الإنتخابات وتكتيك الثورة

عبدالله عبدالله
2017 / 5 / 23



إنّ أيّة مقولة ماركسيّة، سواءً أكانت سياسية أو فكرية أو برنامجيه، تفقد معناها ومصداقيتها إذا ما تعاطينا معها كمقولات تلموديه بعيداً عن سياقها الزمني أو التاريخي. ذلك أن المقولات مفاتيحٌ لفهم حركة الواقع وسيرورته.
إنّ القوى الماركسية التي قبلت ب/"الديمقراطية البرلمانية"، والتي هي امتداد لمواقف الأممية الثانية، تَعتبر أن الرأسمالية قابلة للإصلاح من الداخل. وهي بالتالي، بحسب مفهومها ومنطقها المنحرف، تعمل على تعميق التوجهات الإصلاحية داخل المؤسسات البرجوازية. علما أن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية ضمن الأممية الثانية، وفي أوروبا بوجه خاص، باتت تعتقد أن القطيعة مع نمط الإنتاج الرأسمالي خيالٌ ووهم طوباوي مثالي غير قابل للإنجاز.
لقد بلغ هذا الموقف المؤيد للبرلمانية أقصى مدىً له من خلال تجربة التشيلي. وجميعنا يعرف كيف انتهت هذه المعركة إلى الفشل، وما رافقه من قمع مهول لقوى الثورة.
هنا يَطرح السؤال القديم الجديد نفسه: "إصلاح أم ثورة؟".
إنّ مقارنة أي موقف من الانتخابات، إذا لم يتم على قاعدة تحديد موقف واضح من استراتيجية الثورة، والعمل على إحداث تغيير جوهري في التكوين الاقتصادي الاجتماعي الراهن، يؤدي بالقوى الماركسية إلى لعب دور شاهد الزور الذي يكتفي بإعطاء الشرعية للنظام السياسي البورجوازي القائم.
وكان النظام البرلماني في أوروبا نشأ في مطلع القرن التاسع عشر مع صعود البرجوازية ونموّها، جنبا إلى جنب مع إمبريالية نابليون وغيره، في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، إلخ. ولم تكن البرلمانات في البداية إلّا مسرحاً لمصالح الطبقات المالكة. لكن صعود ونمو الحركات العمالية النقابية، لاسيما ما بعد ثورة أكتوبر 1917، ونتيجةً لنضالاتها السياسية طويلة الأمد، اتّسع حق الانتخاب، حيث أصبح عامّاً. فتزايدت نفوذ القوى الجماهيرية فيه. لكن التغييرات التي طرأت على الدول الرأسمالية وهيكليتها، فإن الانتخابات النتهت إلى المساهمة في مركزة القرار في إطار سلطات الدولة، ومنها بخاصة السلطات التنفيذية. مما أفرغ الديمقراطية "التمثيلية" من أي مضمون تغييري، وحصر السلطة الحقيقية في الأجهزة الإدارية والاقتصادية والعسكرية للدولة. على هذا النحو، فإن التصويت في صناديق الاقتراع الذي تحوَّل إلى مجرد أرقام لا علاقة لها بالواقع الموضوعي والصراع الطبقي، أضحى أشبه ما يكون إلى اليانصيب والحسابات الافتراضية. فالديمقراطية البورجوازية أقرب ما تكون إلى عدد في علم الرياضيات يستعان بها مرة واحدة كل خمس سنوات، ويُصرف معها الناخب إلى نوم عميق حتى غاية الاستحقاق الانتخابي الجديد. الأمر الذي يقمع الثورة الشعبية، عمالية، فلاحية، متحالفة مع الملايين من أصحاب الدخل المحدود، ويَنفي أيضا النضال السياسي الذي يعبِّر عن إرادة الجماهير وأهدافها الاشتراكية. ولما كانت البرجوازية تتمتع بامتيازات فعلية، فإنها استطاعت أن تحوّل النشاط البرلماني إلى خادم للاقتصاد الرأسمالي. بالمقابل، لم تستطع الطبقة العاملة وحلفاؤها في البرلمانات دحر سلطة البرجوازية. بل وإنها اضطرّتها إلى تبنّي إيديولوجيات دستورية وتكتيكات مستمدة من استراتيجية "الديمقراطية البرلمانية"، مما أقعدها عن النضال من أجل التغيير الاقتصادي الاجتماعي النوعي.
والسؤال هنا: هل تستطيع "الديمقراطية البرلمانية" تفعيل إمكانيات الإصلاح، أم يجب العمل على مراكمة النضال، وخوض المعارك لتفنيد الإيديولوجية البورجوازية من أجل المزيدٍ من التغيير؟ وهل تُفضي الانتخابات في فرنسا إلى التغيير؟
في فرنسا، تستسيغ كثرة من المتمركسين الدفاع عن المشاركة في الانتخابات ترشحاً وتصويتاً، حتى وإن كانوا ينالون 1% من الأصوات في صناديق الاقتراع، معتبرين أن هناك حيّزٌ ديمقراطيٌ مُهِمٌ يمكن الاستفادة منه على مسار الانتقال إلى الاشتراكية. إنهم دعماً لخياراتهم كناخبين وأحزاب يحرصون على تذكيرنا دوماً بموقف "فريدريك أنجلز" الذي كان تبنى الانتخابات البرجوازية ودافع عنها، ضمن شروط وظروف سياسية خاصة، وذلك استجابة لضغوط الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا، ومراعاة منه للخصوصية السياسية الألمانية.
هؤلاء وأولئك من شيوعيين في العالم الذين يتبنون استراتيجية "الديمقراطية البرلمانية"، أي الديمقراطية البورجوازية يعودون إلى، إحدى مقولات لينين: " إن المقاطعة ليست على الدوام تكتيكاً ماركسياً صحيحاً". طبعاً، إن القوى التي تنادي بهذا الخيار قد أسقطت من برامجها السياسية واستراتيجياتها مفهوم الثورة، وبالتالي فان تكتيك الثورة يصبح حسب منطقهم مجرد تصرف "مغامر أرعن".
في هذه الانتخابات الحالية التي تجري في فرنسا خلال الفترة الراهنة، يبلغ نسبة عدد الذين صوّتوا بورقة بيضاء حوالي 12% ، يُضاف إليها 25.2% من الذين امتنعوا عن التصويت أصلاً. وهو رقم قياسي لم تشهده فرنسا منذ العام 1969.
إن نظام الانتخابات الفرنسي يكشف عن مقاطعة حوالي ثلث الناخبين الفرنسيين لجميع الانتخابات. زد على ذلك أن أول الفائزين من المرشحين لرئاسة الجمهورية، ينال، على سبيل المثال، 23% ليس غير من الأصوات (أقل من الربع) والثاني من المرشحين يحظى ب/ا2% من الأصوات(الخمس). ويُفرض على الشعب بمنطق علم الحساب والرياضيات الاختيار بين هذين المرشحيّن الاثنين، وذلك بالرغم من أن الأول والثاني مجتمعين لم يحوزا على 50% من أصوات الشعب الفرنسي. وهنا لا بدّ من التساؤل: ما معنى انتخابات يُفترض أنها "ديمقراطية" تدفع ب/ 56% من الشعب إلى التصويت لمرشح يرفضه الناخبون في حقيقة الأمر تفادياً لوقوع كارثة؟ !! ، وذلك في إشارة إلى التصويت بالأكثرية للرئيس الفرنسي المُنتخب إيمانويل ماكرون من أجل الحيلولة دون نجاح منافسته في هذه الانتخابات الرئاسية، المرشَّحَة عن اليمين المتطرف، الفاشية، مارين لوبين.
كلُ ذلك باسم الديمقراطية!
وللتذكير فإن الدين العام وصل إلى 600 مليار دولار.
​إن الرأسمال المعولم رأسمالٌ إمبريالي بامتياز. والحراك المعادي للإمبريالية يشكِّل الشرط الأساس للموقف المعادي للرأسمالية. ها هنا يكمن جوهر المواقف البرجوازية الإصلاحية والمحافظة على حدٍ سواء لدى "الشيوعيين والاشتراكيين الثوريين" التي تتناسى عن علم منها أن النضال ضد الإمبريالية المقيمة في قلب الدولة ومؤسساتها الدستورية والإدارية والقمعية الإرهابية، تَحكم لزوما على أية استراتيجية ثورية الإطاحة بما يُسمى بالمنطق البورجوازي، وهو نفسه مؤسسة إمبريالية، ديمقراطية برلمانية، دستورية، وجمهورية.
إن تلك القوى التي تَعتبر نفسها ماركسية، وإن بدت منقسمة في الشكل ومتباعدة في المضمون، إلا أنها تتقاطع فيما بينها من حيث احترامها للجمهورية الخامسة ودستورها. لذا، فإنها، بالتالي، وفي عمقها، تتصرف باعتبارها أحزاب جمهورية ودستورية، في الوقت الذي تطالب قطاعات واسعة من الشباب، في الحراك الأخير في فرنسا الذي يمتد دونما توقف من شهر آذار/مارس 2016 وحتى غاية اليوم، والذي كان ابتدأ لتقويض نظام العمل الجديد المنحاز لأرباب العمل، ثم تحوَّل، مع اقتراب مواعيد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلى تفنيد للمبادئ الإيديولوجية التي تؤسس للديمقراطية البرلمانية، تطالب بديمقراطية جديدة تتسع أمام ممارسة الشعب صورة مباشرة ومستمرة لرقابته على الدولة ورسم مستقبل المجتمع الفرنسي.
​هناك مقولة أطلقها المفكر "جورج لابيكا" بعد انتفاضة ضواحي المدن الكبرى في فرنسا في العام 2005 : "عودة السياسة"، باعتبار أن المهمَّشين في الضواحي من مُعْدَمين وفقراء ومنبوذين عبَّروا عبر مطالبهم ورفضهم للنظام القائم، واستعادوا السياسة المسلوبة منهم، وإن كان ذلك عبر العنف ضد قوى القمع، وذلك لافتقادهم للبرنامج السياسي الاستراتيجي الثوري.
لذا نستطيع القول إن الانتفاضات والأحداث الأخيرة في دول المراكز والأطراف، وبوجه خاص في فرنسا، أعادت "الشرعية إلى الشوارع". غير أن هذه العودة لا تخلو من نقيض، ما دام نجاح سياسة نفعية، نيوليبرالية، متحمسة للعولمة، بقيادة الرئيس المُنتَخَب إيمانويل ماكرون، وإن كانت نجحت في كسر القطبين الرئيسين اللذين يسيطران على الحياة السياسية في فرنسا، الحزب الاشتراكي، والحزب الجمهوري اليميني، ويحتكرانها لصالح النظام الرأسمالي وأرباب العمل، فإن تجاوز هذين الحزبين السياسيين، حسب ما يتضح من الانتخابات الحالية، يفسح المجال الرحب أمام أيديولوجية العولمة التي تحارب بشتى الأسلحة من أجل "الانتصار النهائي" بعدما تكون قضت على السياسة في المجتمع بمختلف أحزابه، وأودعت شؤونها بين أيدي تقنيين متفوقين من أمثال السيد ماكرون.