من إستلهم الآخر إبن شُهَيد أم المعري؟.. نظرات جديدة في غفران أبي العلاء

شكيب كاظم
2017 / 5 / 25

لقد تابعت كتابات وأبحاث عدد من الباحثين والأكاديميين السوريين أمثال: محمد كرد علي والدكتور زكي المحاسني والدكتور شكري فيصل وعبد الله اليافي وعبد الكريم الناعم وعفيف البهنسي ونصر الدين البحرة والدكتور رضوان قضماني وعبد الكريم اليافي والدكتور شاكر الفحام رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق المتوفى يوم الأحد 29/من حزيران/2008 ومحمد راتب الحلاق والمفكر برهان غليوم وجورج طرابيشي والدكتور عبد الكريم الأشتر (توفي في تشرين الأول 2011) وصادق جلال العظم وغيرهم.

ولدى أنتقالي للعيش في سوريا خلال عامي 2007 و 2008، وترددي على معرض الكتاب العربي ودار مكتبة الحقائق بحمص، التي تولت طبع كتابي( أحاديث تراثية . حين يكون التراث مرجعا وملهماً) فلقد جلب انتباهي كتاب للأستاذ الدكتور عمر موسى باشا (1925-2016)، الأستاذ في كلية الآداب بجامعة دمشق ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها، الكتاب يتناول شأناً اهتممت به كثيرا، واعني به البحوث العلائية؛ الأبحاث التي تدرس أبا العلاء المعري وأدبه وحياته، عنوانه (نظرات جديدة في غفران أبي العلاء) والكتاب في الأصل، الأبحاث التي ألقاها المؤلف الدكتور عمر موسى باشا على طلبة الدراسات العليا في الدبلوم الأدبي، دراسات في الأدب العربي قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة دمشق، والكتاب هذا الذي يقع في أكثر من ثلاث مئة صفحة، ونشرته دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر بدمشق، والعماد مصطفى طلاس بعد ان تقاعد من العمل العسكري، أنشأ هذه الدار الأنيقة التي تقع في اوتو ستراد المزة قريباً من مبنى إتحاد الكتب العرب، وقد مررت عليها مرة فرحب بي أكثر من منتسب من منتسبي هذه الدار الرائعة، كما أصدر العماد طلاس العديد من الدراسات التأريخية والعسكرية والسياسية القيمة واستثمر وقت تقاعده وتفرغه أفضل استثمار، قراءةً وكتابةً.

إذن الكتاب عبارة عن دراسات في الشأن العلائي، وفي رسالة الغفران بشكل خاص، وأرى ان من المهم لكل من يريد الابحار في هذا السِفر العلائي المهم، أن يمهد له بقراءة هذا البحر اللجب من المعارف والتخريجات والتصويبات، التي قدمها الأكاديمي الباحث عمر موسى باشا ولعل من أهم النسخ الصادرة من (رسالة الغفران) النسخة التي حققتها الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) رحمها الله، التي اهتمت بأبي العلاء ومنجزاته المعرفية، فضلاً عن اهتمامها بالقصص القرآني، وهناك نسخة حققها الدكتور درويش جويدي صدرت طبعتها الأولى عن المكتبة العصرية صيدا-بيروت عام 1427-2006 وفي العراق كان للباحثة والرصينة الدكتورة نادية غازي العزاوي، جولات موفقة في البحث العلائي، نشرت طرفاً منها في كتابها المهم (المغيب والمعلن؛ قراءات معاصرة في نصوص تراثية).

لزوميات ابي العلاء

الكتاب المهم الذي قدمه الباحث الدكتور عمر موسى باشا، درس رسالة الغفران من جوانبها كافة، ومهد لهذا الدرس بالوقوف عند أهم منجزات أبي العلاء المعري:

سقط الزند، وهو الذي يمثل شعره في شبابه.

اللزوميات، وهذا الديوان، هو ديوان (لزوم ما لا يلزم) أي الزم أبو العلاء نفسه بنظم شعره على لون لم يسبقه أحد، كما لم ينهج على نهجه أحد لاحقاً، إذ كان يلتزم مع حرف القافية، الذي يسميه العروضيون (الروي) كان يلتزم مع رويه حرفاً آخر وليس بمستغرب هذا ممن الزم نفسه العيش في الثلاثة من سجونه، هو الذي عرف عنه بـ(رهين المحبسين) وقد نظم أبو العلاء ديوانه هذا على حروف المعجم، بذكر كل حرف فيه، سوى الالف بوجوهها الأربعة وهي الضم والفتح والكسر والوقف. رسالة الغفران، التي كتبها جوابا على رسالة وجهها إليه الأديب الحلبي أبو الحسن علي بن منصور الحلبي الملقب بـ(دَوخَلَة)(351-422هـ).

الايك والغصون: وهو كتاب ضخم يقارب المئة جزء كما يقول ابن خلكان في كتابه (وفيات الأعيان) بُني على إحدى عشرة حالة مع حالات حروف المعجم، اي ثلاث مئة وثمانية فصول، بضرب الحالات بعدد الحروف.

الفصول والغايات: وقد ألفه قبل الايك والغصون، إذ ذكره في مقدمته، وقد قدم الباحث الدكتور قيس كاظم الجنابي دراسة قيمة عنه نشرتها (الف ياء) الزمان عام 2009

كما يقف المؤلف طويلاً عند ابن القارح، الذي كان السبب الأول في أنشاء رسالة الغفران وفي الحياة الدنيا مصادفات جميلة، وأرى أن لو لم تسرق الرسالة التي كتبها أبو الفرج الزهرجي كاتب نصر الدولة الى أبي العلاء، وأستودعها أبن القارح كي يوصلها إليه، فسرق عديلُ ابن القارح رحلاً كانت فيه الرسالة، مما دفع به الى مكاتبة أبي العلاء يُعلمه بالأمر ويشكو اليه أحواله وأموره ((وأطلعه طلع عجري وبجري، وما لقيت في سفري من أقيوام]تصغير اقوام[ يدعون العلم والأدب، والأدب أدب النفس لا أدب الدرس)). لما كتب أبو العلاء المعري هذا السفر النفيس والخالد، كما أن سرقة رسالة الزهرجي، كانت السبب في خلود ذكر ابن القارح من خلال هذا السفر الرائع، ومع ان ابن القارح لم يكن هملاً بين الناس، ولاكان خامل الذكر، لكن الزمان لا يحتفظ إلا بذكر الكبار الكبار، إذ كان من الدعاة، لذا رأينا أبا العلاء يُسبغ عليه الأنيق من الصفات وعالي النعوت، إذ يخاطبه بـ( مولاي الشيخ الجليل) ويظل أبو العلاء يطلق على ابن القارح نعوت التقدير مثل: ((وكأني به- ادام الله الجمال ببقائه- إذ استحق تلك الرتبة بيقين التوبة))ص140.

وكذلك ((فيذهب- عرفه الله الغبطة في كل سبيل- فأذا هو ببيت باقصى الجنة كأنه حفش أمة راعية))ص150

و((وأما غيظه على الزنادقة والملحدين، فأجره الله عليه، كما أجره على الظمأ في طريق مكة واصطلاء الشمس بعرفة ومبيته بالمزدلفة..))ص161

فضلاً على قوله (( وهو- ويعني ابن القارح- اكمل الله زينة المحافل بحضوره- يعرف الاقوال في هذا البيت، وانما أذكرها، لانه يجوز أن يقرأ هذا الهذيان ناشئ لم يبلغه. حكى الفراء وحده (أغار) في معنى (غار) إذا اتى الغور، واذا صَحَّ هذا البيت للأعشى فلم يرد بالاغارة إلا ضد الانجاد))ص256.

وقد ورد هذا الشرح للحديث عن بيت أعشى قيس:

نبيٌ يرى مالايرون وذكره ــــ أغار لعمري وانجدا

ومعنى اغار هنا لا بمعنى الاغارة والمباغتة والهجوم، بل الذهاب الى الغور والغور في المعنى، بدليل ورود (وانجدا) وهو مايعرف في علوم البلاغة بـ(الطباق).

رسالة ابن القارح

كما انه يسهب في وصف رسالة ابن القارح اليه: ((وقد وصلت الرسالة التي بحرها بالحكم مسجور، ومن قرأها مأجور، إذ كانت تأمر بتقبل الشرع، وتعيب من ترك اصلاً الى فرع، وغرقت في امواج بدعها الزاخرة، وعجبت من إتساق عقودها الفاخرة، والفيتها مفتتحة بتمجيد صدر عن بليغ مجيد، وفي قدرة ربنا -جلت عظمته- أن يجعل كل حرف منها شبح نور لايمتزج بمقال الزور، يستغفر لمن انشأها الي يوم الدين، وبذكره ذكر محب خدين لعله -سبحانه- قد نصب لسطورها المنجية من اللهب، معاريج من الفضة أو الذهب، تعرج بها الملائكة من الارض الراكدة الى السماء، وتكشف سجوف الظلماء، بدليل الاية ((اليه يصعد الكلم الطيبُ والعمل الصالح يرفعه)) ص258.

وفي فصل مهم عنوانه (أبو العلاء وابن شُهَيْد) يناقش فيه الباحث الاستاذ الدكتور عمر موسى باشا، أراء الباحثين والمستشرقين الاسباني إميليو غارسياغومس، الورادة في كتابه (الشعر الاندلسي) وقد قرأته ايام الدرس الجامعي، والالماني كارل بروكلمان في كتابه (تأريخ الادب العربي) والفرنسي شارل بلاّ, عند جمعه وتحقيقه ونشره لديوان ابن شهيد الاندلسي، الذين وقعوا في وهم مفاده ان رسالة (التوابع والزوابع) لأبن شهيد أسبق قي التأليف من (رسالة الغفران) للمعري، واول من قال بذلك غومس، ولينسج على منواله بروكلمان وبلاّ، إذ لم يرد مايشير الى ذلك في بحوث ودراسات المعاصرين لهما، واهل العصر والمتعاصرين أجدر بالافتاء في موضوع النقاش هذا، مثل ابن بسام الشنتريني في كتابه (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) والصَفَدي بـ(الوافي بالوفيات).

كما يقف الباحث منوهاً بتوصلات الاستاذ بطرس البستاني القيمة، الذي جمع أشعار أبي عامر أحمد بن عبد الملك بن شُهَيْد الأشجعي المولود بقرطبة سنة 382هـ والمتوفى سنة 426هـ الذي يرجح سِبْقَ التأليف لأبي العلاء المعري معللاً أراءه ومؤكداً لهما بالرجوع الى النصوص قائلاً: ((فبعض مدحه ليحيى مُرْوى في (التوابع والزوابع) مما يدل على انها وضعت بعد سنة 412هـ. وفيها ايضاً رثاؤه لأبي عبيدة حسان بن مالك، وهذا استوزره المستظهر عبد الرحمن الخامس سنة 414هـ)) ص228.

إذن أنشأ إبن شهيد الاندلسي رسالته (التوابع والزوابع) التي يقترب نسجها من نسج المقامات بعد سنة 414هـ، والثابت أن أبا العلاء، كتب (رسالة الغفران) عام424هـ إذن السنوات القليلة التي تفصل بين التأليفين لاتسمح بوصول اخبارها، أي التوابع والزوابع من الاندلس، الى معرة النعمان، لينسج المعري على نسجها، فضلاً على الاختلاف البيّن بين النهجين، نهج ابن شهيد في زوابعه التي تجري في ارض الجن، ويلتقي بشياطين كبار الشعراء ومن المعروف للباحثين، أن الدارسين العرب القدماء، وقد حاروا في ملكة الشعر هذه لدى بعض الناس ولم يستطيعوا إيجاد تفسير لها فقد نسبوها الي وادي عبقر والى الجن الذين يتلبس الشعراء، لا بل قسموا الجن الى اناث وذكور، وعدوا أن مما يزيد في شاعرية الشاعر أن يتلبسه جن ذكر، بخلاف الاناث الذين يكون شعرهم أضعف من شعر مماثليهم، لذا قال قائلهم مفتخراً:

إني وكل شاعر من البشر – شيطانه انثى وشيطاني ذكر

المعري ومشاهد الجحيم

ونهج المعري، الذي صعد الى السماء، لينقل لنا مشاهد الجحيم الذي يرسف فيه الغواة من الشعراء ومظاهر النعيم للتقاة من الشعراء والناس، ولقد ادخل المعري في نعيمه من كان الناس يعدونه من سكنة الجحيم، لقول أو عمل أتى به في الحياة الفانية الماضية أو الدار الساخرة الماكرة على لغة أبي العلاء.

ولم يقف الباحث الرصين عمر موسى باشا، عند نفي تأثر ابي العلاء برسالة ابن شهيد الاندلسي. بل ينص على مواضع عدة أخذ عنه أبن شهيد، فضلاً على أن أهل الاندلس كانت عيونهم ترنو الى المشارقة الذين بزوهم في كل أمر، لذا فالراجح وصول خبر رسالة الغفران من المعرة الى الاندلس لهذا السبب، وليس وصول اخبار رسالة إبن شهيد من ذلك الصقع النائي، الي تلك القرية الواقعة بين حلب وحماة، حيث يعيش المعري عزلته في معتكفه ذاك. في معرة النعمان حيث عاش فيها ومات.

ولقد حفل تأريخ الادب عالمياً، بالعديد من الملاحم التي اقتربت من نهج أبي العلاء المعري، او كانت رمية من غير رامٍ مثل (الكوميديا الالهية) للشاعر الايطالي دانتي، او ملحمة (الفردوس المفقود) للشاعر الانكليزي جون ملتون (1608- 1674) وقد أحسن الدكتور محمد عناني صنعاً إذ ترجم أجزاء منها عام 1982 ونشــرت عندنا في العراق في ضمن مشروع النشر المشترك بين الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة ودار الشؤون الثقافية العامة ببغداد يوم كان يديرها الدكتور الباحث الناقد الرصين محسن جاسم الموسوي وهذا أحد منجزاته، فضلاً على مشروع (الاستشراق) المجلة التي وئدت إثر احداث الثاني من أب/1990 وفرض الحصار على بلدنا العراق.