أسرار المالكي غير السرية

علاء اللامي
2017 / 6 / 5

وجبة جديدة من الأسرار وشبه الأسرار و حتى "اللا أسرار" وردت في تصريحات أدلى بها السيد نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي خلال مقابلة صحافية أجرتها معه صحيفة الاخبار / اللبنانية قبل أيام قليلة . ونظرا لأهمية تلك التصريحات وخطورتها فقد آثرت التوقف عن أهمها تحليليا ونقديا. وسأوردها نصا ثم أعقب عليها :
1-قال السيد المالكي ( صارحني بعض المطّلعين في الدوائر الأميركية بوجود قرارٍ يقضي بتأجيل الانتخابات، وهنا في العراق، بدأ بعض السياسيين الحديث عن تأجيل الانتخابات، لإقصاء التيّار الإسلامي والإسلاميين والمقصود بصورة أساسية حزب الدعوة الذي يحكم في العراق.) المالكي يقوم هنا بدعاية انتخابية ، وهذا من حقه تماما حتى لو كانت مبكرة جدا ولكنها دعاية انتخابية من النوع الذي تسميه شركات العلاقات العامة "استثمار المشاكل المفبركة"، وهو هنا يستكمل جهود اللبراليين واليساريين الانتهازيين و القشريين الذين يلفون ويدورون حول صراع رئيسي مصطنع بين الإسلاميين والعلمانيين مع ان صراعا كهذا هو جزئية صغيرة جدا في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي المشغول والقائم على صراع رئيسي آخر وحقيقي بين الشعب العراقي كله و بين نظام حكم المحاصصة الطائفية الرجعي ورجاله وأحزابه اللصوصية الفاسدة.
2-وأضاف في تصريح آخر قائلا ( اتفقنا - في التحالف الوطني - على أن نخوض الانتخابات بقوائم منفردة، أي كتلة المواطن "المجلس الأعلى وملحقاته"، ودولة القانون "حزب الدعوة وملحقاته" ومن يريد أن يخوض المعركة بقائمة منفردة، فنصبح بذلك 3 أو 4 قوائم. ومن ثمّ نكتب كتاباً بيننا مفاده: نحن الموقعين أدناه، نشكّل كتلةً واحدةً في نتائجها، وهي الكتلة الكبيرة التي سيكون منها رئيس الوزراء، ثم نتفاهم لاحقاً من هو رئيس الوزراء). لا جديد هنا فقد طبقت هذه الخطة في الانتخابات السابقة سوى أنهم فعلوها سابقا اضطرارا حين فشلوا في الحصول على صفة القائمة الانتخابية الأكثر مقاعد فالتفوا على الأمر بدعم من المحكمة الاتحادية التي أجازت لهم اختطاف الاسم من قائمة علاوي فتجمعوا في "كتلة أكبر" من عدة قوائم بدلا من "القائمة الفائزة الأكبر" كما يقول الدستور.
3- وأعلن (ليس لدي رغبةٌ في العودة إلى أيّ سلطةٍ تنفيذية، لكنني سأبقى في السلطة السياسية. مشروعي الذي أعمل عليه هو تحقيق مبدأ الأغلبية السياسية أي أكبر كتلة برلمانية، تحكم. فإذا تحقّق ذلك فإنني اعتبر نفسي موجوداً، وأنا بالحكم، وشريكاً أيضاً.). هذه نقلة من استراتيجية " أكبر كتلة تهيمن على حكم يشارك فيه جميع ممثلي الطوائف" إلى استراتيجية أخرى هي "أكبر كتلة تحكم وأصغر كتلة تعارض". هنا يعترف المالكي بشكل غير مباشر بأنه مرفوض كمرشح لرئاسة الوزراء من قبل أطراف كثيرة إلا إذا فازت كتلته "دولة القانون" بأكثرية المقاعد وهذا شبه مستحيل في نظام انتخابي ودستوري قائم على المحاصصة المكوناتية حيث كل مكون طائفي أو عرقي له حصته المستقلة من البرلمان...
4-وكشف المالكي عن معلومة مهمة قال فيها ( استولى مسعود البرزاني، منذ بدء عمليات استعادة الموصل، على 12 وحدة إدارية في الموصل، من أقضية ونواحٍ، وسط صمتٍ حكومي). وكم عدد الوحدات الإدارية التي استولى عليها البارزاني خلال رئاستك للحكومة طوال ثماني سنوات؟ ومن سهَّل للطالباني السيطرة على كركوك، واستمر بإقرار ومنح نسبة 17% من الموازنة العراقية للإقليم؟
5-وعن توقعاته السياسية مستقبلا قال إن ( الضربة القادمة ستستهدف التيار الإسلامي، ومن ضمنه الحشد الشعبي، لكن الضربة الأولى ستوجه الى حزب الدعوة والحشد، وبقية الإسلاميين سيأتون لاحقاً. فالدعوة والحشد هما أبرز كيانين مستهدفين، وهذا شعار رُفع في مؤتمر أنقرة، حيث دعوا إلى اطاحة المالكي، والحشد، وإيران. أما لماذا الحشد؟ فلأنه محسوبٌ عليّ، وأنا من أسّسه، وأنا أدافع عنه وأتبنّاه، ولديّ اعتقاد بضرورة وجوده، والإبقاء على كيانه) مرة أخرى يحاول المالكي أن يجعل التحالف الشيعي "التحالف الوطني" المهيمن على الحكم هو الطرف المستهدَف، وهو يضيف إليه الحشد الشعبي الذي قيل بأنه كيان أو فصائل من المدنيين المسلحين لا يمثل حزبا أو ائتلافا معينا في غالبيته، دون أن يحدد - المالكي - الطرف الذي سيستهدفه؟ ولكن دعونا نرجح: هل هو واشنطن؟ ولكن واشنطن هي التي أوصلت هذا التحالف الى الحكم قبل الانتخابات وأسس لنظام حكم طائفي لا يمكن أن يخترقه تحالف وطني وديموقراطي من خارج اللعبة! هل هي تركيا وحلفاؤها العراقيون " من العرب السنة"؟ ولكن هؤلاء شركاء في الحكم وبعضهم - سليم الجبوري و كتلته مثلا- هم من حلفاء المالكي المحتملين في الانتخابات القادمة والجبوري نفسه هو الشخصية الأولى في مؤتمر اسطنبول! أما اعتبار المالكي للحشد الشعبي ضمن الكيان السياسي الإسلامي الشيعي فهو محاولة لأسْلَمة الحشد الشعبي وإخراجه من طابعه الجماهيري التطوعي العام قبل دخول الفصائل القديمة الموالية لإيران على خطه، ويبدو ان المالكي يريد أن يحول الحشد وخصوصا الفصائل غير المناوئة له إلى ملحق فصائلي مسلح تابع للتحالف الشيعي وهذا منزلق خطير سيستدعي بالضرورة ردود أفعال من داخل وخارج الحشد الشعبي ما يؤذن باندلاع صراعات مسلحة لا نهاية لها وسيتحمل المالكي وسواه المسؤولية الكاملة عنها إن وقعت.
6- وعبر المالكي عن اعتقاده بأن ( سياسة مسعود البارزاني الداخلية تتسم بالعنف، والتفرد، وتفتقر إلى أي غطاء شرعي. يحكم كردستان على طريقة شيوخ العشائر الكردية سابقاً، والآغاوات. هو يعتمد على إسرائيل، في كل سياساته وفي كل مخططاته. هو يقول إذا رجع المالكي سأنفصل، لأنه يدرك أنني لن أسمح له بهذا التمدد. أنا سابقاً قلت له إذا أردت أن تنفصل فلديك الخط الأزرق ــ عندما بدأت الحرب، واذهب وانفصل ضمنه. هو يعرف أنه إذا انفصل ستأكله تركيا. وهو يقول أيضاً إنني لن أنفصل دون أن أضم منصورية الجبل، والموصل، وغيرها... لقد وقفت في وجهه بشدّة).
يطول حساب المالكي مع مسعود البارزاني، و لكن لنسجل الآتي : فأولا ، المالكي يعترف بأنه موافق على أن ينفصل مسعود البارزاني ويقيم دولته ضمن الخط الأزرق أي حدود ما قبل الاحتلال 9 نيسان - سنة 2003 وهذا لم يعد ممكنا لأن البارزاني والطالباني سيطرا على ما يعادل نصف المناطق داخل الخط الأزرق. و ثانيا يهمل المالكي حقيقة أن الطالباني يشارك البارزاني هذه الاستراتيجية الانفصالية تماما وبالمليمتر. بل أن الطالبانيين أكثر تطرفاً في محاولتهم سلخ كركوك عن العراق و إجراء الاستفتاء فيها وفي الإقليم. وثالثا، فإن علاقات الزعامات والأحزاب الكردية مع إسرائيل قديمة ولا تقتصر على حزب البارزاني وعائلته، بل أن قيادات حزب الطالباني أكثر تورطا في هذه العلاقات من البارزاني وأقدم - ونحن نسجل وقائع هنا ولا ندافع عن أحد - ومعروف أن الطالباني شخصيا وخلال عهدته الرئاسية ذاتها، و زوجته هيرو ظهرا في مؤتمرات دولية رسمية وهما يلتقيان برؤساء و وزراء إسرائيليين ويلتقطان الصور معهم. هل نسي المالكي تصريحاته ذات يوم، حين كان رئيسا للوزراء حين اتهم البيشمركة الكردية في كركوك بأنها تهين العسكريين العراقيين من الجيش الحكومي وتضربهم وتطردهم وتمنعهم من دخول أسواق كركوك لغرض التبضع؟ أليست البيشمركة التي كان يقصدها المالكي هي تلك التابعة لحزب حليفه المحتمل اليوم الطالباني؟
7- في نهاية المقابلة مع المالكي نقرأ الخبر التالي ( الأحزاب والفصائل المشاركة في "هيئة الحشد الشعبي" تستعد للمشاركة في السباق الانتخابي. و وفق عددٍ من القيادات، فإنهم سيخوضون الانتخابات ضمن لائحة واحدة، قد تتحالف مع ائتلاف "دولة القانون"، وهو أمرٌ لا ينفيه المالكي. ولكنه يُعرب عن خشيته من محاولات «ضرب الحشد»، ما يدفعه إلى تأجيل الحديث عن طبيعة أيّ تحالف. وفيما لم تحقق فصائل "الحشد" انسجاماً كاملاً في ما بينها، فالمالكي ينصح "بأن يخوضوا الانتخابات بقائمة واحدة، ولكن ليس باسم الحشد، بل في قائمة مدنية، لأن الدستور يمنع الفصائل المسلحة من خوض الانتخابات"...كل هذا الخبر والتخريجة التي تنتهي باقتراح المالكي للالتفاف على الدستور ، دستورهم، يعني أن المالكي لم يعد يثق بانتصار انتخابي يحصده ائتلافه "دولة القانون" وهو يحاول الآن أن يعبر على جسر الحشد الشعبي بعد تحويله الى فصائل مدنية متحالفة مع " دولة القانون" ولكن عن أي فصائل في الحشد يتحدث المالكي ؟ إنه يقول ( بلغ عدد الفصائل الصغيرة حوالى 180 فصيلاً، تدّعي أنها على علاقة بالحشد، إلا أن الأمر ليس كذلك... فهؤلاء هدفهم تشويه صورة الحشد. ويرى المالكي أن العمود الفقري لـ "الحشد" يتكوّن من "منظمة بدر"، و"عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، و"سرايا سيد الشهداء"، و"سرايا الخراساني"، و"قوات الشهيد الصدر).
واضح جدا أن لدى المالكي و عدد من حلفائه من قادة حشديين خطة معينة يطبقونها خلال الانتخابات التشريعية القادمة وهو قال بعض ملامحها ولكنه لا يريد أن يكشفها كلها وبشكل حاسم ( لخشيته من محاولات «ضرب الحشد»، ما يدفعه إلى تأجيل الحديث عن طبيعة أيّ تحالف ). بمعنى أن الخطة التحالفية الانتخابية موجودة، ولكن الوقت لم يحن بعد لكشفها لكي لا يضرب القائمون عليها ولكن مَن سيضربهم؟ هل هي جهات من داخل الحشد؟ أم من داخل النظام ؟ أم من خارج الحشد والنظام والعراق؟
كما يمكن الاستدلال من كلام المالكي أيضا على أن هناك نصيحة أو خطة أخرى بديلة في حالة حدوث خلافات وعدم انسجام بين فصائل الحشد يتم خوض الانتخابات من قبل الفصائل الحشدية الحليفة للمالكي في قائمة واحدة ( ولكن ليس باسم الحشد، بل في قائمة مدنية، لأن الدستور يمنع الفصائل المسلحة من خوض الانتخابات...) و معروف أن النتائج وكتلة الأصوات التي ستربحها هذه القائمة المدنية الحشدية ستصب في مصلحة ائتلاف المالكي.
إنَّ المخاوف التي يثيرها كلام المالكي في هذا الصدد كثيرة، سواء كان الكلام الذي قاله أو الذي لم يقله بل لمح إليه تلميحا أو كتمه الآن فلم يقله ولم يلمح إليه، غير أن الرهان الحقيقي سيبقى قائما على إرادة و وعي المتطوعين الحشديين الرافضين لتسييس تضحياتهم ودمائهم من أجل العراق والدفاع عن شعبه، وتجييرها لمصلحة هذا الزعيم أو ذاك الحزب السياسي داخل منظومة الحكم المحاصصاتي الطائفي والعرقي. و يقينا فإن معركتهم ومعهم كل العراقيين الديموقراطيين والوطنيين ستكون كبيرة وقاسية لصون تلك التضحيات و ضمان الانتصار الوشيك على الخطر التكفيري الداعشي، وتفادي زج الحشد في معارك أخرى لم يفكروا أو يطمحوا للدخول فيها يوم هرعوا لحمل السلاح والأمل بالنصر، ومع السلاح حملوا أرواحهم ودماءهم على راحات أيديهم دفاعا عن بلادهم وشعبهم وليس دفاعا عن فلان وعلّان ممن تسببوا بكل هذه الويلات والمصائب للعراق والعراقيين.
*كاتب عراقي

*رابط يحيل إلى المقابلة كاملةً مع المالكي:
http://www.al-akhbar.com/node/277937