ثمن الخيانة العظمى و تفكك الاتحاد السوفيتي الحلقة الثامنة

نجم الدليمي
2017 / 5 / 31



ثمن الخيانة العظمى
و
تفكك الاتحاد السوفيتي
الحلقة الثامنة


د. نجم الدليمي





سادساً: إن غياب الأتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية قد ساعد على تصاعد دور ومكانة وهيمنة المؤسسات الدولية ومنها صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية على اقتصاديات دول العالم وخاصة دول الجنوب التي فقدت دور ومكانة الاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية (بلدان سيف) في تقديم المساعدات الغير مشروطة والقروض الميسرة والتي تهدف الى تطوير القطاعات الأنتاجية المادية خاصة القطاع الصناعي والقطاع الزراعي، حيث قدم الاتحاد السوفيتي فقط على بناء اكثر من(6) الاف مصنع ومعمل في البلدان النامية و(300) مشروع زراعي في افريقيا فقط، وكما ساهم الاتحاد السوفيتي باعداد الكادر العلمي والمهني للبلدان النامية وخلال الفترة (1950- 1985). كان يستقبل سنوياً(100) الف طالب يدرس في الجامعات والمعاهد العلمية في الاتحاد السوفيتي ، وبنفس العدد يتخرج ويعودون الى أوطانهم كوادر علمية تخدم شعوبها ووطنها وكان ذلك كله وبالمجان ، ناهيك عن الدعم والاسناد العسكري للبلدان النامية الصديقة للأتحاد السوفيتي ، ناهيك عن دعم دول أوريا الشرقية وجمهورية كوبا الأشتراكية وغيرها من البلدان الأشتراكية، والهدف الرئيس من هذه المساعدات والدعم اللامشروط هو تعزيز إستقلال هذه الدول سياسياً والعمل على تحررها الأقتصادي ، لأن لاقيمة للتحرر السياسي بدون التحرر الأقتصادي.
اما بعد غياب الاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية فأصبحت الدول النامية بشكل عام والدول الوطنية والتقدمية بشكل خاص بدأت تواجه سياسات القهر والاذلال والعبودية الرأسمالية المسلطة من قبل اميركا ومؤسساتها الدولية، فالقروض المقدمة من هذه المؤسسات كانت ولاتزال مشروطة بشروط سياسية واقتصادية قاسية وبفائدة عالية أرهقت اقتصاديات هذه الدولة وأوقعت هذه السياسة القاسية البلدان النامية في فخ المديونية فحتى عام 2010 بلغت المديونية الخارجية للبلدان النامية اكثر من(5) تريليون دولار، اما اليوم فكم أصبحت؟!.
وفي ظل تفكك الاتحاد السوفيتي قد فسح المجال أمام أميركا ومؤسساتها من أن تفرض سياسات اقتصادية لاتتلائم ولا تخدم مصالح شعوب البلدان النامية، ومنها تطبيق سياسة الاصلاح الأقتصادي والنهج الليبرالي المتطرف وتطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية والتي تتمثل في تحرير الاسعار وتحرير التجارة اي ليبرالية الاسعار وليبرالية التجارة وتطبيق سياسة الاصلاح الأقتصادي وتنفيذ برنامج الخصخصة سيء الصيت وابعاد دور الدولة من الميدان الأقتصادي والأجتماعي والعمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الرأسمالي. ان جوهر هذه الوصفة"السحرية" والسوداء هو بناء نظام رأسمالي في هذه البلدان ، تابعة وفاقدة لامنها وسيادتها الوطنية، وهذه السياسة تخدم فئة طفيلية لايتعدى وزنها الأجتماعي- الأقتصادي 1-3 % من المجتمع. ان هذه المؤسسات الدولية عملت ولاتزال تعمل لصالح الاقتصاد الرأسمالي بشكل عام ولصالح الاقتصاد الرأسمالي الأميركي بشكل خاص بهدف معالجة الأزمات التي يعاني منها هذا الاقتصاد المصاب " بمرض السرطان" فبغياب الجزء الهام من المعسكر الأشتراكي قد سهل على اميركا ومؤسساتها فرض الهيمنة السياسية والأقتصادية على البلدن النامية، وبسبب ذلك فقدت وحرمت بلدان أسيا وافريقيا واميركا اللاتينية من المناورة السياسية والأقتصادية وفقدان البديل المضمون والمدافع عنها إلا وهو الاتحاد السوفيتي.
ان تفكك الاتحاد السوفيتي قد ساعد على التوسع المستمر لحلف العداون والشر العالمي الا وهو حلف الناتو من خلال إنظمام دول أوربا الشرقية وجمهوريات البلطيق لحلف الناتو، ويسعى قادة الناتو- اميركا العمل الحثيث على ضم اوكرانيا وجورجيا وغيرها من رابطة الدول المستقلة[ جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا]. ان سياسة حلف الناتو هذه التي تتصف بالغرور والعنجهية وتنذر بالخطر الجدي ليس فقط على جمهورية روسيا الأتحادية فحسب بل على العالم اجمع.
ان سياسة حلف الناتو التي تحدد وترسم من قبل الولايات المتحدة الاميركية بدأت تشكل قلقاً على غالبية دول وشعوب العالم وبدأ الحديث اليوم عن عودة سياسة الحرب الباردة بين اميركا وحلفائها من جهة وبين روسيا والصين من جهة اخرى فيلاحظ زيادة الانفاق العسكري العالمي، إذ بلغ تريليون و 300 مليار دولار لعام 2015، وكما تجاوز الانفاق العسكري الاميركي لنفس العام الـ(600) مليار دولار، في حين كان الانفاق العسكري الاميركي في عهد الرئيس الاميركي ريغان لم يتجاوز الـ(400) مليار دولار، لمن ولمصلحة من العودة لسباق التسلح؟ وضد من يتم تصعيد سباق التسلح؟!.
سابعاً: إن من أخطر نتائج غياب وتفكك الأتحاد السوفيتي وغياب الدول الأشتراكية في اوربا الشرقية وحَلَّ حلف وارسو ومجلس التعاضد الأقتصادي الأشتراكي (سيف)، على رابطة الدول المستقلة ودول اوربا الشرقية والبلدان النامية هي الآتي:- تنامي معدلات البطالة والفقر وتفشي معدلات الجريمة المنظمة وانتشار الأمراض وتدهور المستوى المعاشي للغالبية العظمى في هذه البلدان ,وتدهور منظم للبلدان التي طبقت سياسة الاصلاح الأقتصادي والنهج الليبرالي المتوحش. ومن الافرازات السلبية الاخرى هي التخريب المنظم والممنهج من قبل هذه الدول التي اخذت " بنصائح" خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لقطاع التعليم والصحة ومن خلال قلة دعم الدولة المالي لهذه القطاعات والسماح للقطاع الخاص من ان يمارس نشاطه في هذه القطاعات الهامة والحيوية ، أي القيام بخصخصة هذه القطاعات والنتيجة اليوم هي كارثية على هذه البلدان المطبقة لهذه الوصفة الصفراء ،ورافق ذلك تنامي معدلات الوفيات على الولادات وتفشي المخدرات وخاصة وسط الشباب والمتاجرة بالسلع الحية (نساء- اطفال) ، وكما افرزت ايضاً تنامي المديونية الداخلية والخارجية لغالبية الدول التي اخذت بتطبيق سياسة الاصلاح الأقتصادي والنهج الليبرالي ويعود السبب الرئيس الى غياب العلاقات الأقتصادية المتكافئة بين دول المركز ودول الاطراف ، وفشل المؤسسات الدولية المتمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين في معالجة اسباب المديونية واسباب العجوزات المالية سواء العجز في الميزانية الحكومية او العجز في الميزان التجاري او العجز في ميزان المدفوعات.
ان من أخطر النتائج الكارثية الأخرى بعد عملية تفكك الاتحاد السوفيتي هي انتشار الأمية واشباه الأميين في المجتمع وهذا لم يكن وليد صدفة ، بل شكلت ظاهرة أجتماعية خطيرة في هذه الدول، ناهيك عن هجرة العقول من هذه الدول الى البلدان الرأسمالية ولأسباب متعددة منها أقتصادية/ سياسية/ أمنية ، بدليل خلال الفترة(1992-2015) هاجر من روسيا اكثر من مليون ونصف عالم وخبير ومهندس وباحث واستاذ جامعي، وهذه خسارة علمية ومادية من الصعوبة تعويضها فالرابح الاول من هذه الهجرة هي البلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة وخاصة الولايات المتحدة الأميركية.

ثامناً: بعد عملية تفكك الأتحاد السوفيتي في عام 1991، أختل التوازن الدولي في الميدان السياسي والأقتصادي والعسكري والأيديولوجي لصالح الأمبريالية الأميركية وحلفائها واصبح العالم يواجه ويعيش في ظل هيمنة القطب الواحد، القطب الأميركي ، قطباً متوحشاً وجائعاً يسعى لأحتواء والتهام العالم لصالحه وتحت قيادته وخاصة خلال الفترة من عام 1991 ولغاية عام 2008، اما بعد ذلك فقد تغيرت موازين القوى السياسية نسبياً لصالح ظهور أقطاب جديدة تسعى لخلق التوازن على الصعيد الدولي وفي كافة الميادين من اجل خلق الاستقرار السياسي والأمني- العسكري والأقتصادي على الصعيد الدولي والحد من نفوذ ودور القطب الاميركي وتقليص دوره ونفوذه اقليمياً ودولياً. ان من أهم السمات او الخصائص التي يتميز بها النهج الاميركي وعلى مختلف الميادين والأصعدة هي التالي:-
في الميدان السياسي:
تعد الولايات المتحدة الأميركية الدولة الاولى في العالم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة وذات السيادة الوطنية، ضاربة عرض الحائط القانون الدولي وسيادة الدول، وهي الدولة الاولى التي تقوم "بصنع وأنتاج" المعارضة السياسية الموالية لها بهدف تحقيق اهداف سياسية وخاصة العمل على تقويض الأنظمة الرافضة لها، وهي تدعم وتساند هذه المعارضة السياسية، وهي الدولة الاولى في العالم التي أسست أول تنظيم ارهابي في العالم الا وهو تنظيم القاعدة بزعامة الأرهابي الاول في العالم وهو اسامة بن لادن بالضد من الاتحاد السوفيتي عندما كان الجيش السوفيتي في أفغانستان.
وهي اليوم تقف وراء مايسمى بالدولة الاسلامية في الشام والعراق (داعش) واخواتها من جبهة النصرة واحرار الشام وغيرها من التنظيمات الأرهابية ، فهذه التنظيمات الأرهابية قد توسع نفوذها ودورها ونشاطها العسكري في ظل مايسمى بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والا ماذا يفسر وجود اكثر من(60) دولة ((تحارب)) هذا التنظيم ولم يتم حسم الموضوع؟ ان اميركا استخدمت القاعدة كأداة ضغط سياسي وعسكري ضد الاتحاد السوفيتي في وقتها واليوم تستخدم القاعدة و(داعش) وأخواتها كأدوات ضغط سياسي وأقتصادي من اجل تقويض الأنظمة الرافضة لنهجها السياسي وماحدث ويحدث اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر... إلا دليل على ذلك.
وكما يلاحظ أن اميركا الدولة الاولى في العالم من يحدد رئيس هذه الدولة او تلك وهي تحدد شرعية هذا الرئيس او عدم شرعيته، فهي نصبت زين العابدين رئيساً لتونس وهي قامت بتنحيته، وهي نصبت السادات ومبارك، وهي قامت بتنحيتهم، وهي قامت بتنصيب ليغ فالينسا رئيسا لبولونيا وهي قامت بتنحيته ، وهي نصبت هافل رئيس لجمهورية جيكوسلوفاكيا وهي قامت بتنحيته وهي نصبت ساكشفيلي رئيس لجورجيا وقامت بتنحيته، وهي نصبت بروشينكو رئيس لأوكرانيا وسوف تقوم بتنحيته، عندما ينتهي دور الرئيس المنصب من قبل اميركا حسب وجهة نظرها يتم استبداله والامثلة كثيرة على ذلك، وان اميركا ليس لديها مشكلة او نقص في اختيار الشخصيات السياسية من (حلفاء- اصدقاء) لها فلديها احتياطي دائم من مثل هؤلاء ((الرؤساء))؟! . وهي الدولة الاولى في العالم التي تستخدم حجج وأهية وذرائع كثيرة من اجل تحقيق أهداف سياسية او غيرها ومن هذه الذرائع الشائعة والمعروفة هي(حقوق الانسان، والديمقراطية، والتعددية وتصفية اسلحة الدمار الشامل ومحاربة مايسمى بالأرهاب الدولي..) وماحدث للأتحاد السوفيتي خلال فترة مايسمى بالبيريسترويكا(1985- 1991)، وماحدث للعراق ومايحدث اليوم في البلدان العربية.. إلا دليل حي وملموس على ذلك.
ان الأمبريالية الأميركية الدولة الاولى في العالم البارعة في صناعة سيناريوهات الفوضى والتخريب السياسي والأقتصادي / الأجتماعي والأمني بهدف تقويض الانظمة ومنها على سبيل المثال سيناريو البيريسترويكا وسيناريو مايسمى بالعولمة ونهاية التاريخ وصراع الحضارات وسيناريو مايسمى بالربيع العربي وسيناريو مايسمى بمكافحة الأرهاب الدولي وغيرها من السيناريوهات القادمة ، والهدف الرئيس من صناعة هذه السيناريوهات هو تقويض الأنظمة الرافضة لسياسة اميركا والاستحواذ على ثروات البلد، وكما تحتل الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الاولى في العالم في صناعة وتخطيط الأنقلابات الحكومية الفاشية بدليل ما حدث في ايران 1953، وفي العراق عام 1963، وفي أندونيسيا عام 1965 ، وفي شيلي عام 1973، وتم أزاحة (صديقها) شفير نادزه كرئيس لجورجيا وتنصيب ساكشفيلي رئيسا لجورجيا ، وفي شباط عام 2014 قامت اميركا بأنقلاب فاشي وبأمتياز في أوكرانيا وتمت أزاحة الرئيس المنتخب شرعياً وتنصيب بورشينكو رئيساً لأوكرانيا وهو أداة طيعة ودمية منفذة لأميركا ، وكما هو معروف ان اميركا هي الدولة الاولى في العالم في ممارسة عملية التجسس السياسي والأمني والاقتصادي والعسكري على قادة ودول العالم بما فيها حلفاءها في الغرب الأمبريالي. وتحتل الولايات المتحدة الدولة الاولى في العالم التي تصدر نموذجها السياسي والأقتصادي- الأجتماعي- اي النموذج الرأسمالي لدول العالم عبر سيناريوهات متعددة واساليب غير شرعية وغير قانونية ومنها التأمر والانقلابات الفاشية والحصار الأقتصادي وخلق مايسمى بالمعارضة السياسية وغيرها.
2- في الميدان الأقتصادي
ان الولايات المتحدة الاميركية تحتل المرتبة الاولى في العالم في الميادين التالية في المديونية وفي الانفاق العسكري لعالمي، وفي العجوزات المالية في الميزانية الحكومية وفي ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وفي استهلاك المخدرات ، حيث يستهلك الشعب الاميركي مايقارب من 50% من انتاج المخدرات في العالم، وهي الدولة الاولى التي لاتوجد فيها العدالة الأجتماعية والأقتصادية، بدليل مابين(400-450) عائلة اميركية تستحوذ على حصة الأسد من الدخل القومي وهي الدولة الاولى في العالم التي تواجه الأزمات المالية والأقتصادية وخير دليل لنا أزمة (2007-2008) وفشلت في ايجاد حلول جذرية لهذه المشكلة ولكنها "نجحت" في تصدير أزماتها الى الخارج ، الى شعوب ودول العالم، وهي الدولة التي تفرض عملتها على دول العالم وبالقوة العسكرية بالدرجة الاولى وليس بقوتها الأقتصادية ، وهي الدولة الاولى في العالم التي تستخدم المؤسسات الدولية ومنها صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية لمصالحها السياسية والأقتصادية ، وكأدوات ضغط سياسية وأقتصادية على الدول المناهضة لسياستها، وهي الدولة الاولى في العالم التي تستخدم اسلوب الحصار الأقتصادي والسياسي والمالي ضد الدول الرافضة لنموذجها الأقتصادي الأجتماعي ومنها ، كوبا الأشتراكية ، كوريا الشمالية ,العراق، ايران... واليوم فرض الحصار على جمهورية روسيا الأتحادية، غريب حقاً، إذ تم التعامل مع روسيا كدولة عظمى بهذا الأسلوب فكيف يتم التعامل مع بقية دول العالم وخاصة البلدان النامية...؟َ.
تعد الولايات المتحدة الاميركية الدولة الاولى في العالم التي تتبع سياسة اقتصادية تهدف الى تكريس تبعية الدول لها وتكريس تخلفها ونهب ثرواتها وبأساليب متعددة وكما تحتل المرتبة الاولى في اسلوب تصريف وتصدير ازماتها المتعددة الى الخارج ، وماحدث ويحدث اليوم في بلدان اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية ودول اوربا الشرقية ورابطة الدول المستقلة الا دليل حي وملموس على ذلك. وهي الدولة الاولى في العالم الرافضة لاقامة نظام اقتصادي دولي عادل يقوم على مبدأ التكافؤ والنفع المشترك وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعد اميركا الدولة الاولى في العالم التي تملك عدة اجهزة امنية وفي مقدمتها جهاز وكالة المخابرات المركزية الاميركية (C.I.A) والتي تجاوزت ميزانيتها المعلنة اكثر من (30) مليار دولار واعطيت لها صلاحيات واسعة من اجل تقويض الانظمة وعمليات الاغتيال والتجسس وغيرها، وان اميركا تحتل المرتبة الاولى في اشعال الحروب غير العادلة في العالم بشكل عام وفي البلدان النامية بشكل خاص.
تعتبر الولايات المتحدة الدولة الاولى في العالم التي تتدخل في الشؤون الداخلية للدول ، فمثلاً وفي زيارة بايدن لموسكو عام 2011 طلب من الرئيس الروسي بوتين بعدم ترشيح نفسه للرئاسة، ورفض الطلب، وكما طلب بايدن من الرئيس الاوكرايني بورشينكو بتغير المدعي العام في اوكرانيا مقابل تقديم مليار دولار كمساعدة وتم تنفيذ الطلب فوراً، والشيء الغريب في الأمر، ان السفير الأميركي في البلدان (الحليفة – الصديقة) لأميركا يعد من الناحية العملية هو رئيس تلك الدولة وهو يوجه الدولة التي يعمل بها كسفير وممثل لأميركا أما السفير الأميركي في الدول الاخرى فمهمته التأمر وشراء الذمم وتقويض الأنظمة وكما قامت اميركا بضخ(5) مليار دولار عام 2015 لزعزعة النظام السياسي والأقتصادي والأمني في روسيا وشراء الذمم، وخلال العشرين سنة الاخيرة انفقت اميركا (20) مليار دولار بهدف ترويض ، تقويض النظام في موسكو ، ومن هنا يمكن القول ان الأمبريالية الاميركية قد اعلنت الحرب الباردة ضد روسيا وضد الرئيس الروسي بوتين سواء بشكل علني او خفي بهدف تقويض النظام الحاكم في روسيا.
نعتقد ان تكرار سيناريو تفكيك الاتحاد السوفيتي لن يتكرر في روسيا والسبب الرئيس يعود الى أن الغالبية العظمى من الشعب السوفيتي- الروسي قد أدركوا ان جميع المصائب والكوارث التي حلت في بلادهم هي بسبب تدخل اميركا وتأمرها على الشعب السوفيتي وان شعبية الرئيس بوتين اليوم عالية تتجاوز 75% من الشعب يؤيده في مواقفة وسياساته الخارجية بالدرجة الاولى وخاصة الدعم المادي والعسكري للشعب السوري والعلاقة القوية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مع جمهورية الصين الشعبية والتعاون مع جمهورية ايران الاسلامية سياسياً واقتصادياً وأمنياً ، الرفض العلني للنهج الأميركي وتدخلها السافر في شؤون دول العالم.
ان روسيا تملك من القوة العسكرية مايمكنها من الدفاع عن نفسها وعن حلفائها ، وهي دولة غنية في مواردها البشرية والمادية ولكنها تحتاج الى إعادة النظر في نهجها الأقتصادي – الأجتماعي المعمول به حالياً. فلو كان الاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية لم يتم تفكيكها بفعل التأمر والخيانة العظمى من قبل غورباتشوف وفريقه لما إستطاعت الأمبريالية الأميركية وحلفائها من إشعال الحروب غير العادلة وتحت سيناريوهات كارثية بالضد من الشعوب والدول الرافضة لنهجها العداوني، ولما استطات من ان((تحرق)) منطقة الشرق الاوسط تحت سيناريو(الربيع العربي) فاليوم يقف العالم وشعوبه على مشارف وأبواب حرباً عالمية ثالثة في حالة استمرار الولايات المتحدة الاميركية على نهجاً المعمول به اليوم ضد شعوب العالم.

تاسعاً: العدالة الأجتماعية - الأقتصادية
إن النظام الأشتراكي ، هو النظام الذي يحقق العدالة الأجتماعية والأقتصادية للمواطنين وبدون تمييز وهذه الحقوق مكفولة ومضمونة وفق الدستور الأشتراكي ومطبقة على أرض الواقع الملموس . ان اهم الحقوق الاساسية والرئيسية للمواطن هو ضمان حق العمل، والعمل يعطي الديمومة والنشاط للمواطن في حياته الطبيعية ، ولايمكن لأحد من سلب هذا الحق الشرعي او طرده من العمل ولأي سبب كان، وهذا يعني في الأشتراكية لايوجد فيها عاطلين عن العمل اصلاً لأن البطالة تعني (الموت) البطئ للأنسان،وهنا يمكن القول ان النظام الأشتراكي يمنح الفرص لجميع المواطنين وحسب الاختصاص في حق الحياة والرفاهية والرخاء وهذا ماتم تطبيقه على أرض الواقع في الأتحاد السوفيتي وبقية الدول الأشتراكية الاخرى. اما النظام الرأسمالي ، فهو مجتمع طبقي وبدرجة إمتياز ، يهتم بالطبقة البرجوازية الحاكمة بالدرجة الاولى. وهذه هي طبيعة هذا النظام ويستخدم قوة عمل الغير وفقاً لحاجاته بهدف تعظيم الأرباح الخالية، وهو نظام يشدد الاستغلال والأضطهاد الطبقي للطبقة العاملة وحلفائها.
ان النظام الأشتراكي ، يضمن ايضاً حق التعليم ولجميع المراحل ويضمن العلاج والسكن المجاني وضمان الشيخوخة للمواطن. ان جميع هذه الحقوق مضمونة ومكفولة دستورياً ومجانية وبدون تمييز، إنه مجتمع غير طبقي وعلى هذا الاساس فأنه النظام الوحيد الذي يضمن ويحقق العدالة الأجتماعية والأقتصادية بمفهومها الأنساني ، وهنا تكمن اهمية وأفضلية النظام الأشتراكي على النظام الرأسمالي الطبقي وبأمتياز.
ان الأشتراكية هي اكثر فاعلية وجدوى اقتصادية / أجتماعية من الرأسمالية ، بدليل في عام 1990 انتج الاتحاد السوفيتي (213) الف تراكتر و (74) الف ماكينة حصاد ، أما في روسيا الرأسمالية وفي عام 2015 انتجت(6400) تراكتر و(2700) ماكينة حصاد، وفي عام 1990 بلغ عدد الماشية في الاتحاد السوفيتي نحو (57) مليون رأس ، اما في روسيا ولعام 2011 بلغ عدد الماشية نحو(20) مليون رأس فقط.
في عام 1990 انتجت روسيا السوفياتية (74200) ماكينة قطع المعادن ، اما في روسيا عام 2011 فبلغ الانتاج نحو (3300) ماكينة قطع المعادن، وفي عام 1990 انتجت روسيا السوفياتية 18341 ماكينة نسيج، و 14100 ماكينة بلدوزر، اما روسيا في عام 2011 فانتجت (11) ماكينة نسيج، و(1800) بلدوزر. لقد بلغ عدد العاملين في القطاع الصناعي في ظل الأشتراكية نحو (24) مليون مهندس وعامل مهني..، وفي عام 1992 تقلص العدد الى (11) مليون مهندس وعامل ويعود السبب الرئيس الى تنفيذ برنامج الخصخصة، وفي عام 2014 وصل عدد العاملين في القطاع الصناعي نحو(3) ملايين مهندس وعامل.
اما القطاع الزراعي، وفي عام 1990 بلغ عدد العاملين فيه الى اكثر من (10) مليون شخص اما اليوم، اي في عام 2015 بلغ نحو(6.7) مليون شخص ، وفي الاتحاد السوفيتي بلغ عدد العاملين في القطاع التجاري نحو(6) مليون شخص ، اما في روسيا اليوم ولعام 2016 بلغ عدد العاملين في القطاع التجاري نحو (12.6) مليون شخص ، وزاد عدد العاملين في القطاع المالي في ظل السلطة السوفياتية من (400) الف الى (1,312) الف شخص في روسيا لغاية عام 2016 ، وهذا يعني أن روسيا الرأسمالية قد تحولت أنشطتها من قطاع الأنتاج الى قطاع الخدمات وبشكل كبير وسريع ، مما أثر ذلك سلباً على الدولة والمواطن في آن واحد، اي تحولت من دولة ، انتاجية الى دولة استهلاكية بأمتياز ولغالبية السلع.
اما في مجال الدخول النقدية الشهرية للمواطنين السوفيت- الروس، إذ يلاحظ ان متوسط الأجر والمرتبات في ظل الأشتراكية ولعام 1990 بلغ(300) روبل سوفيتي ، اي مايعادل اليوم (180) الف روبل في ظل روسيا الرأسمالية ولعام 2016، ومتوسط المرتب التقاعدي نحو (97) روبل اي مايعادل اليوم نحو (25) الف روبل في روسيا الرأسمالية . وان 20% من المواطنين الروس في ظل الرأسمالية يحصلون على دخل نقدي شهري اقل من(7000) روبل اي مايعادل (107) دولار، وان ثلثي عدد سكان روسيا الاتحادية يعيشون بدخل نقدي شهري نحو(15) الف روبل، اي مايعادل (230) دولار، ويوجد (23) مليون مواطن روسي يحصل على دخل نقدي شهري نحو (10) الف روبل اي مايعادل نحو (153) دولار، وان متوسط المرتب الشهري لعام 2016 نحو (21.5) الف روبل اي مايعادل (320) دولار اميركي ، ومتوسط المرتب التقاعدي لعام 2016 نحو(12) الف روبل اي مايعادل (184) دولار في الشهر [1 دولار = 65 روبل لشهر ايلول 2016] .
إن الحد الادنى الضروري المطلوب للعيش للفرد الواحد شهرياً يتراوح مابين (20-25) الف روبل كحد للكفاف في العيش ، في حين تم احتساب الحد الادنى الضروري للعيش من قبل الحكومة الروسية لشهر تموز عام 2016 نحو (9956) روبل . وكما يلاحظ ان الفرق بين متوسط الأجر والمرتبات في ظل الأشتراكية والحد الاعلى للمرتبات هو مابين (3-4) مرة، اما في روسيا فظهر اليوم (200) ملياردير، استحوذوا على حصة الأسد من ثروة ودخل الشعب الروسي، وان الدخل النقدي اليومي لأحد المتنفذين في السلطة الروسية يبلغ (4,7) مليون روبل ، اي اكثر من (144) مليون روبل في الشهر ، وان الدخل الشهري لأحد اعضاء الهيئة الادارية لشركة (روس نفط) ولعام 2014 قد بلغ (3,7) مليار روبل، وهذا اكثر من(1000) مرة من متوسط الأجور والمرتبات الشهرية، وهناك فئة تحصل على مرتب شهري يتراوح مابين (200-400) الف روبل، ومتوسط الاجر الشهري للعاملين في القطاع المالي نحو (69) الف روبل اما في القطاع الزراعي نحو(17) الف روبل وراتب البروفيسور الجامعي لايتعدى (500) دولار في احسن الأحوال فأين العدالة الأجتماعية والأقتصادية في النظام الرأسمالي؟!.
اما بخصوص مشكلة السكن، فالسكن في الأشتراكية كان مجاني، اما في الرأسمالة فان 90% من السكن اليوم في روسيا غير مجاني في يَد وهيمنة القطاع الخاص وبأسعار خيالية، فعلى سبيل المثال وبمتوسط المرتب الشهري(500) دولار وسعر الشقة المكونة من 3 غرف وبعيدة عن مركز العاصمة موسكو يتراوح سعرها مابين(500-600) الف دولار، فكم سنة يحتاج المواطن الروسي الشاب الغير مضمون العمل له، وان ضمن له حق العمل ، فهو مؤقت ، فكم سنة يحتاج من اجل شراء هذه الشقة؟!.
أذن من يضمن العدالة الأجتماعية- الأقتصادية للمواطن؟!.