يمر الظلام علينا من هنا ...

محمد علي العامري
2017 / 6 / 4


الحملة الإيمانية التي أطلق العمل بها المجرم الغبي صدام حسين ، اعتباراً من عام 1993، لاتباع أجندة إسلامية أكثر محافظة اجتماعياً وعلنياً. وشملت الحملة مجموعة متنوعة من السياسات، بما في ذلك زيادة في منح الحريات للجماعات الإسلامية، زيادة الموارد التي وضعت في البرامج الدينية، زيادة استخدام العقوبات الإسلامية، وتركيز أعم بشكل كبير على الإسلام وخاصة الإسلام السياسي في جميع قطاعات الحياة العراقية. وجرت الحملة تحت إشراف المجرم الثاني عزة الدوري .
وقد إنظم معظم الضباط الذي رفعوا رايات الحملة الإيمانية زمن الطاغية صدام حسين الى قيادة داعش اليوم ، وهم من يدير المعارك ضد القوات المسلحة العراقية في الأنبار والموصل وصلاح الدين . والأغرب من ذلك أن رئيس الوقف السني في الحكومة العراقية الحالية هو عبداللطيف الهميم الذي كلفه المجرم عزت الدوري بقيادة الحملة الإيمانية يوم ذاك ، وكان من أشد المدافعين عن نظام البعث السابق ، وكانت جل خطبه تمجد بصدام حسين ونظامه .
هذه الحملة الإيمانية مازالت سارية المفعول ومعمول بها منذ عام 1993 ولحد يومنا هذا ، حيث تلاقفتها الأحزاب الإسلامية السنية منها والشيعية لما لها من صدى وتخدير وسطوة وسيطرة على المجتمع ، فالتمسك بهذه اللعبة الخطرة وتطبيقها سيكون البديل عن الهراوات والمشانق . وها نحن نراها اليوم ونعيشها بفضل فقهاء الدين الذين كرسوا كل عصارة أفكارهم وعبقريتهم من أجلها لديمومة مصالحهم ومصالح أسيادهم وأولياء نعمتهم .
لقد دأب غالبية الفقهاء على ترك الطغاة والمترفين والفاسدين يفعلون ما يشاؤون . ويصبون جل إهتمامهم على الفقراء من الناس " فيبحثون عن زلاتهم وينغصون عليهم عيشهم وينذرونهم بالويل والثبور في الدنيا والآخرة ". فمنطق هؤلاء الفقهاء هو منطق المترفين والظلمة والفاسدين ، وبهذه الطريقة يستريح هؤلاء الطغاة والفاسدون ، وهم يشعرون بأن مسؤولية تلك المظالم والفساد التي يقومون بها قد أزيحت عن كواهلهم ، كما وضحها الدكتور علي الوردي في كتابه القيم وعاظ السلاطين ، ونجح الفقهاء بوضعها على كاهل ذلك البائس المسكين الذي يركض وراء لقمة العيش صباح مساء ثم يلاحقونه بعد ذلك بعقاب الله الذي لا مرد له . وعلى هذا المنوال من التفكير الخبيث المتناغم بين الواعظ الفقيه والفاسد المتلبس بلباس الدين والمتباهي بالورع والتدين المفتعل والمصطنع . ومن كثرة المواعظ والخطب الرنانة والطنانة التي تلاحق هذا الإنسان البسيط المظلوم ، والضغوطات اليومية عليه دون إعطاء متنفس له ، " سيجد نفسه متلبساً بالذنوب ولا يستطيع الخلاص منها ، وتركبه الخشية من عقاب الله وملائكته وأنبيائه " ومن غضب الحاكم المتدين الوقور الفاسد بأمر الله .
لقد أبتلينا وخاصة نحن العراقيون بجيش من الوعاظ الخطباء الخبثاء الذين لا يجيدون إلاّ إعلان الويل والثبور على ألإنسان البسيط عما يتخيلون ويرسمون من مُثل عليا ، وهم أشد الناس عداءاً لهذه المُثل والأخلاق وأكثرهم بعداً عنها . " وإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بخطبهم هذه إنهالوا عليهم بوابل من الغضب الإلهي وصبوا على رؤوسهم الويل والثبور" ، ومن الطبيعي أن الشياطين موجودة دائماً تحت إمرتهم متى ما أرادوا وأن يوزعوها بين الناس البسطاء والفقراء والمسحوقين ليكون الشيطان سبب إبتعادهم عن سماع خطبهم ومواعظهم . لقد إعتادت آذاننا صباحاً مساءً على سماع فقهائنا وهم ينصحون الناس " بأن لا يشتكوا من ظالم ، لأن الظلم حل بالناس من جراء ما عملت أيديهم ، وذهبت البركة منهم لسوء نياتهم ، والناس على نياتهم يرزقون " وويل لكم أيها الفقراء والمساكين والمعدمين فالله لكم بالمرصاد إذا لم تعترفوا بأنكم سبب كل المآسي والويلات والكوارث ، فغضب الله فقط عليكم وجهنم شيدت لكم وليس لغيركم . هكذا نجحوا بغرس هذه السخافات في عقول الناس البسطاء المساكين وحاصروهم بهذه الكماشة المرعبة من اللاهوت والمقدس والعقاب الأليم .
وهل سمعتم يوماً بأن هذا الواعظ الفقيه أخذ منبره أمام عرش السلطان ليسمعه خطبته وينذره بعقاب السماوات إذا لم يعدل في حكمه أو يترك عرشه ويوعده بالويل والثبور كما يوعد البسطاء والمساكين .
لقد صنع لنا فقهاء الدين نمط من المجتمع غريب الأطوار ذو سلوك فوق متناول البشر ، ناس تركض وراء أوهام دون جدوى ، يلهثون وراء سراب ولا غير السراب وهم يعلمون أن لا شئ أمامهم ولكنهم ما زالوا يركضون . صنعوا لنا مجتمعاً تتحكم به الإزدواجية كما الحكام الطغاة عندنا ، تراهم سُجّداً رُكّعا يعبدون الله وينهبون عباد الله في آن واحد .
قال جبران خليل جبران :
ويلٌ لأمة سائسها ثعلب ، وفيلسوفها مشعوذ ، وفقيهها شيطان
المصادر :
وعاظ السلاطين - د. علي الوردي
مهزلة العقل البشري – د. علي الوردي

محمد علي العامري