هذا ما فعله المتطرفون بالمصريين

سامح عسكر
2017 / 5 / 26

منذ 40 عاما انتشرت دعاوى أسلمة الدولة، ونادت صحف السلفيين بتطبيق الشريعة..حتى صفحات الدين في الجرائد القومية كانت تناقش وضع الأقباط في دولة الإسلام وأنهم أهل ذمة، ودفعهم للجزية واجب لكن بعد تطبيق الشريعة، فهيئوا الناس أن نظام السادات وحسني مبارك هي أنظمة كافرة بطريقة غير مباشرة..

وبعد غزو القنوات السلفية المجتمع المصري تم شرح كل هذه العقائد والأفكار السابقة بطريقة رجل الشارع، فانتقلت الكلمة من الصحيفة إلى أذن المواطن ففهمها وعيها..فانتشرت السلفية أكثر وبات أي متدين مصري هو سلفي بالضرورة..

اليوم استشهد 35 قبطيا في حادث إطلاق نار على أتوبيس في محافظة المنيا، أكثرهم من الأطفال الذين خرجوا في رحلة طبيعية دعمتها الكنيسة لأحد الأديرة، ففوجئ العالم كله بهذا الحادث..ركن في مصر تعاملنا معه بجفاء نظرا لتعدد حوادث قتل الأقباط في الفترة الأخيرة للحد الذي أصبحت فيه هذه الجرائم شيئا اعتياديا عمليات قتل جنود الجيش في سيناء، وبعد سماع المواطن الخبر لأول مرة يرد ويقول: ما الجديد..!

إن حوادث قتل الأٌقباط هي ترجمة عملية للتراث الديني المقروء في الكتب منذ قرون، وعملية إحياءه في عصر التكنولوجيا لم تكن مكلفة..فقط مجرد رحلة حج وعمرة أو تأشيرة عمل للسعودية أو جمعية خيرية تساعد الفقراء بأسلوب المبشرين الكاثوليك.. حتى شرب المصريون أفكار البدو العنيفة ضد الآخر..وتحولت مصر من واحة التسامح الديني والمعرفة إلى وباء إرهابي عنيف استشرى في جسد الأمة كلها..

يجب أن لا نهرب من الحقيقة، صحيح توجد مؤامرة على مصر من جهات لا تريد لمصر الاستقرار والنهوض، لكن هؤلاء المتآمرين ليسوا المشكلة، لدى مصر نظام تعليمي فاسد ونظام إداري طائفي يفرض ذكر الديانة في بطاقة الهوية، أي لو أرادت مصر مكافحة التمييز والعنصرية عليها بالنظام الإداري للدولة وتفعيل حق المواطنة حقيقيا..وليس شكليا كما هو معهود منذ سنوات يتحدثون عن المواطنة في الإعلام..بينما سلوكيات الدولة والحكومة ترسخ التمييز والعنصرية ضد أبناء الوطن..

لنعرف حجم مصيبتنا جيدا..الأزهر الذي تم تكليفه بتجديد الخطاب الديني لا زال ينظر لكتب التراث الديني نظرة معصومة مقدسة، فالبخاري إله لا يجوز نقده أو الاستشكال عليه، ونقد كتابه بمثابة طعن في الدين، وآراء المفسرين الإسلاميين للقرآن أخذت شكل العصمة وأصبح اعتراضهم يوجب الاستبعاد من الحياة، رغم أن الإرهابي يعتمد على أحاديث البخاري وآراء هؤلاء المفسرين في شرعنة رأيه وإكسابه بعداً أخلاقيا..

منذ عدة أشهر حبست الدولة الشيخ .."محمد عبدالله نصر"..بتهمة ازدراء الدين، بينما من يدعو لتكفير وقتل الأقباط وأخذ الجزية منهم حر طليق، ومن يدعو لكراهية أبناء الوطن والتمييز ضدهم في العقيدة يأخذ أعلى المناصب وأصبح ضيف دائم على الإعلام..أعيدوا النظر في قوانين الدولة ونظامها التعليمي والإداري..فالإرهاب فكرة قبل أن يكون سلاح، والقضاء عليه أيضا بالفكرة وليس بالسلاح ودعاوى النفاق الإعلامي التي مل من سماعها الناس..

منذ حادثة تفجير كنيسة القديسين في مطلع عام 2011 والدولة تبحث عن مبررات وحجج برائتها، وتلقي باللوم على الجماعات والمؤامرات، بينما لم تنظر في الشريان الذي يغذي تلك المؤامرات والجماعات كلها، فالثقافة الدينية المتشددة ضد المسيحيين تغزو الشعب المصري، والاتجاه العام للدولة يحرم المسيحيين من المناصب العليا، وهذا اتجاه شائع منذ زمن عبدالناصر الذي لم يذكر التاريخ أكثر من تعيينه .."رمزي ستينو"..وزيرا للتجارة، بينما حرموا الأقباط من أعلى المناصب ومؤسسات الأمن في الجيش والشرطة..

الإسلام السياسي لم يكن عاصفة هوجاء في صحراء قاحلة، بينما زرع أخضر في تربة مستوية ناضجة بكل قيم التخلف والعنصرية، فالإخوان لم ينتشروا بين المصريين إلا بفضل الخطاب الديني المتشدد والرجعي الذي عاد بالشعب قرون إلى الوراء..في حين يتطور العالم كله وأصبح يمتلك أعلى الثقافات والتقنيات، وبفضل هذا الصعود الإخواني يعاني العالم أجمع الآن من موجة إرهاب عالمية لم تسبق لها مثيل..بل هي أخطر وأوسع من موجة التسعينات وبداية الألفية مع تنظيم القاعدة..

يجب الاعتراف أن تفكيك مصر والعرب هو هدف من قوى دولية وإقليمية تستغل عامل الضعف الكامن في المنطقة بأسرها، إسرائيل استفادت من سقوط سوريا والعراق..السعودية استفادت من سقوط مصر..أمريكا استفادت من سقوط الجميع، ولولا تدخل روسيا في سوريا لانعدم الأمل بالرجعة وطاشت كل أقلام التصويب وأصبح مجرد ذكر الكرامة الوطنية والاستقلال والاعتدال هو ضرب من الخيال..

أمريكا عندما دعمت الأصولية الإسلامية لم تكن فقط تهدف لإسقاط الشيوعيين والسوفييت، بل هدفت في المقام الأول زرع جرثومة تخلف دائمة في مجتمعات العرب تمنعها من التماسك والسلام، هذه الجرثومة التي ما زلنا نعاني منها الآن بعد أكثر من 30 عاما على زرعها لتنجب رأسا شيطانيا متعدد الأذرع والخلايا ينفث سمومه في كل جنبات المجتمع، بل عملت على دعم الاستبداد وقوى الرجعية لتأخذ هذه الجرثومة شرعية شعبية وسلطوية لتستمر الأزمة إلى الأبد..

المسيحيون في مصر أصبحوا تحت المجهر، فالعالم ينتظر منهم تماسكا أو ردود أفعال تتماشى مع طبيعة الحدث وحجم اضطهادهم الشعبي في مصر، ومدى إهمال الدولة في حمايتهم..وحجم النفاق المستشري في إعلام مصر نتيجة لتسلط رعاع الفكر على الإعلام، وأزعم أن التعاطف معهم أكثر من أن يؤدي لإنقاذهم أو إنقاذ مصر التي تتعرض الآن لعملية تغيير ديموغرافي هائلة لأول مرة في تاريخها الحديث..وما حوادث تهجير الأقباط من سيناء وبعض قرى الصعيد إلا جرس إنذار