الإلحاد :- ذلك المسمى الظالم - - دعوة من اجل إيجاد كلمة يصوغها الجمال - إعادة

جاسم محمد كاظم
2017 / 5 / 31

دائما ما يتردد بان الإلحاد هو كلمة تحمل في مضمونها نقيض الإيمان. والملحد معكوس المؤمن وهو الزنديق وهي بالمعنى الحرفي للكلمة مفردة مبخسه ساهم في نحتها أتباع الإيمان لان التاريخ كتبة المؤمنون .
وهي بالمعنى الدال تحمل في معناها عدم اليقين وتشهد للإيمان الروحاني المثالي بالسيادة والصحة واليقين .
وعند مسايرة مدلولها الغائر في الأزلية نجدها مدلسة بالوهم من منظور الدينجيه الواثقون من أنفسهم وهم يرمون من يخالف عقائدهم الباطلة بمساعدة حراب السلطة في كل العصور كما تقول كوكب الشرق في إطلالها " واثق الخطوة يمشي ملكا ".
لكن الذي يبحث في التاريخ وثقافاته المتعددة يجد إن الذين لا يؤمنون بالرب يتفقون بالعدد والعدة على أتباع الرب المؤمنين .
ورافق أتباع الأديان فلاسفة تفوقوا بالحجة والدليل والبرهان العيني الملموس على إتباع النقل والشي المجرد غير المحسوس .
لكن التاريخ سار على عكس المطلب لان الإيمان لا يتطلب من صاحبة التفكير وإجهاد العقل بالخماسي الصعب " كيف . هل . لماذا أين. ومتى " فهذه المفردات المحركة لملكة العقل المتناغم مع واقعة لا تأتي مع تفكير القطيع الجمعي المحتقن بالهوس والصخب المعتمد على النقل بل هي ثمار العقل الجدلي الناضج المتفاعل مع واقعة على الدوام المتحسس للتغيير في كل مكان كما يقول فيلسوف الذريين اليونايين " لا يمكننا أن نستحم بنفس ماء النهر مرتين " .
يتسم عقل الإيمان على طول تاريخه بالثبات والسكون وعنده أن كل شي لا يتغير ويجيب على السؤال المحير "فؤاد النمري " في كتابة "الرسالات السماوية"

(تفتحت عيون الوعي البدائي في الإنسان الأول على الأشياء من حوله ساكنة ثابتة فتوهم أن القانون العام في الطبيعة هو السكون ، وهذا الوهم جعله عاجزًا تماما عن تفسير ظاهرة الحركة في الطبيعة).

ولا يجيب الإيمان بكل أديانة ومشايخه على سؤال آخر لا يقل أهمية عن أوله "
كما يسال فؤاد النمري :

( لكن لماذا عاش الإنسان ملايين السنين قبل أن يوحى إليه للمرة الأولى خلال إبراهيم قبل خمسة آلاف سنة فقط كما تؤمن الرسالات السماوية التوحيدية الثلاث ؟)

وان سكت الإيمان بكل مشايخه عن الإجابة لكن "جورجي غاتشيف " يكشف بروعة تسلسل ظهور الرب على مسرح التاريخ ويدون ليوم ميلاده المجيد في الوعي والفن " متتبعا تاريخ العمل الإنساني منذ ظهور الوعي وخروج إنسان "كرومانيون " من عالم الحيوان غير المفكر مثلما يقول :

" لم يكن لدى البشرية في عهودها الغابرة وفي أوليات خروجها من الحالة الطبيعية شبة الحيوانية ما هو أيسر وأكثر عفوية من التشبه والمقارنة المباشرة ففي أشياء الطبيعة وظواهرها كان الإنسان يوم ذاك يرى النفس والإرادة"
ويضيف :
" أن الإنسان المعاصر يعيد تنسيق الأحكام العقلية وتنسيقها بطريقة القياس المنطقي على عكس ذلك البدائي الذي يصدق هذا الخبر أو ذاك مباشرة وهنا نلمس أساس تدين الوعي القديم "

وتتبع " غاتشيف " بدقة متناهية من خلال صيرورة العمل الإنساني الجبار تغير شكل الرب من "الفتش" و "الطوطم البدائي " عديم المضمون الذي يحمل قوة الحياة والموت بعد انفصال الإنسان عن عالم الحيوان والخروج من عملية العيش على الجمع والالتقاط وبدا عملية ادخار المؤن من الطبيعة كأول عمل تفرد بة الإنسان على الحيوان وظهور الجماعة الأولى وهو يستشهد بكلمات لينين من الدفاتر الفلسفية :

(المثالية البدائية العام ( مفهوم فكرة) هو كائن مفرد وهذا العام يبدوا متوحشا رهيبا "وبالأحرى صبيانيا "سخيفا أن معالجة العقل "الإنسان " لشي مفرد وصنع نموذج مفهوم له ليس فعلا بسيطا مباشرا مرئيا ميتا بل هو فعل معقد متعرج ينطوي في ذاته على إمكانية انفصال الخيال عن الحياة عدا ذلك على إمكانيات تحول (بل التحول الذي لا يلحظه أو لا يعيه الإنسان ) المفهوم المجرد الفكرة إلى صورة خيالية للمعبود).

حتى الوصول إلى عملية الإنتاج وتغير شكل الطبيعة وفصل فكرة الشي عن الشي نفسه والبدء بعملية إنتاج الأفكار التي يقول فيها غاتشيف " وهنا تكمن الجذور التاريخية والغنوصيولوجية للمذهب المثالي لان الإنسان قد رأى إن سلطته على الطبيعة واستقلاليته عنها تتحدد بهذه الطريقة من التصورات الروحية "

وتغير هنا شكل الرب كما يصف غاتشيف من العفريت عديم الشكل والمضمون إلى حوريات الأشجار والهيدرا .الغرفين .التنين فآلهة الظواهر الطبيعة حتى زيوس والأبطال المعلمين حتى الوصول إلى الآلهة المجرد ة المتعالية .

في هذا الفلكلور الرائع وهذه الأساطير اللذيذة يقول كارل ماركس وهو يكشف عن جذور الغنوصية :

" إن الفلكلور يعطينا إمكانية إعادة رسم الطرق التي اجتازها الإنسان من الحالة الحيوانية إلى الحالة الاجتماعية ويتيح لنا أن نرى بأم أعينا كيف نشا لدى الإنسان إدراكه الموهوم للقوة الاجتماعية إجمالا بوصفها قيمة روحية خفية "

وساير الفكر الإنساني المعتمد على المذهب الحسي في الإدراك ونظرية المعرفة مذاهب الروحانيين في كل فصول التاريخ وان حاول التاريخ نسيان هذا وطرد هذا الفكر الإنساني خارج أسوار الفلسفة الإنسانية يقول جورج طرابيشي في نقد نقد العقل العربي " نظرية العقل "موضحا اثر الحضارة الهندية والصينية على الحضارة الإنسانية:

(وكما سدد أنكساجاروس الاقلا زوماني ضربة هائلة إلى الديانة الشعبية وطرد الآلهة من الطبيعة فان مدرسة شرفاكا الهندية كانت تنكر الآلهة بكل أصنافها وكذلك عالم الغيب وتعتبر كتب الفيدا المقدسة من اختراع المحرفين وترى في الأضاحي والقرابين حيلا إحتالها الكهنة والدجالون لجني فوائد مادية منها "
" وكانت مدارس الهند شرفاكا و لوكياتا تعتنقان المذهب الحسي وتنادي بالقول " مادام لا جود لعالم الفردوس والخلاص ولا لحياة وراء هذا العالم فان على الإنسان إلا أن يولي اهتمامه بشؤونه الأرضية فقط "
"" أن الفكر الصيني عقلاني على طريقته لان مرجعيته إنما هي نظام أنساني واجتماعي ونظام كوني مستقلين عن كل قوة إلهية مشخصة "

" وقد اتخذت مدرسة شرفاكا و لوكياتا موقفا من الفيدا التي يقولون عنها أنها لا تقيم ولا تشهد عل حقيقة ذاتها فكيف لها لها أن تشهد بالحقيقة الكاملة وان بالتالي فان كل مذهب ديني لا يقيم سلطته إلا على توكيد لفظي محض أي على وهم وخيال " فكانت نقطة التلاقي بين فلسفة الهنود وفلسفة الذريين اليونانيين الذين أهملهم التاريخ المكتوب وانتصر لمدرسة سقراط وأرسطو طاليس وأفلاطون التي يسميها "ليون روبان " بداية الردة في الفكر اليوناني وبوابة الدخول في عالم الورع الديني وتصوفه "
ويكمل جون لويس في مدخل إلى الفلسفة ثبات العقل الديني في التاريخ بالقول "
( كان محور قوة الفكر في العصور الوسطى سعيه العنيد وراء عالم منظم يتعدى عالمنا هذا كان كبار فلاسفة العصور الوسطى يعيشون حالة القلق المخيف من سيادة البربرية الخارجة على كل قانون مما جعلهم مصممين على تحقيق نظام عقلي وأخلاقي في الفكر والفلسفة والمجتمع والدين "
لكن أوربا الحديثة اتبعت منظار غاليللو الذي أنهى نظرية الكوسموس اليوناني وعادت إلى ديمقراطية وإنسانية الذريين بعدما عانت من ظلامية تصورات أرسطو وهيراراكية توما الاكويني وروحانيات القس وعادت إلى مختبرات وورش العلم الحديث الذي انتهجه من سمتهم من قبل بالملحدين لكي ينيروا لها طريق التقدم والتعالي على أجناس البشرية الراقصة على ترنيمات الطوطم .
وبعد هذا التتبع التاريخي لمسيرة الخرافة و العلم وتاريخ العقل فان الأحرى بعالم اليوم إنصاف أتباع المذهب العلمي ورد الاعتبار إليهم باستبدال تلك الكلمة البغيضة التي التصقت بهم المسماة ب"الملحدين" إلى تعبير جمالي أكثر إشراقا في النفس مثل "العلميين " "الإنسانيين ". التنويريين"."اليقينيين "بعدما ثبت بالدليل والبرهان أن الإنسان هو سيد الكون بلا منازع.