المهندسة

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 6 / 1

المهندسة

أوسدناها مرقدها النهائي منذ ساعات.. زوجتي وأم أولادي العزيزة جدًا المهندسة كريمة أبو الفتوح حسنين أبو النجا التي توفيت في سن الرابعة والخمسين بعد صراع ربع قرن مع المرض الخبيث.

أعرف أنه من المتصور في ذهن أي قارئ أن حديث القارئ عن زوجته الراحلة لا بد وأن يتصف بالإطراء والمبالغات وربما الاختلاقات.. لكني على استعداد لأن أقسم بأنني لم أصادف في حياتي الكثير من الشخصيات على هذه الدرجة المستحيلة من القوة والعمق والبساطة والتفاني.. كما أؤكد أن ما سأسطره عنها أقل من الحقيقة بكثير، بل هناك مآثر في حياتها مازلت أكتشفها حتى بعد أن توارت عن هواء دنيانا.

وأود أن ينتبه القارئ لأنني أعرض هنا لشخصية فتاة ثم امرأة مثقفة مناضلة واجهت فداحة الظروف بالصبر والإرادة ونهم التعلم.. وهي حالة جديرة بالتأمل من جانب نصيرات الجندر (النوع) لأنها تقدم التحرر الحقيقي غير الشكلاني للمرأة في مجتمع متخلف وفقير وغير مواتٍ ثقافيًا.. فقد كانت تؤمن أن التحرر الحقيقي للمرأة يتم عبر العمل والتعلم المتواصل والمشاركة الإيجابية في بناء أسرة متماسكة ونافعة لمجتمعها..

نشأت الطفلة في حي "ميت حدر" الشعبي بمدينة المنصورة، في أسرة كبيرة معظمها من المقاولين في مجال المعمار. ولأنها كانت على مستوى عالٍ من الذكاء فقد اختزنت ذاكرتها منذ الطفولة تفاصيل كثيرة جدًا عن أسرار هذه المهن.. كانت أصغر إخوتها بعد 11 عامًا من انقطاع والدتها عن الإنجاب.. فكانت في سن أبناء أشقائها. وقد كشفت مبكرًا عن تفوق في المدرسة رغم قسوة الظروف المحيطة.. وشاء الحظ العاثر أن تتوفى والدتها وهي في سن الرابعة عشرة لتتولى مبكرًا مسئولية "بيت العيلة" الذي لا يتوقف عن الحركة والضجيج.. وإلى جانب استذكار الدروس ألقيت عليها مسئولية المنزل فتفوقت بالمثل في المهام التقليدية التي يلقيها المجتمع الشرقي على عاتق الأنثى..

أصرت الفتاة على إكمال تعليمها الجامعي، بل وضعت نصب عينيها منذ الصغر أن تصبح مهندسة.. وكان من الممكن أن تضعف وتقبل مثل الكثير من أترابها أي مشروع للزواج المبكر وهجرة التعليم بعد الاكتفاء بالثانوية العامة أو الدبلوم الفني مثلاً.. لكنها أصرت على الالتحاق بكلية هندسة المنصورة.

سرعان ما انخرطت في النشاط السياسي لجيل الثمانينيات بالجامعة، والتصقت بالتيار اليساري تحديدًا.. كما اشتركت في أعمال فنية طلابية.. إلى جانب هذا كانت كريمة طالبة الثانوي رياضية تلعب التنس في استاد المنصورة، لكنها تركتها بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة الدراسة في كلية الهندسة..

تخيل نشاطًا عارمًا من هذا النوع.. دراسة مرهقة وعمل سياسي ورعاية بيت كبير وأنشطة وهوايات.. دون تعب.. بل إن طموحها كان يدفعها من نشاط لآخر. وفوق هذا كله كانت شخصية محبوبة في كليتها وموضع احترام بسبب انضباطها الشخصي وتهذيب "أبناء البلد" وقدراتها على العمل الجماعي واستيعاب المناوئين..

أصبحت أمينة المرأة في حزب التجمع بمحافظة الدقهلية وهي طالبة.. كما عملت إلى جانب الدراسة في مكتب هندسي، وتدربت في شركة المقاولين العرب التي أسندت إليها تنفيذ عمارات للسكة الحديد في طلخا (البر الغربي لمدينة المنصورة) اعترافًا بقدراتها..

كان ارتباط الكاتب بها نقلة في حياتها، لأن تقل الزواج من رجل موضع ملاحقة ومطاردة من أمن الدولة، حتى أن المخبرين كانوا يجلسون أمام منزلها، ليرسلوا الرسائل المباشرة لإخوتها عن خطورة الخطبة للكاتب..

وتشاء الظروف أن يتم اعتقال الكاتب في قضية سياسية اعتقِل على حسابها 77 يومًا، لكنها لم ترضخ لأي ضغط أمني أو أسري، وتضامنت معه بكل قوة.. وتم الاتفاق بين الطرفين على الانتقال للقاهرة وأن يقلل أحدنا النشاط السياسي حتى لا يتعرض الأطفال المستقبليون لمتاعب تؤثر بالسالب على حياتهم.. واستلمت كريمة عملها في إحدى الهيئات الحكومية بعد الزواج بأسبوع.. وما هي إلا أربعة أيام من استلام العمل حتى وقعت واقعة غريبة في ما يُتصور أنه "شهر عسل"..

في السابعة صباحًا دق جرس الباب، وحينما فتحت وجدت البواب العجوز ومعه عجوز آخر يرتعشان بمعنى الكلمة.. بادرني البواب بقوله: "الصول من الداخلية وجاء يسأل عن المهندسة كريمة".. بدا على المخبر أنه يخشى أن أعتدي عليه.. فدعوته للدخول.. كانت معه ورقة باستدعاء المهندسة إلى أمن الدولة ومقابلة المقدم "عمر الشريف".. هدأ البواب حينما رأى رد فعلنا الواثق، وأفهمته أنه إجراء عادي لكل من يحصل على وظيفة حكومية.. وذهبت معها إلى مقر لاظوغلي في الموعد المحدد، لكنهم أصروا ألا أحضر المقابلة معها، والمهم أني أكدت لهم بحضوري أنني فاهم "لعبة" الضغوط.. لم تستمر مفابلتها أكثر من عشر دقائق فقد أدركوا سريعًا ثباتها وقوة شخصيتها دون أن تتصرف بأي تشنج أو خوف..

اتسمت الهيئة التي عملت بها كريمة بطغيان عدد المهندسات بالنسبة للمهندسين.. لكنها اكتشفت سريعًا أن المهندسة "المدير" لا تختلف عن المهندس الرجل في شيء.. ذات الشكليات إلى حد العنجهية، وأيضًا اضطهاد الأنثى للإناث الأقل منها وظيفيًا..

كانت كريمة من النوع الذي لا يطيق الجلوس في المكاتب أو الاكتفاء بكتابة التقارير والعمل على اللوحات.. وبالفعل اكتسبت خبرات كبيرة بالعمل الموقعي في كافة فروع الهندسة المدنية.. من إسكان إلى الطرق والكباري وأخيرًا المرافق بكافة تعقيداتها (محطات وشبكات المياه والكهرباء والتليفونات...). وأثبتت قدرة غير عادية على حل المشكلات الفنية دون التنازل عن الأكواد الفنية والقواعد العلمية..

أشرفت المهندسة على عدد كبير ومتنوع من المشروعات في القاهرة.. والطريف أنها كانت تربط ميلاد كل طفل من أطفالنا الثلاثة بهذا الكوبري أو ذاك الطريق.. ومن الوقائع الغريبة أننا حينما رزقنا ببنتنا منى بعد عام من الزواج.. قمت بطلب أحد زملائها لإبلاغ العمل بالولادة لاتخاذ الإجراءات الإدارية المعتادة.. فبهت الرجل لأن أحدًا في العمل لم يكن يعرف أنها حامل أساسًا.. وقال لي عبارة لا أنساها "دي كانت بتجري على السقالة امبارح الصبح"!! لا أعرف حتى الآن كيف فعلت ذلك..

عن كفاءتها المهنية أحكي واقعة واحدة.. كانت تشرف على قطاع من كوبري ضخم على نيل القاهرة.. وأثناء مراجعتها للوحات اكتشفت عيبًا خطيرًا في "الشَّدّة" الخاصة بإحدى القواعد داخل النيل.. فصرخت في المنفذين كي يخرجوا العمال سريعًا من القاعدة لأن المياه ستغمرهم.. وبعد مناكفات بدأت نذر انهيار الشدة والعمال داخل القاعدة فصدرت لهم الأوامر بالخروج سريعًا.. قالوا لي "إن ثلاثين عاملاً كانوا يتسلقون كالقرود للخروج من الهلاك.. وهرعوا لشكر المهندسة ولو طُلب منهم إقامة تمثال لها لصنعوه"..

كان انغماسها في العمل الموقعي سببًا لا مفر منه لوقوع الصدامات مع الفساد والإهمال.. فكان لا بد أن يظهر لها أعداء بعضهم بالغو الخطورة.. ومن الطبيعي جدًا أن حرموها من المكافآت غير العادية ومن عضوية لجان البت والتسعير والاستلام..الخ. وكان من الأمور المتكررة معها أن تشرف على مشروع معين لمدة طويلة ثم يتم عزلها عنه حينما يقترب موعد الافتتاح حتى يظهر في الصورة آخرون، ناهيك عن استبعاد الأمن لها من أي مناسبة يحضرها رئيس الدولة والسيدة الأولى..

كانت الضغوط عليها شديدة من جانب شلل المنتفعين.. فأشاعوا عنها أولاً أنها "توقف المراكب السايرة" بسبب إصرارها على الأكواد الفنية والالتزامات القانوية والضبط المالي.. ثم حاولوا معها العديد من أساليب الرشوة.. أبسطها مثلاً عرف أحد المقاولين أنها تطبع في مكتب خارج العمل نماذج امتحانات لأحد أبنائنا، لأننا لا نملك طابعة في البيت.. وفي عصر اليوم الثاني دق الجرس في المنزل ليفتح ابني ليجد أحد السائقين يضع كرتونة أمام الباب بها طابعة ويذهب إلى المصعد سريعًا.. وحينما توجهت هي نحو الباب وفهمت الموقف انهالت بالسباب على السائق وأجبرته على العودة بالكرتونة..

كان مبدؤها الأساسي أنها متأكدة من أنهم "سيسرقون سيسرقون".. ولكن المصيبة الكبرى أن يتم هذا على حساب المعايير الفنية، وعلى حساب الحصول على منشآت غير آمنة.. مثلما كشف عنه الزلزال الذي ضرب مصر أوائل التسعينيات.. فالفساد لا يقاوَم ماليًا فحسب وإنما مهنيًا قبل ذلك..

حدث أن طلبها فجأة شخصية كبيرة جدًا في الوزارة، معروف بفساده الكبير، وعرض عليها أن تتولى مسئولية إنشاء مكتب فني خاص تابع له للتفتيش على كل مشاريع الوزارة وإعداد تقارير عن المشكلات.. وبالطبع كان هذا المنصب سيحقق لها دخلاً خياليًا حتى إذا عملت بمنتهى الشرف.. والغريب أن المسئول الفاسد قال لها إنه يشجعها حتى على المبالغة في كشف الأخطاء والمخالفات.. لكنها اكتشفت أنه يريد استخدامها "كرباجا" (سوطًا) على المقاولين والشركات.. فتتكفل هي بالكشف عن المخالفات التي ستصبح بدورها ورقة مساومة في يده هو لابتزاز المزيد من الرشا، لأنه سيكون صاحب القرار الأخير في تمرير المخالفات.. فرفضت العرض السخي المفسد..

بعد ذلك تصاعد الأمر إلى حد التهديد الصريح بالقتل من خلال رسائل تأتيها على هاتفها مثل "خافي على أولادك".. بل وصل الأمر حد التهديد العلني بالإيذاء داخل الموقع وأمام الجميع.. وبلغ الأمر حد تشكيل لجنة فنية لأخذ "عينة" من طريق أسفلتي نفذته دون حضورها أو علمها وهو أمر مخالف للقانون والقواعد.. وبات واضحًا أن النية مبيتة لإيذائها..

أشهر وقائع تصديها للفساد كانت لها مع المكتب الهندسي المملوك لشقيق زوجة الوزير الفاسد.. وكانت إحدى المخالفات سرقة علنية بقيمة ستة ملايين جنيه.. وتشترك في عملية النهب شركة قطاع خاص مملوكة لصول سابق في المخابرات.. ولما رفضت تمرير السرقة، وتصاعدت الضغوط، اقترحت على رؤسائها إعفاءها من المهمة وأن ينفذوا "اللي عاوزينه" رفضوا وأصروا على أن المطلوب هو أن توقع هي بالذات على المستخلصات بعدما سبق أن سجلت رفضها في مكاتبات رسمية..

وقف نائب الوزير في ردهة المصلحة وصاح بأعلى صوت ليسمعه الجميع "البت دي لو مامضتش هادخلها السجن الليلة".. فارتعد كل السامعين لكنهم فوجئوا بردها عليه بأعلى صوت "حسبي الله ونعم الوكيل".. وبعد أن عادت إلى المنزل في حالة عصبية شديدة فوجئنا باتصال هاتفي من زملائها خلاصته "فيكي حاجة لله ودعاؤك مستجاب".. فقد مات نائب الوزير.. قالت لهم "لا شماتة في الموت وربنا يرحمه"..

ما حدث أن الرجل بعد أن أطلق تهديده ذهب إلى مقابلة الوزير في مارينا، حيث عاتبه الوزير عتابًا شديدًا سقط الرجل على إثره بصدمة قلبية.. وتحدثت الصحف في اليوم الثاني عن نبل الوزير الذي قاد السيارة بنفسه إلى المستشفى ناقلاً نائبه الذي سقط صريعًا بسموم لسانه..

الطريف أنه قد اشتهر عنها "أن دعوتها مستجابة" وغدا الكل يخشون غضبها.. فاستقروا على أن يمنحوها مكتبًا وسيارة بلا عمل على الإطلاق، مع الحصول على كافة المستحقات والامتيازات.. بل كان في إمكانها أن تجلس في المنزل دون أن يسأل عنها أو يسائلها أحد.. وهو وضع خانق لم تحتمله فقدمت طلبًا بالحصول على إجازة بدون مرتب..

وقيل لنا إنه عند جرد مكتب نائب الوزير وجدوا تقريرين من المعمل الفني بواحدة من كليات الهندسة بخصوص تجربة أخذ العينة غير القانوني من الطريق الذي نفذته.. أحد التقريرين يفيد بسلامة العينة والآخر يفيد بالعكس.. وهذه كانت المساومة التي ينوي نائب الوزير استخدامها.. وهي الواقعة التي إن صحت فتدل على مدى تغلغل الفساد حتى في تقارير علمية يفترض فيها الحياد والنزاهة..

ورغم كل هذه المسئوليات والمتاعب حرصت على نيل دبلومة إدارة الجودة للمشروعات الهندسية من جامعة القاهرة.. وقال لها المناقشون إن المشروع الذي قدمته في ثلاثة شهور يمكن أن ينال الماجستير بسهولة.. لكنها اكتفت بالدبلومة بعد اكتشاف واقعة التقارير الملغومة..

لم يكن أمامها سوى العمل بالقطاع الخاص.. فالتحقت مديرة بكبريات شركات المقاولات وأشهر المكاتب الاستشارية.. وكانوا جميعًا لا يصدقون أن هذه كفاءة "مهندس حكومة".. لأنها كانت تتابع دراستها العليا بكلية هندسة القاهرة، ولأنها متابعة للتطورات في علوم الهندسة.. وشهادات خبرتها كانت تذهل المطلعين عليها.. ولكنها صدمت أكبر صدمة عندما اكتشفت أن الفساد في القطاع الخاص مهول وأكبر بكثير من الفساد الحكومي.. ومن ثم لم يتوقف مسلسل الصدامات.. وأيضًا الاستقالات.. وحينما كان تعود إلى المنزل وتخبرني باستقالتها فلم تكن تمر ساعات قليلة حتى يأتيها بالهاتف عرض للعمل بمكتب أو شركة أخرى..

كانت تربي ثلاثة أطفال، وتتفانى في الاستذكار معهم، وتحرص على أن يتعلموا الموسيقي، فكان الابن أو البنت يجيد العزف على البيانو وغيره على النوتة (وليس سماعيًا) ولا تتوقف مشاويرنا لاصطحابهم إلى معاهد تعليم الموسيقي.. فضلاً عن ممارسة كل واحد منهم بانتظام لرياضة أو اثنتين.. حتى أطلق عليها بعض الأقارب "كريمة عيّانة بعيالها"!! وبالفعل صنعت أطفالاً رائعين..

وفي البيت كانت هي الحرفي الذي يصلح كل شيء.. الكهرباء والسباكة والنجارة والأجهزة الكهربائية.. وعندنا أنواع من العدد التي تفاجئ كل حرفي قد نضطر إلى الاستعانة به.. أما حياكة الملابس وإصلاحها فكانت من هواياتها الأصيلة، ويكفي أن بالمنزل ماكينتان للخياطة..

أما عن اهتمامها بالمطبخ فلا يبارى.. ويشهد بهذا كل من يعرفنا.. فكانت تستطيع تحضير أربعة أو خمسة أصناف من الطعام "المعقد" في وقت واحد.. ومن الطرائف أن أحد إخوتي عبر لها ذات مرة عن حبه "للكوارع"، فأولمت لإخوتي وجبة رهيبة لا أعرف كيف صنعتها كلها في يوم واحد.. فبالإضافة للكوارع كان هناك "الممبار والفشة والكرشة والكبدة والطحال والقلب واللسان والعكاوي".. حتى أن أخي قال لها: "لقد طبختي كل الجاموسة ماعدا اللحم"!! فأي مهندسة تلك..

كل هذا النشاط العارم والمستحيل.. وهي تقاوم المرض الخبيث.. بدأت قصتها معه في منتصف التسعينيات حيث كان أحد أصدقائي سيخضع لعملية جراحية خطيرة، ولكن فصيلة دمه نادرة.. فلما علمت قالت على الفور "أنا من نفس الفصيلة".. وفي اليوم التالي تركت طفلين معي أحدهما رضيع وذهبت للتبرع حيث أغمى عليها في المستشفى.. وجاءت نتيجة التحليل مروعة باكتشاف المرض..

أخذت الأمر الجلل ببساطة متناهية، ولم تقلل نشاطها بل زاد كما لو كانت تريد استغلال كل ثانية في حياتها.. وحرصت على كتمان الخبر عن أقرب الأقارب حتى لم يعد ممكنًا إخفاؤه بعدما تمكن من الفتك بها أخيرًا بعد آلام لا تطاق.. ورغم حصولها على إجازة مرضية حتى سن التقاعد ظلت تتعاون مع مكاتب استشارية حتى الشهر الأخير من عمرها..

وحتى وهي في المستشفى وخاضعة للرعاية المكثفة أقامت علاقات بالغة الحميمية مع الأطباء والممرضات وأصغر العاملين حتى قلت لها "هو انتي ناوية تترشحي هنا؟"..

تقبلت لحظاتها النهائية المقتربة بروح "رياضية" غريبة.. وآخر ما أوصت به أن تُدفن بالمنصورة بجوار أمي أنا، والتي ارتبطت بها بقوة.. وأن يُكتفي بعزاء عائلي بسيط.. وأن يتم التبرع بمبلغ ذكرته لمرضى السرطان..

في الختام أقول إنني عندما تأخرت في الزواج كان أصحابي يقولون لي "لازم تتجوز عشان تلاقي اللي تناولك كوباية الميه لما تعجز".. وما حدث أنني كنت من بين أواخر من ناولوها شربات المياه..

الله يرحمها..