الإعلام وخداع الألفاظ

سامح عسكر
2017 / 6 / 4

ظهر مصطلح الوهابية في القرن الثامن عشر الميلادي لوصف حركة الشيخ.."محمد عبدالوهاب"..في نجد الهادفة لإعادة تطبيق الشريعة الإسلامية على نحو ما كان يؤمن به السلف الأول في صدر الإسلام، وهو وصف أطلق من قبل خصوم الحركة كالعثمانيين والصوفيين والشيعة، ثم راج وانتشر حتى أصبح ملازما للحركة وتجلياتها التي ظهرت بعد ذلك في القرن العشرين بمسمى (السلفية)

لكن استخدام المصطلح كان بمدلول في هذا الوقت يختلف عن ما نحن عليه الآن من شيوع للفظ آخر مرادف له وهو (السلفية) رغم مصطلح الوهابية مشهور جدا ومتداول في آسيا وأوروبا لتسمية مذهب السعودية الديني..لكن هنا في مصر لا نستعمل وهابية بل (سلفية) لأسباب متعلقة بالغزو الوهابي في النصف الثاني من القرن العشرين..وهو غزو اعتمد على ثلاثية القوة الشهيرة (الإعلام – المال – الدين) وكل هذه القوى امتلكها آل سعود فنجحوا في تسويق مذهبهم بين عموم الشعب..

المدلول مهم جدا لإيقاظ وعي الناس بخطورة هذا المذهب على الدول والأفراد، فالسلفية في وعي المصريين تعني العودة للسلف الأول المتصل بالنبوة، وبالتالي معنى السلفية في أذهان المصريين يعني النبوة ، فمحمد حسان أو الحويني أو الزغبي عندما ينطقون فليس من فراغ هذا نطق إلهي وحديث باسم السماء ، رغم أن أفكارهم عدوانية وفظيعة لكن تسميتهم أعطت لهم قبولا شعبيا

أما الوهابية هذا مصطلح حاد يعني فرقة من الفرق على غرار الإخوان أو الخوارج أو الحشاشين..مدلول هذا المصطلح قبيح في الذهن المصري، وتداوله مهم جدا لسحب الثقة العلمية من شيوخهم، فلو علم المصري أن من يسميهم سلفية هم في الأصل فرقة من الفرق لها مذهب صفاته كذا وكذا سيقل حماسه لهم، ويتعامل معهم بندية..وهو المطلوب.

لكن المصريين في معظمهم لا يعرفون وهابية، فمن كثرة تداول السلفية جهلوا مرادفها ، حدث هذا بفضل وسائل الإعلام السعودية العاملة بمصر ومنها قنوات الوهابيين كالرحمة والحافظ والناس وصفا ووصال وغيرها..لكن احنا بنقول عليها سلفية أحيانا في سياق النقد لمخاطبة جمهور لا زال يعتقد أن السلفية تعني النبوة..

الإنسان الأوروبي والأسيوي غير راغب في السفر لدول الخليج أصلا بسب مناخها الصحراوي الجاف ودرجة حرارتها المرتفعة وقلة المناظر الطبيعية وانعدام وسائل الترفيه، كل المسافرين هناك عمال أسيويين أو مصريين فقط، يعني مفيش انفتاح عالمي على السعودية ولا تداول ثقافي.. لذلك هي منبوذة على مستوى الشعوب ورؤيتهم لها تظهر أحيانا في خطابات الزعماء، مجرد دولة مستبدة ومتخلفة ترعى الإرهاب، وفي تناول الإعلام الشعبي والفنون واضحة جدا خصوصا في هوليود، لكن طبيعة الدول الآن استهلاكية فتضطر للتعامل الدبلوماسي معها فقط من أجل المال، والرئيس الأمريكي ترامب هو انعكاس لشعور دولي مخزون تجاه هذه الدول فلم يخش التصريح لأنه متأكد من قبوله شعبيا..

المعلومة بشكل عام محجوبة عن المواطن السعودي، فوزارة الإعلام هناك تحجب أي مواقع وقنوات تشكل خطورة على المعتقد الوهابي السلفي، أو تطعن في التراث السني (مرجعيتهم الأعلى) وتضطر أحيانا لتمويل قنوات موجهة بلغات أجنبية كالروسية والفارسية والأردية لنشر مذهبهم الإرهابي شرقا، والشيخ العامل بهذه القنوات غالبا محاسبته تكون مختلفة فيما لو كانت قناته موجهة للعرب، فالأولوية للأجانب خصوصا فيما يعرف بالهضبة الإيرانية وما ورائها يعني بلاد خراسان وآسيا الوسطى والقوقاز..

في المقابل عملت إيران على مواجهة ذلك بعد استشعار خطر أمريكا في أفغانستان، فأسست قناة العالم الناطقة بالعربية ونسختها الإنجليزية press tv بعد سقوط كابول بعامين يعني عام 2003 بهدف تصدير الخطاب الإيراني لدول الجوار والتواصل مع العرب، وقد نجحت القناة نجاحا باهرا في بداياتها واستطاعت الوصول لقلب الشرق الأوسط ، وصدرت صورة إيرانية في منتهى القوة والتماسك أفادتهم بعد ذلك في غزو العراق، ولأن أمريكا والسعودية متربصين فاحتكوا بالصورة التي صدرتها إيران بقنواتها وهُزِموا نفسيا قبل ابتلاع الغول الإيراني الذي كان سقوطه وقتها ربما كان أيسر من الآن بكثير..

أما اليوم فوصلت إيران لقوة الإعلام الوهابي السعودي بل فاقته قوة بتأسيس مئات القنوات الموجهة داخليا وخارجيا بلغات أجنبية، ومن ذلك قنوات باللغة البشتونية والإنجليزية والفرنسية والملايو ..وغيرها، ومعظم هذه القنوات على أقمار عالمية كإكسبريس الروسي وأتلانتيك ويوتيلسات الفرنسيين وهوت بيرد وأسترا الأوروبيين وهيسبا الأسباني وتركسات التركي وغيرهم، أي توجد إمبراطورية إعلامية إيرانية حول العالم وهذا ربما يفسر حجم شيوع لفظ (وهابية) إشارة لمذهب السعودية الديني في تلك الدول..

لكن تبقى هذه الإمبراطورية الإعلامية لإيران معطلة ومعزولة عن هوى الشارع العربي بسبب حظر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت عند شعوب الشرق الأوسط تعرف (بالإعلام البديل) يعني لو رفعت إيران الحظر على تويتر ربما تساهم في تحسين صورتها المشوهة الآن عربيا، لكنهم يكتفون بالفضائيات ولا يدركون أن ثقة المواطن العربي في الأخبار الفضائية انخفضت كثيرا بسبب كوارث الربيع العربي..

أعلم حجم صدمة البعض من تلك المعلومات لكن الباحث عادة لا يهتم بمحتوى المعلومة ولكن كيف يحصل عليها، ودراسة المحتوى لديه مرحلة ثانوية ترتبط بأعمال التحليل والرؤية.

ولا يعني ذلك أن السعودية شيطان..بل هناك أشياء جيدة، فوسائل الأمن ممتازة والتقاليد القبلية رائعة والشعب كريم، لكن هذا لا يكفي لأن التقاليد القبلية الرائعة هذه تخفي ورائها تميزا عنصريا بسبب القبيلة أيضا، فتجد المناصب كلها لآل سعود وأقاربهم، والأمن الذي يتمتع به السعودي انعكس سلبا على جيرانه فعمل على توتير أجواء المنطقة والتدخل في شئون الدول ونشر قيم الكراهية والتعصب، ربما كان هذا السلوك يعكس حالة الفراغ للمجتمع السعودي الذي يشعر جيدا بأنه منبوذ فتبادل نفس الشعور مع جيرانه..