيم "هونج".

الثورة كانت على أساس وطني صريح معادي للوجود الأجنبي الأوروبي المتصاعد منذ حرب الأفيون الاستعمارية (حرب شنتها بريطانيا ثم تحالف معها الأمريكيون الشماليّون لإجبار السلطة الصينية على السماح بتجارة مخدّر الأفيون -تخيّل حجم الوقاحة!-)، وضد أباطرة أسرة تشينج التترين المغول واضطهادهم وإفقارهم وتجهيلهم لأغلبية الصينيين من قومية الهان (بالمناسبة المغول الذين أسقطوا بغداد في 1258، كان هدفهم التاريخي والدائم الصين، ولهذا، مع تهديدات أخرى من وزن أقل، تم بناء سور الصين بداية من القرن الثالث قبل الميلاد في عهد أسرة تشين "صين").

هونج قائد الثورة، أعتنق المسيحية، عن قناعة بما قرأه عن المسيح، ورأى في دعوته عدل وإنسانية وتشاركية صادفت في نفسه أشياء، ودعا إلى مجتمع آمن وعادل ولا يعرف الملكيّة الخاصة، ويتشارك فيه الناس وسائل الإنتاج (الأرض الزراعية، والمصانع..)، وتخلّص من العقلية الانغلاقية الصينية التي كانت تصوّر الصين كمركز للعالم، ودعا لأن الأمم كلها متساوية، ولا يجب أن يطغى طرف على آخر (كان يوظّف أمميته لتهذيب الأنانية القوماوية؛ وكان قومي، بالمعنى الصحّي والحرفي للكلمة، لأنه أممي بالمعنى الصحيح/اختلاق أزمة بين المفهومين هو من نتاج عقليّات تستهدف خلق الفصل)، بالإضافة لذلك سعى لـ"تصيين" المسيحية، وتلقيحها بعناصر وطنية، بحيث لا تبدو فكر برّاني (من أفضل ما كتبه ياسين الحافظ هو لوم اليسار العربي على انفصاله عن واقعه العربي واغترابيّته، هذا بالمناسبة).

ولأن، هونج، كان ما سبق، بالضبط، فلم يرضَ عنه المبشّرون: كانوا يريدونه "أمميًا" بمعنى "أوروبيًا" يقبل تكالب الأمم على أمّته وضد التحرر القومي، وكانوا يريدونه "إنسانيًا" بمعنى "رخوًا واهتيماميًا" لا مناضلًا حكيمًا (يجوع ليشبع الفقراء. كما تقول التاوية)، وكانوا يريدونه "مسيحيًا" بمعنى غيبيًا تابعًا لـ"سلطتهم وكهنوتهم"، لا مستلهمًا من "المسيح" وأفكاره وكلماته، كانوا يريدونه بالنهاية ترس في عجلة مصالح رأس المال (ومن الممكن أن يكون المبشّر، بالمناسبة، صادقًا جدًا ومخلصًا تمامًا في أن دعوته هي لوجه معبوده، ولا يرتزق من وراءها شيء، لكن ثمارها، هي ما سبق بالضبط).

عندما انطلقت ثورته على أساس دعوته الدينيّة (بعض المؤرخين يذهبون إلى أنه رأى منامًا روحيًا، أستشعر بعده أنه أخٌ أصغر للمسيح، وعليه إكمال دعوته.. والحقيقة، أنه كان وطنيًا وصاحب نزعة عاطفة على الفقراء، وساق هذا ضمن مسيحيّته -سنعود لهذه النقطة تحديدَا لأنها ستصير نقطة ضعف عنده-).. عندما انطلقت الثورة، انضم إليها أنصار الدعوة الدينيّة بكل تفاصيلها "مبجلو الإله"، بالإضافة إلى جموع وملايين من الفقراء والحرفيين والزرّاع والعبيد، دون التركيز بالبعد الديني، وقاد "هونج" الجمع، وبدأ في تحقيق مكاسب على مدى نحو 14 سنة، وكانت الإمبراطورية على وشك السقوط، و"مملكته الوطينة الاشتراكية على وشك القيام"، لولا أن جاءها المدد الأوروبي. سلّحت اوروبا "المسيحية" الجيش "الكونفوشي" -نسبة إلى كونفشيوس-، ودرّبت ضباطه، وأرسلت نخبة من عسكرييها للمشاركة في المعارك ضد هونج، ماذا؟ المسيحي، وثورته، وانتهت بهزيمته، وقيل أنه سمّ نفسه.

نقطة الضعف التي أشرنا إليها، بخصوص "مسيحيّته" التي تم عنونتها، كانتماء ديني، هي أنها تسببت في عزل بعض الشرائح، منها من هو نخبوي ومنها من هو شعبي، عن التضامن مع الدعوة، لأنها بالنهاية، وبحسب كونراد زايتس، دين معبّأ بالشرائع والتفاصيل الغيبيّة (التي يصعب على فرد لم يُلقّنها منذ ولادته، أن يقبلها ببساطة وبعقلانية، ودون إغراءات المبشرين المادية، وفي القرن الـ 19!)، كما أنه دين أجنبي (في نهاية المطاف ليس كونفوشي أو تاوي أو بوذي -والبوذية أحنبية قادمة الهند لكنها من الخميرة الشرق آسيوية-)، ويضيف زايتس، إنه لو كانت الثورة فلاحيّة تقليديّة دون عنونة دينية "أجنبية" كانت نجحت في ضم أطراف أخرى، داخل شرائح الموظفين ذاتهم من الكونفوشيين، وكانت انتصرت. لكن يبقى الأساس، إن الهزيمة جاءت بإن السلطة حشدت قواتها، وتم دعمها غربيًا بكثافة وحداثة، في المقابل استبسل الثوار بعنفوانهم وسلاحهم التقليدي إلى حد مبهر، باعتراف خصومهم، لكن طبيعي لفارق القوى أن يحصدون الهزيمة، وكان رد الفعل النهائي على كسر شوكتهم استباحة دماءهم، وقتل مئات الألوف، والبعض يذهب لملايين، منهم (ملايين من الناس العادية المناصرة للتمرّد).

ومات هونج "المسيحي" بسلاح أوروبا المسيحية..

بالمناسبة، من اللفتات، المعتبرة، هو أن هونج ورفاقه سموّا ثورتهم بالتايبنج، على اسم ثورة شعبية في التراث الصيني، سنة 184 ميلادية، ومن المهم الإشارة إلى أنه بالقرن العشرين، مجّد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ من عمل متمردي تايبينغ وقال إنها بطولات ثورية مبكرة ضد فساد نظام الإقطاع.

على الهامش: نشارك الرأي من يعتقد بأن ثورة هونج كان فيها من الثورة القرمطيّة بشرقي الجزيرة في العاشر الميلادي، لكن الأخيرة لم تكن تعنون الدين إلى تلك الدرجة، أو تكاد تفلت منه كـ"عنوان" مع استلهام كل ما هو جيّد منه (وجيّد في غيره) كممارسة.