حين يواري الخوف الاحياء

محمد الذهبي
2017 / 5 / 23

حين يواري الخوف الاحياء
محمد الذهبي
لم يعد هناك مايطاق بدأت الحياة تتسرب كالماء من بين الاصابع في ذلك الزقاق البعيد، صار الصمت كدفان عجوز ينذر بالمغادرة القسرية، كان يحن الى نباح كلب اومواء قطة، اوهديل حمامة، مر زمن طويل ايتها النخلة لم تعلوك اجنحة طائر، ولم اسمع تغريد بلبل، تكاد الحياة تكون معدومة تماما ، حتى انني لم اجازف بالخروج الى خارج الدار لرؤية اي شيء، نحن منطقة الارض الحرام حين كانت الحروب لها قوانين، وحين تحتم على المدنيين المغادرة وترك مساحة قليلة وصغيرة من الحياة لهم، ربما نجا البعض بانذار مكبرات الصوت، اما حروب الوقت الحاضر واقصد الحروب الدينية لم تترك لاحد اي خيار اضافي سوى الموت، ربما نحن لانعرف ديننا وربما اوصاهم ربهم بذلك، اتجه الى الجنود وعيناه محمرتان وجسده مشبع بالتراب، الا يريحني احدكم ويقتلني مثل اي كلب، تراجعوا عنه حين رأوا اصراره، اقتلوني فلقد دفنت عائلتي جميعا، القناص كأنه يقصد تعذيبي، كان يصطادهم واحدا تلو الآخر ويخطئني لعدة مرات، هل اوصاكم دينكم انتم ايضا بتعذيب الناس، هل قال لكم ربكم اقتلوا الابناء امام اعين آبائهم، ام انتم من طائفة اخرى وربما تختلفون، كان ابتعادهم عنه يحيره، لماذا تهربون مني، تتوقعون انني مجنون، هذا التراب الذي يغطيني تراب قبورهم، اقتلوني كي اعود اليهم هناك مع الله، واشتكي هناك الى الله، علّه يجمعني ثانية بهم، تقدم اليه جندي رق قلبه له، واصطحبه الى العجلة، اعطاه قنينة من الماء وسيكارة، التهم السيكارة ورمى الماء على الارض.
ياليت الموصل لم تكن، ياليتها تدمرت قبل قرون منذ حصار الترك والفرس، ياليتها ذهبت باتجاه آخر كما ذهبت مدن عراقية كثيرة، توزعت على تركيا وايران بمعاهدات انقذت اهلها من المصير الذي نراه، ياليت صدام لم يذهب وبقي طاغية على مر العصور، ياليت عبد الكريم قاسم لم يفعل مافعل وترك ملوك العراق على حالهم، ياليتني لم اولد ولم ار هذه المأساة بعيني، امريكا الشعب غير المتجانس، ياقطاع الطرق والشواذ واللصوص، يامن بنيتم حضارتكم على قنبلتين نوويتين، ازهقت ارواح الآلاف، ليتكم لم تطؤوا ارض العراق، وليت الشيعة في العراق لم يتسلموا الحكومة ولم يحكموا بهذا الضعف وضياع الارض، ليتهم بقوا مع الحسين بكربلاء، مظلومين ومضطهدين ولم يصبحوا مااصبحوا عليه الآن، وليت السنة لم يحتضنوا القاعدة وداعش انتقاما للسلطة التافهة، اقترب الجنود منه اكثر، صدقوني لست مجنونا، لقد دفنت عائلتي للتو وهربت باتجاهكم، خرجنا تحت جنح الليل هروبا من داعش، ونحن بخفة حركتنا نهرول نحوكم اصيبت زوجتي، فعدت احملها هي وابنيَّ الصغيرين، اردت اسعافها، لكنها ماتت، دفنتها في باحة الدار، وحاولت الهرب مع الاطفال، سقيتهم منوما، شراب السعال وتركتهم ينامون، كي لايحدثوا صوتا عند هروبنا، حملتهم على كتفيَّ وهربت ثانية باتجاهكم، ولكن القناص كان لنا بالمرصاد، فاصاب احد الولدين على كتفي، هما نائمان، الخوف تغلغل الى جميع مفاصلي، مسكتني الرعدة، الاثنان نائمان، احدهما ميت والآخر كان نائما، دفنت احدهما واتجهت نحوكم انوي الخلاص بالولد الاخير، وفي الطريق اليكم، اكتشفت انني دفنت الولد النائم ، اما الولد الميت فمازال على كتفي، عدت ادراجي ودفنته مع اخيه بعد ان وجدت الاول قد فارق الحياة، اي نبي سيتحمل قصتي هذه واي ارض تساوي هذه المآسي والآلام، أمن الانصاف ان ابقى على قيد الحياة، عندما عدت علّي ادرك بولدي الحياة، لكنني وجدته قد مات، وكان الحاصل ان ادفن اخاه معه، ارجوكم اقتلوني، تأثر الجميع لكن لم تتوفر في احدهم الشجاعة ليريح هذا المسكين من المه، سيبقى هكذا، كانت دموع الجنود تملأ اعينهم وهم ينظرون اليه باشفاق ووجل من ان القصة ربما تكون ملفقة وان الرجل مفخخ، فتشوه واقتربوا منه اكثر، لم يكن مفخخا ، بل كان ابا مفجوعاً، وعمق الفاجعة افقده صوابه.