هل من صحوة للعرب ؟ (1)

فتحي علي رشيد
2017 / 6 / 2

من يتابع ما شهدته وتشهده الساحة العربية من أحداث جسام ,منذ عام 2011وحتى اليوم ,لايستطيع إلا أن يصاب بالدهشة والحزن والألم .بل وأكثر .خاصة على ردة فعل الشعوب العربية ,إزاء مافعلته وتفعله بهم أنظمتهم .ولايستطيع في مثل هذه الحالة إلا أن يتذكر ما قاله الشاعر اللبناني ابراهيم اليازجي قبل أكثر من مئة وعشرين عاما :
حينما دعى أمته للتنبه واليقظة منشدا : "هبوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب " .وأن يتسائل : هل وجه اليازجي كلامه لعرب القرن التاسع عشر أم لعرب اليوم ؟ أم أن عرب اليوم ماتزال تعيش في القرن التاسع عشر ,إن لم نقل أسوأ ؟ فهانحن كما كنا ينطبق علينا قول الشاعر
كم تُظلمون ولستم تَشتكون وكم ــــ تُستغضبون فلايبدو لكم غَضبُ
الظلم يهون حتى صار عندكم طبعا ــــــوبعض طباع المرء مُكتسبُ
وفارقتكم لطول الذُل نخوتكم ــــــ فليس يؤلمكم خسف ولاعَطبُ .
وعندما أشار محمد عابد الجابري في كتابه بنية العقل العربي .إلى صفة الجمود هب مفكروا اليسار العربي منددين ومفندين واصفين إياه بمعاداة العرب انطلاقا من رؤية غربية .ومن يومها سكت الجابري وأسكت كل منتقد للعقل أو للإنسان العربي, ولم يعد أحدا يجرؤ على توجيه أي نقد للعرب أو للشعوب أولعقليتهم , ونمنا على مانحن فيه من عطوب حتى صحونا اليوم على حقائق أشار إليها اليازجي والجابري وبلقزيز , حقائق تفقئ العين .السكوت على الظلم والضيم والهوان والاستبداد والذل .خاصة بعد أن أسقط الأمريكان نظام المجرم صدام حسين عام 2003 ونظام المجنونين القذافي وعلي عبد الله صالح ,وجلبوا لنا في كل من العراق وليبيا واليمن قادة أسوأ منهم وحافظوا في الوقت ذاته على بنية الأنظمة التي أو جدوها في سوريا ومصروالسودان والجزائر .من خلال الإبقاءعلى الولد (على حد قول علي حيدر ) بشار الأسد وإعادة انتاج نظام حسني مبارك من خلال السيسي.أو للتمديد لكل من البشير وبوتفليقة .ونحن إذ لا نتطرق للملوك فلأن من طبيعة تلك الأنظمة الثبات ,وإذ نستعرض شيئا مما جرى في البلدان العربية الرئيسة لايعني أننا نهمل ماجرى في البلدان الأخرى .
ولنستعرض مثلا اسماء الشخصيات التي حكمت العراق ( بلد الحضارة والتاريخ العريق ) منذ إسقاط نظام المجرم صدام حسين وحتى اليوم هل يستحق هذا العراق العظيم أن يحكمه ويتحكم به أمثال هؤلاء ؟
ولنتذكرما حل بالعراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن ومصر من دمار وخراب وموت وقتل وتهجيرخلال السنوات العشر الماضية .ألا يجعل هذا من قول الشاعرعما جرى في أيامه ينطبق على أمة العرب كلها اليوم :
وسُلط الجُورفي أقطاركم فغدت ــ وأرضها دون أقطار الملا خِرَبُ
من يصدق أنه كان من الممكن أن تحكم وتتحكم في هذه الأقطار ( العراق وسوريا ومصر وفلسطين وليبيا واليمن شخصيات قميئة إلى هذا الحد ؟ من كان يصدق أن يمارس على شعوب هذه البلدان كل هذا الظلم والجور والذل والهوان وعمليات النهب والسرقة والقتل والتدمير وتظل ساكتة أو نائمة ؟( ماهذا المنام ؟ حتى شكاكم المهد ,واشتاقتكم التُرَبُ ) .
وأصبح الكذب لدى الحكام العرب صفة عامة وأساسية مكشوفة : وسأسوق بعض الامثلة على سبيل المثال لا الحصر.
قال العبيدي ( رئيس وزراء العراق الحالي ) منذ سنة تقريبا أنه سيحررالعراق والموصل (التي احتلتهما داعش خلال اسبوع ) خلال أربعة أشهر.أي قبل نهاية عام 2016 , ولما لم يتحقق ماقاله استنكف وقال : أنه سيحررهما خلال الثلاث أشهر أو ـ على الأكثرـ الأربع القادمة . ولما لم يحصل ذلك قال : أنه سيحررهما قبل رمضان ,وهاقد دخلنا في رمضان ولم تتحرر لا الموصل ولاالعراق .
وعد ياسر عرفات الفلسطينيين عام 1988 بأنهم إذا ما اعترافوا بحق اسرائيل في الوجود على ما احتلته من أراض في فلسطين عام 1948 , فانه سيكون لهم دولة على الضفة الغربية وغزة , وبعد مدريد تحول الحلم من الضفة وغزة إلى غزة وأريحا أولا, لتكون نقطة انطلاق لتحرير فلسطين بالكامل. ورقص الفلسطينيين وهللوا للدولة القادمة وأقاموا الدبكات والاحتفالات . وجاء أوسلوا وانتقل الوعد بالحلم من عام 1998 إلى عام 2000 ليقبل عرفات بإقامة تلك الدولة المجزأة على 20% من أرض فلسطين فقط . وخلال الثلاث سنوات الموعودة لم تقم الدولة لاعلى غزة وأريحا , ولاحتى على عشرة بالمئة . و مع ذلك ـ رغم أن العكس هو ماحصل , حيث ازداد الاستيطان الصهيوني ثلاث مرات ,وازدادت الحواجز أربع مرات ,ومات عرفات ولم تقم الدولة الموعودة .وتسلم ابومازن الحكم لينفذ الوصية , لكن زاد الاستيطان في عهده أربع مرات , وقسمت الضفة إلى أكثر من خمسمائة قسم , وحوصرت غزة ودمرت وجوعت وحوربت وماتزال تحاصروتحارب وتعاقب . ومازال الشعب الفلسطيني يحلم بالدولة ويصدق الوعود , وأكثره يصفق لعباس ولحلم الدولة . في حين يقول الشاعر :
فيم التعلل بالآمال تخذلكم ــــ وأنتم بين راحات القنى سُلبُ
وعد السيسي المصريين بالرفاه وبالقضاء على الارهاب وبدولة عصرية ,لكن الذي وجدناه هو أنه تم زيادة الحصار على غزة وزاد تصدير الغاز لإسرائيل , وزاد التعاون الأمني مع الموساد , وازداد الإرهاب ,وتم الإفراج عن المجرمين حسني مبارك وحبيب العادلي وازدات الأسعار وأفقر الشعب ..إلخ . هذا ناهيك عن الهجمات الارهابية ضد الشرطة واقباط مصر.
وفي سوريا قال بشار, وأعوانه من بعده أنهم يتعرضون لمؤامرة كونية, أداتها قوى إرهابية تكفيرية , وأنهم سوف يقضون على الارهاب ويحررون كل سوريا من التكفيريين المجرمين . ووعدوا الشعب بالصبر وبقليل من الوقت ليتخلصوا من الارهابيين , وقالوا لهم أحيانا "خلصت أو قريبا ستخلص ", وهانحن بعد سبع سنوات ولم تحل المسألة لا في سوريا ولا في لبنان , بل تفاقمت واستفحلت .
وهنا اتذكر قول الشاعر :وكل ذي خبث في الفحش منغمس ـــ يزداد بالحك في وجهه الجَربُ .
ثم تبين للقاصي والداني أن من دمرسوريا وشعبها كانت الصواريخ بعيدة المدى , والكيماوي والنابالم والبراميل المتفجرة كان النظام وليس القوى الإرهابية التي تتسلح بالبنادق .وأن الشعب حوصر وجوع ودمرمن قبل النظام وأعوانه وليس من قبل داعش فقط .و في حين استفحل إرهاب داعش وزاد في العالم , تمت محاربة الشعب المحاصر والمفقر والمذل في الداخل .وتم تهجيرنصفه من بيوته وقراه وبلداته .حتى بات يمكننا القول أنه تم تحريرسوريا من كل من لايقبل الذل والهوان والركوع من الشعب الأعزل وليس من إرهابيي داعش . وتبين للجميع أن من قتل هو الشعب , وليست داعش . الشعب الذي راح منه مليون بينما لم يذهب من داعش ألف .ثم تبين أن محاربة داعش لم تكن في حقيقة الأمر إلا غطاء ليحتل الروس والأمريكان والأتراك والمليشيات الشيعية العراقية والإيرانية واللبنانية ( بعد أن اغرقت العراق و لبنان بالديون وألهته بالقمامة زيادة على الطائفية ) كل سوريا .
ألايستدعي هذا منا تذكر ما قاله شاعرنا :
سلاحهم في وجوه الخصم مَكرهُمُ , وخير جُندهم التَدليس والكَذبُ .
والبُطْل في ميزانهم شرعٌ , وحكم العِلجُ فيكم مع مهانته يقتادكم
لهواه حيث يَنقلبُ .والبطل في ميزانهم شرعُ .
اعناقكم لهم رق ,ومالكم بين الدمن والبُطل منتهبُ
, وليس أعراضكم أغلى إذا انتهكت من عرض مملوكهم بالفلس يُجتلب ُ.
وما دمائكم إذا سفكت من ماء وجه لهم في الفحش ينسكب ُ.
ما أوجه الشبه بين الأمس واليوم وربما غدا ؟
لقد استجاب بعض العرب قبل مئة عام لدعوة اليازجي :
هبوا واستفيقوا أيها العرب ـــ فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب ُ.
نعم فهبوا وثاروا .لكن بما أن زعماء العرب كانوا وظلوا ومازالوا أوفياء لأسيادهم الإنكليز أكثر مما لشعبهم , كون الانكليز هم الذين جعلوهم يحكمون كلا من سوريا والعراق والأردن وفلسطين ولبنان والسعودية والكويت واليمن ,إلخ (فيصل وعبد الله والعابد والحسيني والخوري وعبد العزيز والصباح وأميراليمن يحيى ،،إلخ ) . وبما أنهم يعرفون جيدا أكثر من شعوبهم أنهم لولا الإنكليز لماتمكنوا من هزيمة الأتراك والوصول إلى حكم بلدانهم . لذلك يجب أن يكونوا أوفياء لهم أكثر . وهكذا تم استعياب تلك الهبة وتحويلها عن مسارها الحقيقي مما مهد الطريق للأمريكان ليأتو بعد الحرب العالمية الثانية بكل من البعث وعبد الناصر .
ولكي لانظلمهم نقول أن بعضهم في حالات معينة توددوا للإنكليزوالفرنسيين والأمريكان وحتى للصهاينة خوفا من بطشهم . وهذا ما فعله وجهاء ومشايخ وتجار دمشق مع الجنرال "غورو" عندما غزى سوريا . حيث جعلوا من أكتافهم ورقابهم أعنة تربط بها الحبال لجر عربة غورو ليحموا شامهم من غضبه .لكنهم نسوا أو تناسوا أن " تيمورلنك " عندما استخدمهم لإقناع حاكم قلعة دمشق المملوكي لتسليم القلعة .لم يف بوعده بل فتك بهم أولا وأباح الشام برجالها ونسائها وأطفالها لجنده ليفتكوا بهم اسبوعا كاملا .وهذا مافعله بهم الفرنسيون بهم بعد ذلك عندما قصفوا دمشق .وهو مافعله بهم الانكليزعندما ساعدوا العصابات الصهيونية على طرد الفلطسينيين من ديارهم والاستيلاء عليها ,وما فعله الإنكليز بالمصريين عندما هبوا وثاروا ضدهم وعندما غزو قناة السويس .
وبما أن الزعماء اللاحقون أمثال عبد الناصر وأمين الحافظ وحسن البكرو القذافي وصدام والأسد وعبد الله صالح ..إلخ يعرفون أن من جاء بهم إلى الحكم كان الأمريكان من خلال ترتيب انقلابات عسكرية على عملاء الإنكليز .فكان لابد لهم من أن يكونوا أوفياء للأمريكان أكثر من شعوبهم . وهذا ما أوصلنا وأوصل بلادنا وشعوبنا إلى مانحن فيه اليوم من ذل وهوان .
لقد ذَكًر جورج انطونيوس (ابن القدس البار ) في كتابه " يقظة الأمة العربية "العرب قبل تسعون عاما بما قاله ابراهيم اليازجي قبل عشرين عاما ,ودعاهم لليقظة , لكنهم على مايبدوا لم يأخذوا بصيحاته تلك . وعندما حذر ابن القدس البار" نجيب عازوري " العرب في عام 1905 بأن القرن القادم سيكون قرن صراع بين العرب والصهاينة لامكان فيه إلا لانتصار واحد منهم على الآخر. لم يلتفت لكلامه أحد ,وهنا نحن اليوم بعد مرور قرن على تحذير العازوري نرى أن الحركة الصهيونية تكاد ـ من خلال التدمير الحاصل في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن تنتصر على العرب , وتحولهم إلى عبيد " لأبناء عمومتهم المزعومين ".
وبما أن عازوري الذي كان يعيش في باريس لم يكن بمقدوره أن يرى ما استجد من أمور وأخطار خلال الفترة الأخيرة من القرن الماضي .فإننا نلفت النظر إلى أننا كعرب قد نكون وقعنا منذ سنوات قريبة بين فكي كماشة إيران وإسرائيل , أو لنقل اننا بتنا نقع اليوم بين مطرقة فرس إيران في الداخل وسندان يهود إسرائيل .بدعم من الأمريكان وحماية الروس وتواطؤ الأوربيين وصمت الصينيين .
لن اتطرق لخطر إسرائيل في هذا المقال لأنني سأفرد لها عدة ابحاث لاحقا . وسوف اتطرق فقط إلى الخطر الفارسي .فأقول إنني كيساري استغرب كيف يمكن لعربي أو ليساري أن يؤمن بمعصومية أي إنسان وسواء أكان الخميني "قدس الله سره " أو علي خامنئي؟ ( مع أنني احترمهم وأجلهم كأشخاص ) أو أن يدافع عن دولة تقوم على فكرة ظلامية ؛ فكرة الانتقام مماحل بهم على يد العرب قبل ألف واربعمائة عام .باعتبار أنها كدولة قامت على فكرة الثأر. فالثأر لأي شخص كان من قبل أي دولة أو جماعة أو فرد ـ حتى لوكان علي كرم الله وجهه أو الحسين .ولكونها ترفع شعار" يالثارات الحسين " ممن لاعلاقة لهم بقتلة الحسين .
وهنا أسأل :ألا يتحمل اليساريون الذي هاجموا الجابري وبلقزيز ودافعوا ومازالوا يدافعون عن الثورة الإيرانية وحزب الله مسؤولية تردي أحوال بلدانهم وتشويش و"تشويش "عقلية شعوبهم , خاصة خلال السنوات الأخيرة ؟
والسؤال يعود من جديد ليطرح على الشعوب صاحبة المصلحة الحقيقية في حياة حرة وكريمة : هل يمكن أن يستيقظوا ويهبوا ويثوروا ويحولوا دون تدمير بلدانهم وتحويل أبنائهم وأحفادهم إلى عبيد ؟ أو على الأقل ليعيشوا بكرامة أسوة ببقية بني البشر ؟
فتحي رشيد
2/ 6 / 2017