في قبضة الدواعش (3)

سليم نصر الرقعي
2017 / 6 / 6

***************
ملخص ما فات : بينما انا مستلق في غرفتي في شفيلد في بريطانيا أحضر نفسي للنوم وجدت نفسي فجأة في طائرة متوجهة لبنغازي في إقليم برقة بليبيا وهبطت بنا في مطار غامض غريب!، وهناك القت مجموعة من الدواعش القبض عليّ وأمرهم قائدهم باحتجازي لحين تنفيذ حكم الله فيّ بعد صلاة الفجر!، واقتادني هؤلاء القوم غريبو الأطوار الى محبسي واثناء الطريق وحتى بعد اغلاق باب الحبس خلفهم ظلوا يتبادلون النكات حولي وحول من ذبحوهم من قبلي ذبح النعاج!، وظللت طوال الليل استمع لقصصهم المرعبة ونكاتهم السخيفة التي احيانا لشدة سخفها كانت تضحكني بمرارة حتى غلبني النعاس واستغرقت في النوم!، ثم استيقظت فجأة على يد شخص يهزني ويحاول ايقاظي ، اتضح لي من كلامه انه مخبول يعتقد أنه من مشركي قريش واننا نعيش في عهد ظهور دعوة النبي محمد، وكان يحاول مساعدتي للفرار ولكنه حينما سمعني اقول لا اله الا الله وعرف أنني مسلم حنق علي واعاد شد وثاقي وطلب مني أن أذكر هبل بخير! ، وحينما لذت بالصمت هم بالخروج وتركي في قبضة من يسميهم بالصابئة ولكنه في آخر لحظة تراجع عن قراره ذاك قائلا : (لا واللات والعزى!، لن تعدم المروءة بين العرب) ففك وثاقي وساعدني على الهروب من معسكر وقبضة الدواعش فاطلقت ساقي للريح لا ألوي على شيء !
***
ركضت حتى بلغت سور ذلك المعسكر الكبير وفي اللحظة التي تسورت وتسلقت فيها السور خرج ذلك الشخص النحيف القصير من تحت شجرة بسرعة وهو يقوم بمحاولة ارتداء سرواله بسرعة حيث انه كان على ما يبدو يقضي حاجته تحت تلك الشجرة في الظلام ، وحين لمحني على السور هب مسرعا محاولا احكام خيوط سرواله الأفغاني الفضفاض وهو يصيح في ارتباك منبها الآخرين بصوت عال : ( الأسير المرطرط هرب ! ، المرطرط هرب يا أبا حليمة!!) ، ثم وفي اللحظة التي قفزت فيها للجهة الاخرى من السور كان قد امتشق رشاشه واخذ يطلق الرصاص في اتجاهي حيث سمعت ازيز الرصاص المنطلق يمر فوق رأسي، وما ان وجدت نفسي على الأرض في الجهة الأخرى من السور حتى أخذت اركض بشكل جنوني بأعلى سرعتي وكل قوتي وسط الظلام الحالك في الاتجاه الذي اشار اليه (أخ العرب) !.
**
وظللت أركض حتى خارت قواي وانقطع نفسي ولم أعد أملك القدرة على الجري فسقطت على الأرض وسط الظلام وأنا الهث في اعياء شديد واردد في خوف : "يا رب سلم ! ، يا رب سلم!" و لازلت مطروحا على الأرض التقط أنفاسي حتى عم المكان هدير عدة سيارات مسرعة توقفت من حولي فجأة ثم عم المكان ضوء ساطع جدا مصوب جهتي، وشعرت بالرعب معتقدا أن الدواعش قد تمكنوا من اللحاق بي فقعدت واضعا كلتا يدي على رأسي علامة الخضوع والاستسلام كي لا يطلقوا علي النار ! ، وبعد لحظة صمت اذا بأشباح أربعة اشخاص مدججين بالسلاح يتقدمون نحوي، وحينما اصبحوا في دائرة رؤيتي اتضح أنهم ملثمون يخفون وجوههم بلثم خضراء !، فاقتربوا مني وزجرني احدهم بصوت صارم : " إياك ان تقوم بأي حركة والا الرصاصة ستكون في رأسك!" ، فلذت بالصمت والجمود التام كما لو انني مشترك في لعبة التماثيل (*) خشية ان اتعرض لرصاصهم بالفعل، وحينما وصلوا الي احاطوا بي من كل جانب وأخذوا يتفحصونني وسألني احدهم بسخرية : "هل انت من الجرذان أم الزنادقة!؟" وما أن سألني هذا السؤال حتى وقع في بالي وبشكل سريع وتلقائي أن هؤلاء الملثمين (الخضر) ليسوا سوى عناصر كتائب القذافي ولجانه الثورية!، فقلت بصوت شبه مبحوح وفي ارتباك : " لا من هؤلاء ولا هؤلاء !" ، فضحك احدهم وقال بعبارات ساخرة : " لا هؤلاء ولا هؤلاء ، يعني أنك منافق !" وضحك البقية ثم باغتني احدهم وهو يصوب بندقيته نحوي قائلا بلهجة تهديدية صارمة : " انطق!، تكلم! ، وقل الحق خير لك!، هل انت معنا أم مع الآخرين!؟"، فاحترت ولم أعرف بماذا أجيبه فلست أدري بما يعني بالآخرين!؟، ولكن أغلب الظن انهم ما داموا من أنصار القذافي حسب ما فهمت لابد أنهم يعنون ب(الآخرين) إما (الثوار) او (الدواعش) ولهذا قررت ان اجيبهم بأنني معهم وضد (الآخرين) حتى انجو بنفسي وكي أأمن شرهم، فاصطنعت الجدية في معالم وجهي ثم قلت بنبرات قوية جادة وقاطعة :"طبعا معكم وضد (الآخرين) على طول الخط !، هذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج حتى لحكة أذن!" ، وما أن أتممت نطق عبارتي حتى ضحك سائلي وقهقه بشكل ينضح بالسخرية والتهكم : " هاه هاااااي ! ، وقعت في شر اعمالك يا شاطر!! ، أيش رايك توه أننا نحن هم (الآخرين) بشحمهم ولحمهم!" ، وأسقط في يدي وقفز قلبي من شدة الذعر وحسبت انه يقصد بأنهم هم الدواعش وأنهم متنكرين في لباس كتائب القذافي! ، لكن فجأة ضج المكان بقهقهة بقية المسلحين!، ثم قال لي أحدهم بلهجة ظاهرها التودد : "قم يا رجل !، نحن فقط نمزح معك!" وتقدم نحوي وقام بمساعدتي للوقوف على قدمي ثم سألني بشكل مباغت وهو يرمقني بنظرة خاصة ثم قال لي : "من لهجتك انت شرقاوي!؟، من أين انت من الشرق؟ بنغازي أم طبرق!؟" ، قلت له : " من بنغازي والأصل من اجدابيا" ، فقال : "مرحبا ، مرحبتين، بس ان شاء الله مش برقاوي فيدرالي!!؟" وسكت ولم أجبه فعاجلني بسؤال قائلا :" ولكن ماذا تفعل في هذه المنطقة!؟" ، قلت له : " أنا ليبي مقيم في الخارج وعدت لزيارة البلد في طائرة مفروض كانت تهبط في بنغازي ولكن يبدو ان الدواعش اختطفوا الطائرة ونزلوا بها في سرت وقبضوا علي وكادوا يعدموني لولا أن الله ستر وسخر لي ابن حلال ساعدني في الهرب!" ، صاح أحدهم بلهجة لا تخلو من السخرية والاحتقار :"صار قلت لي أنك من الليبيين اللي عايشين في الخارج !؟ ، يعني حضرتك دبل شفره!، إن شاء الله بس ما تكون من الكلاب الضالة أعداء ثورة الفاتح العظيمة؟!" ، اسقط في يدي وشعرت بأن الدائرة التي ظننت أنها اتسعت بعد ذلك المزاح الثقيل المخيف قد أخذت تضيق علي من جديد !، وقررت ان أراوغ في اجابتي كي احافظ على سلامتي وقلت لهم بصوت مرتعش : " لا ، أنا ليبي عادي عايش في حالي!"، فضحك وقال بنفس اللهجة التهكمية السابقة : " ما هو كلنا ليبيين وعاديين وعايشين في حالنا !" ثم اشار بيده الى رفاقه وقال ضاحكا: " شوف هالتريس المحصحص اللي قدامك!، شنو!؟، ماهمش ليبيين عاديين والا كيف!؟" ، وما إن أتم هذه العبارة الأخيرة حتى صاح في رفاقه فجأة كما لو انه تذكر أمرا طارئا : "لحظة !، لحظة!، كذه يا (فتح الله) ! ، قرب الكشاف من وجهه!، والله هالوجه هذا مش غريب علي، أشبح وين شابحه!"، خفق قلبي فجأة عدة خفقات سريعة كما لو أنه أرنب وثب ونط بشكل مفاجئ لحظة سماع صوت بوق سيارة!.
**
وضع (فتح الله) الكشاف على وجهي وأخذ الآخر يحملق ويتفرس في ملامح سحنتي جيدا بعينين كعيني القط في الظلام ثم صاح فجأة بلهجة تنضح بالفرح والانتصار : " آآآه !، عرفتك!، والله عرفتك!!" "أنت سليم الرقعي متاع الفيسبوك !" ثم أردف ساخرا في احتقار وشماتة : " يا مرحبا يا مرحبا يا حويج هلت الانوار وشرفت الجماهيرية العظمى!"، وما إن ذكر اسمي حتى وقع قلبي بين قدمي ثم قال أحدهم بلهجة تنضح بالاحتقار والتصغير متسائلا : " ومن يكون سليم الرقيعي هذا بسلامته!؟، شنو ولى!!؟؟" ، وبدا على وجوه الآخرين أنهم لا يعرفونني ايضا بالفعل وهو ما جعلني اشعر ببعض الارتياح ولكن الشخص الذي عرفني اجابهم : " سليم الرقعي هذا كلب ضال يكتب 24 ساعة في الفيسبوك ضد القايد والجماهيرية العظمى والاشتراكية وسلطة الشعب من زمان ويروج للديموقراطية البرلمانية الرأسمالية المزيفة"!، ثم أردف : "يعني باختصار عميل للعلوج المركان والانجليز !" ثم سحب اقسام رشاشه وصوب فوهته لرأسي وسألني بحسم : " انت سليم الرقعي أم لا!؟" ، فشعرت بالخطر وأن نهايتي باتت قاب قوسين أو أدنى وحاولت أن أضللهم بإنكار اسمي الحقيقي على أمل أن أنجح في ذلك وقلت : " لا أنا اسمي بالعيد!" ، فقال آمرا صاحب الكشاف : يا " فتح الله ! ، فتش جيوب هالبني آدم خلينا نعرفوا شنو حيثيته بالزبط !" وشعرت في نفسي بارتياح لهذا القرار فكما ذكرت سابقا فقد اتضح لي حين هبطت الطائرة أنني لا احمل أية أوراق ثبوتية والحمد لله!، لكن (يا فرحة ما تمت !) فما أن بدأ (سي فتح الله) هذا عملية التفتيش حتى عثر على جواز السفر الليبي والجواز البريطاني أيضا في جيب بنطلوني الخلفي فاسقط في يدي وشعرت بالدنيا تدور من حولي مستغربا كيف أنني لم اجدهما في جيوبي من قبل حين كنت أفتش عنهما في الطائرة؟!، ثم ها هما يعودان لجيب سروالي بقدرة قادر وبشكل غريب ومريب في هذا الوقت العصيب والرهيب!!!؟، إنه شيء عجيب !!، التقف الملثم الآخر الجوازين بسرعة خاطفة بيده ثم القى عليهما نظرة سريعة متفحصة وهو يقلب صفحتيهما على ضوء الكشاف وما لبث ان صاح بصوت عال يعج ويضج بالفرح والسرور والشعور والانتصار قائلا فيما يشبه الهتاف الثوري :"الله أكبر ! ، الله أكبر ، وعاش الفاتح ابدا !" ، فنظر الآخرون بعضهم الى بعض في انفعال وترقب ثم ركزوا ابصارهم على صاحبهم في انتظار ما سيقوله عن سر هذا الهتاف السعيد!، فقال : " كما توقعت بالزبط ، هذا المخلوق هو بالفعل هو الكلب الضال الفار عميل الاستعمار سليم الرقعي!" ، فدبت في بقية المجموعة روح من السرور الثوري كما لو أنهم حرروا فلسطين (!!!) ثم سرعان ما تحول سرورهم الى حالة من الهيجان والحماس (الثورنجي) العجيب كما لو انهم قد أنهوا صلاة العيد لتوهم بعد خطبة طويلة ثقيلة مملة وراحوا يتبادلون التهاني ويتصافحون في حرارة بعد طول جلوس وملل!!، اعتراهم ما اعتراهم فاخذوا يهتفون وهم يلفون حولي بحماسة كبيرة مرددين : ( شنقا في الميدان!، ما نرحم من خان !) (شنقا في الميدان!، لن نرحم من خان!)، وأخذوا يلفون ويدورن حولي حتى تذكرت لقطة من لقطات فيلم قديم حيث يقع احد الباحثين المكتشفين الاجانب في غابة افريقية في قبضة قبيلة من آكلي لحم البشر، شدوا وثاقه واوقدوا النار على القدور الضخمة وصاروا يقرعون الطبول ويرقصون برماحهم حوله في طقوس معتادة في هكذا مناسبات استعدادا لذبحه وأكله!، لكن (طرزان) تدخل فجأة وتمكن من تحريره فنجا الرجل بأعجوبة، هكذا بدا لي المشهد! ، فمن أين لي أنا بطرزان لينقذني من حواري صقر العرب وحكيم افريقيا؟؟؟! ، وظل هؤلاء القوم يلفون ويدورون حولي وهم يهتفون بحماسة عجيبة باسم (الفاتح العظيم!؟) بينما رأسي يلف ويدور من شدة الخوف والحيرة والذهول !.
الى اللقاء في الحلقة الرابعة .......
- الحلقة الاولى : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=492221
- الحلقة الثانية : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=492408
سليم الرقعي
(*) لعبة التماثيل او الأصنام كما كنا نسميها في طفولتنا هي ان يلف الاطفال بشكل دائري على ايقاع الطبل او الموسيقى او الغناء حتى اذا توقفت الموسيقى تجمد كل منهم مكانه كالمسمار كما لو انه استحال الى تمثال!، فيحاول مدير اللعبة الذي يقف وسط الدائرة أنه يغرر به ويغريه بالحركة او حتى محاولة اضحاكه فاذا تحرك او ضحك خسر اللعبة وخرج من صف المتباريين، فتعود الموسيقى للعزف ويأخذ الاطفال يركضون بشكل دائري حتى تتوقف الموسيقى، وهكذا دواليك حتى يكون الفائز هو أكثر من التزم بالجمود التام عند توقف الموسيقى! ، وهناك لعبة اخرى تشبهها اسمها (سكوت صموت ومن يتكلم يموت) حيث نجلس في دائرة ينظر بعضنا لبعض في صمت تام ومن يضحك او يتفوه بكلمة يخرج من اللعبة حتى يفوز أكثرنا قدرة على ضبط نفسه عن الكلام والضحك!!.