بين الرغبة والرهبة

مشعل يسار
2017 / 6 / 4

يعتقد الرئيس الامريكي دونالد ترامب أن احتمال نشوب نزاع مسلح كبير في شبه الجزيرة الكورية أمر وارد جدا. ولذا تأخذ واشنطن هذا "الاحتمال" على محمل الجد، وتدرس بالتفصيل فكرة توجيه ضربة وقائية ضد كوريا الشمالية، وهو ما من أجله أرسلت إلى بحر شرق الصين سرباً من السفن وعلى رأسها حاملة طائرات نووية وأجرت مناورات عسكرية استفزازية عند حدود جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، ونشرت منظومة صواريخ مضادة للطائرات بالقرب من سيوول. وتجري جنبا إلى جنب مع قوات كوريا الجنوبية السائرة في فلكها تدريبات خاصة على كيفية "غزو بيونغ يانغ" - عاصمة كوريا الشمالية، وأعدت العدة لهجمات إرهابية (فاشلة حتى اللحظة) للقضاء على زعماء جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. باختصار، يحدث ما سبق أن حدث مدى عقود حول كوريا الاشتراكية – ألا وهو تسعير التوتر في شبه الجزيرة بفضل جهود السلطات الأمريكية الدؤوبة.

قد يسأل سائل: ما سبب هذه النزعة العدوانية يا ترى في سياسة البيت الأبيض "الكورية". ونقول: يضيرها أن ترى كوريا الشمالية لا تزال، على الرغم من كل محاولات خنقها، دولة تسير على النهج الاشتراكي. هذا الأمر "يعقر" في مكان ما رعاة تطبيق النظام الرأسمالي "الحر" على كل أرجاء المعمورة ويقض مضجعهم باستمرار، فيجهدون ويجهدون لتفجير ثورة برجوازية مضادة من الداخل، كما فعلوا مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية في أوروبا. ويزيد في نقمة المتجبرين أن تكون كوريا الشمالية عصية عليهم رغم صغر حجمها، وظنهم أن من السهل بمكان شن "حرب مظفرة صغيرة". غير أن "العين بصيرة واليد قصيرة" على ما يبدو.

الذريعة التي تسوقها الامبريالية الامريكية وحلفاؤها للتهويل بالسلاح والمناداة بالويل والثبور وعظائم الأمور مجدداً عند حدود كوريا الشمالية، هي أن كوريا هذه أجرت اختبارات على صواريخ قتالية. أي على ما لا يزال يحمي حرية واستقلال هذا البلد، ويحمي بالتالي السلام في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما لا يرضي ليس فقط البرجوازيين الفاقعين، بل حتى بعض من يدعون اليسار والشيوعية بحجة أنه عسكرة تضر بالبروليتاريا وتقلص حجمها، فيما التنمية الرأسمالية في كوريا الجنوبية تزيد من حجم هذه البروليتاريا وتمهد بذلك للثورة الاشتراكية. كما أن بين الذرائع أن لدى كوريا الاشتراكية أسلحة نووية، ولديها صواريخ متوسطة المدى، وهي في طريقها إلى إنشاء صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أراضي الولايات المتحدة. وهي تحذر واشنطن وغيرها من "الصقور" من أنها سوف "تطور التدابير الرامية إلى تعزيز الردع النووي"، ومن أن لديها وسائل حماية من المعتدي، وهذا هو بيت القصيد! فلن يتمكن هذا المعتدي منها مثلما تمكن من العراق ويوغسلافيا وليبيا. ولن يفلت من العقاب من قد تسول له نفسه أن يوجه ضربة استباقية ضد هذا البلد، ولن تكون أية حرب تشن عليه نزهة عابرة.

ولذلك، تركض الولايات المتحدة وتبّعها منذ سنوات حول جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية مثل القط حول موقد ساخن. فهي تريد أن تقفز إليه، ولكنها تخشى على قوائمها من الاحتراق بسخونته. ولم تكن استثناء آخر جولة من جولات تصعيد التوتر. وها هي الإدارة الأمريكية تعود لتخفف من غلواء عنترياتها، وها هو رئيس كوريا الجنوبية الجديد يتحدث عن "إعادة تأهيل العلاقات" مع كوريا الشمالية.

جماعة الدعاية البرجوازية يزعمون في ما يخص الشؤون الكورية أن "التباين واضح في تطور كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وأنه يضع حداً لأي تساؤل حول ما الذي هو أكثر فعالية، الاشتراكية أم الرأسمالية". بالنسبة للتباين - ويلمح هؤلاء السادة إلى الصعوبات الاقتصادية التي يمر بها هذا البلد الاشتراكي بسبب الحصار المفروض عليه من قبل الرأسماليين، وإلى الازدهار الاقتصادي لكوريا الجنوبية المحشوة حشواً بالرساميل بالمقابل، نقول لهم ما يلي: إن وضع نقطة على السطر في صراع النظامين باكر جداً، أيها السادة. بينما يضع مثال كوريا الشمالية فعلاً نقطة على السطر في النزاع حول ما هو أفضل - النضال من أجل انتصار العمل على رأس المال، أو الذهاب طائعين صاغرين نحو الاستسلام لسلطة رأس المال بانتظار السعادة تأتيهم من خراطيمه. ذلك أن هذا المثال يدل على إصرار الشعب على القتال ضد العدوان الإمبريالي حماية لخياره الاشتراكي وعلى هلع الإمبرياليين من مثل هذا الإصرار.
وللذين يدينون تسلح كوريا الشمالية من اليساريين العرب ويتشدقون بأنهم مع الديمقراطية وتداول السلطة وضد توارثها نقول: إن من واجب الاشتراكية عندما يتهددها خطر قاتل أن تجند كل القدرات للدفاع عن نفسها، وإلا فهي خائنة لخيارها ولا تستحق الحياة. وهذا ما فعله بالذات الرفيق ستالين عندما تهدد خطر قاتل الاتحاد السوفياتي في أربعينيات القرن الماضي. أما عن ورثة السلطة في كوريا الديمقراطية فإنهم يرثون معها التقاليد الثورية الاشتراكية، تقاليد الدفاع عن الشعب والوطن الاشتراكي، تقاليد الوقوف ببطولة وإباء في وجه الطامعين الذين يهددون استقلال كوريا الاشتراكية وحريتها، بينما حكامنا العرب، رغم أموالهم الطائلة المتراكمة من البترودولارات "تصطكّ ركبهم" عند أول تهديد إمبريالي لشعوبنا فيخنعون ويسيرون في ركاب المشاريع الاستعمارية كمشروع "الشرق الأوسط الكبير" ويمولون الإرهاب والعدوان ضد شعوبنا ويغدقون على القائمين بالعدوان "الهدايا" بالمليارات. هذا اليسار المتأمرك سيبقى معزولا ولن يوفق إلى جعل المواطن العربي لا يميز بين الغث والسمين، بين الطاغية حقا والمدافع حقا عن الكرامة العربية والمستقبل العربي المهدد.