ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (35)

طلال الربيعي
2017 / 5 / 29

خلال فترة المنفى، ولأنه من الصعب أن يجد مسرحا لإنتاج عمله, اضطر بريخت لتطوير أشكال جمالية جديدة, ولهذا الغرض كتب الاعمال Me-Ti, the Keuner stories, and the Tui novel, as Brecht s Arbeitsjournal, التي يمكن اعتبارها على أنها توسع في تجاربه الجمالية وشمولها عالم الأدب النثري. وتجسد احدى هذه التجارب, مي-تي Me-Ti، مبادئ علم الجمال السياسية في مجال ادب النثر، وذلك في حين انها تشكل, في نفس الوقت, تعبيرا عن الصراعات السياسية في وقته. كما انها تكشف التناقضات والغموض في الموقف السياسي الخاص ببريخت.

ظل العمل مي-تي غير منشورا في حياته. ويحذر الكتاب من السعي لبناء تصورمتكامل جدا عن العالم. يتكون الكتاب من أشعار وقصص شخصية وتقييم للسياسة المعاصرة آنذاك. ونظرا لطبيعة العمل المثيرة للجدل، سعى بريخت للتمويه، وذلك باستخدام اسم الفيلسوف الصيني المعاصر لسقراط مي-تي Me-Ti، الذي يعرف اليوم باسم موزي Mozi. في هذا الكتاب, اسس يريخت اخلاقية عملية وفلسفية مضادة للمنهجية (لربما متأثرا بذلك بافكار صديقه القريب منه جدا فيلسوف العلم الكبير فيرآبند Paul Feyerabend, الذي كتب كتابا واسع الانتشار يرفض فيه المساواة بين منهجية محددة والعلم, وذلك في كتابه الذي اشرت اليه في حلقة سابقة والمعنون Aginst Method). وفي هذا الكتاب مي-تي, يناقش بريخت الديالكتيك الماركسي، لينين, ستالين, هتلر, محاكمات موسكو، والنظريات بخصوص الأحداث الجارية وقتها. وفيه يحذر من, ويشرح, كيفية استخدام الأيديولوجية لجعل الناس "خدام للكهنة".

وقد كتب بريخت نص هذا التكاب في المنفى خلال الثلاثينيات والأربعينات من القرن الماضي، وكان العمل متأثرا بعمق بتعاون بريخت مع الفيلسوف كورش. بدأ بريخت جمع شظايا لكتاب عن الأخلاق الاجتماعية بعنوان "Buechlein mit Verhaltenslehren" (كتيب عن التربية الأخلاقية). خلال الفترة من 1935-1936، عندم اقام كورش مع بريخت في الدنمارك، واصل بريخت العمل على المشروع وتوسيعه في كتاب عن الأخلاق الاجتماعية على أساس تعاليم الفيلسوف الصيني القديم موتسي (باللغة الألمانية: مي تي), الذي يعكس افكار بريخت الساخرة والمركزة aphoristic بخصوص الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وامور عصره.

والعنوان الفرعي للكتاب مي-تي هو "كتاب التغييرات"، و"التغييرات" هو مفهوم كان مستمدا من النص الصيني الكلاسيكي I, Ching I- تشينغ، أو كتاب التغييرات Book of Changes". والكتاب مي-تي ذو قيمة خاصة في التعبير عن موقف بريخت المعقد تجاه الماركسية لأنه يقدم حوارات بين المنظرين الماركسيين الرئيسيين باستخدام الأسماء الصينية المستعارة للاشارة الى المنظرين الماركسيين الكبار. فقد كان بريخت نفسه في وقت واحد منجذبا لأفكار الاشتراكية الديمقراطية التي تبناها اشخاص مثل لوكسمبورغ وكورش وكذلك الى شيوعية لينين وستالين. وقد سببت اعمال بريخت المعارضة للماركسية ألارثوذوكسية في كل من السياسة والجماليات الى عداء بينه وبين الحزب الشيوعي الألماني, وكذلك في نقاشات حادة بينه وبين لوكاش الذي كان ممثلا للمذهب الجمالي الماركسي الرسمي المتمثل في الواقعية الاشتراكية. على الرغم من أن بريخت كان له موقفا متناقضا داخل الحركة الشيوعية، إلا أنه قدم نفسه كماركسي أرثوذوكسي، و كمؤيد قوي للينين، ودافع علنا ​---​---عن الأرثوذكسية الشيوعية في فترة ستالين. ولكن بريخت كان يعاني من تمزق في مشاعره ومن شكوك متعلقة بالستالينية والتطورات في الاتحاد السوفياتي. وجدت هذه الشكوك، التي كانت بريخت قد اسر بها الى منشقين ماركسيين مثل كورش وبنيامين، تعبيرا أدبيا لها في مي-تي، الذي هو واحد من أهم المصادر لقياس تأثير كارل كورش على بريخت وتناقضات بريخت السياسية.

على الرغم من أن بريخت يدرج نفسه في الحوارات، فإنه لا يمثل وجهة نظر متميزة، ولا مي-إن-ليه (لينين)، السيد كو (كورش)، أو أي من المشاركين الآخرين. وبالتالي فإن قراء هذه التجربة الأدبية هم زملاء عمل يساهمون من خلال لتفكير الخاص بهم في إنتاج نقد ثوري والتفكير في النظرية والممارسة الماركسية، فضلا عن الأخلاقيات العملية. في الواقع، يرى بريخت أن الأخلاق والسياسة متشابكة مع بعضها البعض وان احد أهداف مي-تي هو جعل هذه الصلة واضحة ومقنعة.

في كامل العمل مي-تي، يطبق بريخت المفهوم المادي للتاريخ بخصوص تاريخ المادية التاريخية، كما فعل كورش في وقت سابق. وفي هذا العمل, تقبل بريخت الكثير من نقد كورش للستالينية، وأخذ على محمل الجد حجة كورش بأن مجالس العمال (السوفيات اوالمشار اليها ك R”---te) كانت أجهزة أصيلة للاشتراكية وليس البيروقراطية الحزبية. مثل كورش، يحلل بريخت كيف ان ممارسات ماركسية لاحقة نجحت او فشلت في تحقيق أفكار ماركس، والتي كانت بدورها تقيّم بشكل نقدي من حيث النتائج التي حققتها (او فشلت في إنتاجها). ففي المقطع "The Opinion of philosopher Ko Concerning the Construction of the Order in Su "فكر الفّيلسوف كو بشأن بناء الأمر في سو", يكشف بريخت عن تعقد الوضع عند تحليله التطورات في الاتحاد السوفيتي ومقاربتها بالماركسية. و في هذا الكتاب يشير بريخت الى الديالكتيك كالمنهج الكبير "die groß---e Methode", والى الشيوعية كالنظام الكبير "die groß---e Ordnung", والى الرأسمالية كالأضطراب الكبير "die groß---e Unordnung". واشار بريخت في الكتاب الى ان لينين "انشأ جهازا قويا للدولة لبناء النظام الكبير الذى يجب ان يصبح بالضرورة عائقا امام النظام الكبير فى المستقبل المنظور".

في الكتاب يشير بريخت إلى مذهب ماركس بخصوص اضمحلال الدولة عند الانتقال الى مرحلة اعلى من الاشتراكية (الشيوعية), بما مضمونه وعلى وجه التحديد ان بناء نظام بيروقراطي في الاتحاد السوفيتي كان سيشكل حجر عثرة كأداء في طريق بناء اشراكية ذات مضمون اكثر ديمقراطية, وكما حصل في الواقع. وكان ذلك اشارة مبطنة الى اعتقاد كورش إلى أن "بيروقراطية ستالين من شأنها أن تمنع تطورالاشتراكية التحررية". وحتى ان بريخت قد استعرض فكرة كورش بأن "النظام يعمل بشكل سيئ للغاية ويتحلل باستمرار، ويبعث رائحة حادة (مقززة)."

وعلى سبيل المثال، يشكل المقطع المعنون (The Trials of Ni-En (Stalin "محاكمات ني أون [ستالين]" انتقادات حادة لمحاكمات ستالين وقمع المعارضين له. وانه من المثير للاهتمام اختيار الاسم الصيني المستعار (أون) للاشارة الى ستالين لان اون تعني "لا" (حرف نفي) في الصينية، مما يعني بالتالي ان ستالين هو قوة سلبية. ولكن بريخت ينظر ايضا الى ستالين باعتباره "مفيدا" في عبارة بر يخت لبناء الاشتراكية لأن ما قام به ستالين في الواقع كان شيئا مفيدا لبناء الاشتراكية، على عكس المثقفين (Tuis بريخت) الذين يجيدون فقط الحديث وليس لديهم عبء اتخاذ القرارات الحقيقية. بريخت يعتقد ضمنا في حين أنه قد يكون من المفيد إزالة أعداء الاشتراكية، حتى من خلال المحاكمات، لكن المحاكمات الشكلية الستالينية قد اساءت للشعب . وهكذا يقدم بريخت موقفا يتميز بالاشكالية والتعقيد تجاه محاكمات ستالين لخصومه واقامة معسكرات الإرهاب والموت.

وفي المقطع "الحكم الاستبدادي ني-أون", ينتقد بريخت بشدة حكم ستالين الاستبدادي والارتداد إلى النموذج السلطوي للإمبراطور. ويشير بريخت إلى النسب بين لينين وستالين في تحقيق لينين الاستيلاء على السلطة وتراجع ستالين. ويشير بريخت الى تخلف روسيا كعامل مساعد في قيام وضع يسهل لمستبد مثل ستالين ان يمارس السلطة المطلقة في غياب التقاليد الديمقراطية الأكثر تقدما.

ويواصل بريخت نقده. ففي المقطع الخاص ب "البناء والانحدار تحت ني-أون", يشيد بريخت بالتقدم في االصناعة والزراعة الجماعية. بالنسبة لبريخت، شكلت الاشتراكية وضعا أفضل للإنتاج. ويبدو ان بريخت بدأ التفكير بان الاتحاد السوفياتي قد استطاع قدح شعلة الثورة في الإنتاج ويمكن أن يستحق الثناء من وجهة نظر اقتصادية بحتة. ولكن في الجانب السياسي طورالاتحاد السوفييتي شكلا من أشكال الاستبداد وليس الديمقراطية. ويلاحظ بريخت ايضا كيف تضررت الأحزاب الشيوعية خارج الاتحاد السوفيتي وشيوعيين جيدين في داخله بسبب عدم وجود الديمقراطية السياسية. ولكن بريخت ينتقد ايضا السيد كو (الفيلسوف كورش) لابتعاده عن المنهج الكبير, الديالكتيك. وهو نقد صحيح جزئيا فقط لأن كورش كان لا يزال مستمرا في الاعتقاد في اهمية الديالكتيك وباشتراكية المجالس الديمقراطية للعمال, وذلك على الرغم من رفضه بوضوح شيوعية الاتحاد السوفياتي.

يمكن للمرء أن يجادل ان كتاب بريخت مي-تي هو وجهات نظر بريخت في ما يقترحه للنقاش ولم يبد هو موقفه. وهو لم يرغب في نشره اثناء حياته لتجنب مهاجمة ستالين والاتحاد السوفياتي علنا. ولكن كتابه هذا, اضافة الى اعمال اخرى, يشكل دلالة بالغة على استمرار بريخت في التفكير مليا في توفير الأسس للجمالية الماركسية.
يتبع
..........
مصادر ذات صلة
1. VOM STARKEN B.B
http://www.spiegel.de/spiegel/---print---/d-46266332.html
2. Bertolt Brecht s Me-ti: Book of Interventions in the Flow of Things
https://www.amazon.com/Bertolt-Brechts-Me-ti-Interventions-Things/dp/147257916X
3. I CHING. THE BOOK OF CHANGES
Emperor Fu Hsi
http://www.labirintoermetico.com/09IChing/I_Ching_(trad._Legge).pdf