مائة حجة تُفند وجود إله-حجة 86 إلى 90

سامى لبيب
2017 / 5 / 22

- مائة حجة تُفند وجود إله - حجة (86) إلى حجة (90) .
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (65) .

قدمت 85 حجة تفند وجود إله معتمداً على مفردات ومعطيات فكرة الإله ذاتها كما تم طرحها وفقا للأديان , لأبرز تهافت وتناقض هذه المفردات مع بعضها وهشاشتها وعدم منطقيتها , ولنكمل من هذا المقال المائة حجة التى تفند وجود إله بنقد ما يقال عنه فلسفة دينية لأطرح أفكار ورؤى فلاسفة ولاهوتيين وأهل الكلام ومحاولاتهم البائسة فى تقديم رؤية منطقية عقلانية عن وجود إله لأبين هشاشة وسطحية طرحهم .
يمكن أن نتوقف أمام أقوال فلاسفة روجوا وأسسوا لمفاهيم مغلوطة يلزم تصحيحها وتبيان تهافتها ولا يعنى هذا تطاولاً على قامات فلسفية ومناطحتهم , فمن الطبيعى أننا كمعاصرون نمتلك علماً ومعارف أكثر غزارة منهم كما لدينا الفلسفة المادية التى تفتح عيوننا على فهم علمى جدلى للأشياء لذا يحق لنا تناول أفكارهم بالنقد .

*86 - نقد فكرة الكمال ووجود الإله .
- يقول ديكارت : " مع شعوري بنقصٍ في ذاتي، أُحسُّ في الوقت نفسه بوجود ذاتٍ كاملة , وأراني مضطراً إلى إعتقادى لأن الشعور قد غَرسَته في ذاتي تلك الذات الكاملة المُتحلية بجميع صفات الكمال , وهي الله . كما يرى ديكارت إلى أن هذه الأفكار فطرية متأصلة في النفس وليست حاضرة في الذهن .

- سلك ديكارت في إثبات وجود الله مسلكين , الأول محاولة التعرف على وجود الله من آثاره , والثاني التوصل إلى معرفة هذا الوجود من خلال تعريفه وماهيته , والمسلك الأول ينقسم بدوره إلى دليلين , الأول يسميه البعض بالدليل الإنساني أو الدليل التجريبي , وهذا الدليل يدور حول وجود فكرة الكامل اللامتناهي في النفس الانسانية ,فبما أن الإنسان يشك وتخدعه حواسه إذاً هو موجود ناقص , ومن المستحيل أن تكون مصدر فكرة الكامل اللامتناهي هي الانسان نفسه لأنه ناقص ,كما أن وجود هذه الفكرة في الإنسان هي ما تجعله يدرك نقصه , ولو كان الانسان مصدر هذه الفكرة , أي قادراً على إيجادها في نفسه لمنح نفسه جميع ضروب الكمال لأنه العلة -الإنسان- التي تؤثر لا بد أن يكون لها من الكمال ما لمعلولها -الفكرة- ومن هذه الناحية لم يضع هذه الفكرة في الإنسان سوى موجود لا متناهي يحوي كل صفات الكمال , ولما كان الله هو ذلك الكائن الكامل اللامتناهي فالله إذن موجود , ونلاحظ أننا هنا نبحث عن سبب لوجود فكرة الله في نفوسنا ولا يمكن أن يكون السبب أقل من الله ذاته , كما أن الفكرة هي صورة لموضوع ولا يمكن وجود الفكرة إلا إذا وجد أصلها وفالأصل موجود إذاً هو الكامل اللامتناهي , ولكنه لا يوجد في النفس لأن النفس أقل من هذا الأصل الذي تمثله موضوعياً . إنتهى .

= الرد على فلسفة ديكارت فى إثباته لوجود إله :
- لم يقدم لنا ديكارت فلسفة بل إنطباعات وحاجات نفسية اكتست بالتخيلات والأمانى وافتقدت أى رؤية تحليلية منطقية موثقة قابلة للتعاطى , فليس له مفردات يقدمها سوى إحساس يباغته أو قل وهم وافتراضات عجيبة, فما معنى توهم صفات الكمال .

- إتكاء ديكارت على فكرة الكامل اللامتناهى وأن الإله وضع هذه الفكرة فى الإنسان بتصوره أن هناك أفكار فطرية متأصلة فى العقل فهذا هو الهراء بعينه , فالإنسان يولد صفحة بيضاء يخط عليها الواقع الموضوعى الأفكار , كما أن فكرة الفطرة هذه تطرح فهم مثالى خاطئ عن أسبقية الوعى على المادة , فالأفكار نتاج دماغ ووعى وإدراك الإنسان للأشياء , كذا ليس معنى أن الفكرة متصورة ومتوهمة أنها موجودة , فالإنسان يتخيل ولخياله آفاق بلا أسقف فليس بحاجة لمن يبث فيه الفكرة ولا يعنى هذا تحقق هذه الصور المتخيلة , فالإنسان تخيل سوبرمان ووضع فيه قدرات وخيالات رائعة فلا يعنى وجود سوبرمان حقيقةً , وهذا يسرى على فكرة الكامل فهى تصورات وخيالات إنسانية لكائن ذو قدرات مطلقة مثالية جاءت من إدراك الإنسان لنقصه وعجزه فلا يعنى هذا إستقلال فكرة الكامل وجودياً وتحققها فهى تخيل وتصور فحسب .

- ليس معنى أن الإنسان يدرك نقصه أنه ليس مصدر فكرة الكمال , فالإنسان يدرك أنه لا يستطيع الطيران فلم يعجزه هذا عن تخيل شخصية كسوبرمان أو ملاك ذو قدرة على الطيران , ومن هنا ندرك أن الكامل ليس وجود بل فكرة متخيلة مضادة للنقص كحال فكرة سوبرمان , فالإنسان يدرك نقصه فرسم فى مخيلته كيان ذو قدرات هائلة ومن هنا ندرك أن الفكرة منتج خيالى إنسانى حصرى وهذا لا يعنى وجوده وتحققه .

- مثال آخر أن الإنسان إكتشف من الرياضيات بوجود أعداد لا نهائية , ففكرة سلسلة الأعداد اللانهائية التى تمثل هنا مفهوم المطلق وليس الكمال لم تحتاج من يبثها فى العقل البشرى .

- وجه الفيلسوف جون لوك إعتراض لهذا الدليل كإثبات وجود الله , فهو يقول أنه على الرغم من ضرورية هذه الفكرة وأولويتها فإن هنالك عقول كثيرة لا تعرفها , كعقول الأطفال والمعتوهين , وما دام هؤلاء يمثلون نسبةً من الرأي العام , ولما كانت هذه الفكرة تتسم بالعمومية والفطرة فإن عدم معرفة هؤلاء بهذه الفكرة سبب كاف لرفض هذه الحجة .
هناك إعتراض آخر يوجه أيضاً أن هذه الفكرة تفتقد إلى الموضوع , فهي من صنع الذهن البشري فقد ألفها ورسمها من خلال جمعه وتركيبه لأفكار أخرى , كما هي فكرة عروس البحر والفيل الوردي .

- هناك نقطة أخرى جديرة بالإعتناء وهى أن الإنسان مصدر كل الأفكار والتصورات وهذه الأفكار مصدرها واقعه المادى الوجودى ليمكن القول بأن الإنسان ليس منبع فكرة الإله بكماله ومثالياته فحسب بل الإنسان هو الإله ذاته كفكرة فى العقل الغير واعى ليلجأ لفكرة الإله الخارجى عند إحساسه بنقصه ليدفع هذا النقص عنه بفكرة الإلهه المستقل . وقد تناولت هذه الرؤية فى مقالى "الإنسان الإله " .

- المسلك الذي سلكه ديكارت في إثبات وجود الله يسمى بالدليل الأنطلوجي , فهناك فكرة عن الكائن الكامل في النفس الانسانية كما يفترض , لذا يرى أنه لا يمكن أن يكون هذا الكائن كلي الكمال إلا إذا كان موجوداً , إذن الله موجود.
هذا لا يمكن إعتباره دليل أو حجة متماسكة بل يكاد يكون حدساً لا استدلالاً , ويجدر الإشارة أن القديس أنسلم قال بهذا الدليل قبل ديكارت بخمس قرون، كما أن فكرة الكمال هي التي جعلت وجود الكائن الكامل واجباً، حيث دمج ديكارت بين الوجود والماهية، وهذا ما إنتقده الفيلسوف عمانويل كانط حيث يقول ان هذا الدليل عقيم , فالوجود المثبت فيه وجود متصور وليس محمولاً ذاتياً تختلف الماهية بوجوده أو عدمها وإنما هو تحقق الماهية .. وأعتقد لو كان الوجود من ذات الماهية لما احتجنا لإستدلال على وجود الله ولتوصلنا إلى إثبات وجوده من خلال التأمل في ماهيته فقط .

- الخطأ الذى وقع فيه ديكارت وسائر اللاهوتيين وأهل الكلام هو الخلط بين اللفظ والوجود , فالإنسان كائن خيالى مبدع ليخترع ألفاظ تجنح للمبالغة والنفاق كالمطلق والمقدس والكامل والحق , فهذه الألفاظ ليس لها وجود متحقق بل صيغ مبالغة تم إطلاقها لنفاق الملوك والسلاطين مثلاً لتجد هذه الكلمات الحضور على ألسنة البشر ولينسى الجميع أنها كلمات من إبداع خيالى متوهم منطلق وليتوهم الكثيرون أنها ذات حضور متحقق .

* 87 - الإله والجمال .
يقول أفلاطون: ( إن العالم آية في الجمال والنظام , ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية, بل من صنع عاقل , توخى الخير ورتب كل شيء عن قصد وحكمة ).
قول أفلاطون ان العالم آية فى الجمال والنظام قول خاطئ يفتقد معرفة ماهية الجمال والنظام فيتصور الجمال والنظام كينونات مستقلة , بينما الجمال والنظام تقييم وإنطباع وفكر إنسانى فلا يوجد شئ جميل بذاته أى لا توجد جزيئات اسمها جمال كما ذكرت فى مقالى ( وهم الجمال ) , بل إنطباعات الإنسان عن الأشياء وتوصيفه لها وفقا لما تحققه من إرتياح جاء من إيفاء حاجات لذا صار جمال وهو نسبى أيضا فنحن لا نجتمع جميعا على تقييم الأشياء إنها جميلة , وإذا كنا نتفق على اشياء كونها جميلة فلكوننا أصحاب تجارب وحاجات وخبرات بشرية متقاربة , وكذلك النظام هو انطباعاتنا على المادة وسط العشوائية او بمعنى أدق بحثنا عن علاقات تبدو متكررة فى مجملها تتيح لنا استيعاب العالم المادى .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=557402

- كذلك يقول ديكارت : ( أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي ,فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى من يوجده أو يحفظ له وجوده , ولا بد أن يكون متصفاً بكل صفات الجمال وهذا الخالق هو الله بارئ كل شئ ) .
يُلقى علينا ديكارت فرضياته ويَعتبرها منطقاً فلو تغاضينا عن كلمة خالق كما فى الأدبيات الدينية وتصورنا وجود , فمن أين يثبت أن الخالق واجب الوجود وغير مُفتقر لمن يوجده , فالموجود يكون من مُوجد لم نلحظ واجده , فأى ظاهرة حية أو ميتة جاءت من مُوجد قبلها فى سلسلة طويلة لا نهائية من المُسببات الوجودية , ولنا مقال قادم عن واجب الوجود ليبقى ما يعنينا هو إتصاف الخالق بالجمال لنسأل : ما الذى جعل الله يدرك الجمال قبل الوجود فمن الوجود يتكون الإحساس والوعى بالجمال أو القبح فقبل الوجود لا يوجد إحساس أو إنطباع ؟, ولنسأل أيضا من منح الإله صفات الجمال الإنسان أم الإله ؟.

- يقول "أناكساغورس" أحد فلاسفة اليونان الأوائل : من المستحيل على قوة عمياء أن تُبدع هذا الجمال وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم , لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى , فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد بصير حكيم ) .
اناكساغروس ينحو نفس منحى ديكارت وافلاطون فى توهم ان هناك من يصنع الجمال ويستصعب تقبل أن القوة العمياء تنتج جمال فلا يكون إنتاجها الا الفوضى ويرجع هذا الخلل لدى اناكساغروس فى رؤيته المغلوطة عن الجمال فهو يتصور الصور الجمالية للطبيعة بمثابة لوحات فنية إستخدم الإله الألوان والفرشاة وأبدعها .. لا يا عزيزى أناكساغروس الجمال جاء من عشوائية وجدت قبولاً فى ذاتك وإليك هذا المشاهد من مليارات المشاهد فى الطبيعة والتى تعنى أن الجمال نتاج الطبيعة العشوائى وليس لإله لون ورسم ورص جزئيات المادة لتبدو جميلة فى عيونك .
http://www.1001-votes.com/vote/1234fonds/soleil-1471211609589-u.jpg
https://ae01.alicdn.com/kf/HTB15OW7QVXXXXbzapXXq6xXFXXXj/-font-b-3d-b-font-photo-font-b-wallpaper-b-font-custom-font-b-3d.jpg
https://lh5.ggpht.com/gCK2J-Wo7jRzYfiZ0zOpVKAttzkZVv02qzp-ugEdtsoQcxGTiolK6mbTsAzcL_UMrQ=h310

- لدينا قول آخر ليس لفيلسوف بل لإنسان بسيط قدم رؤيته للجمال كونها من إله فلنقرأ ما عثرت عليه لأقوال أحدهم لتمثل حجة شائعة نكتشف منها وعينا المغلوط عن الحياة والوجود .
يقول صاحبنا : ( لماذا لدينا عينان فأليس منظرهما جميلا ومقبولا فماذا تقول لو كان فى وجوهنا ثلاث أو اربع عيون .. لماذا ايادينا متناسقه ذراع هنا والاخر على الجانب الاخر فألا يكون هذا التناسق جميلاً , فماذا لو تصورت أن لنا ثلاث أو اربع أيدى فألا يعتبر هذا قبحاً .. كما لدينا جلد يغطى أجسادنا فلا يظهر قبح الأوردة والشرايين .. ولتنظر لجمال الاشجار والطبيعه والتناسق الجميل .. وهذه المرأة الجميلة التى لا يختلف أحد على جمالها ) .
بالرغم بساطة هذا الطرح إلا إنه يلقى الضوء على مجمل فهمنا ووعينا المغلوط فهو يضع العربة أمام الحصان أى أنه يعتبر المشاهد والنتائج مُستقلة بذاتها ثم يضع إنطباعاته وقبوله ليبررها وينسى أنها إستنتاجاته وتبريره وذوقه المتشكل عما هو موجود , متصوراً الإعتياد هو الجمال بينما القبح هو الشاذ الغير مألوف , بينما حكمنا على المعتاد والشاذ جاء من داخلنا , فنحن من نرى اليدين أفضل من ثلاث أيدى والعينين أفضل شكلا من الثلاثة عيون وفق ماهو معتاد وشائع ومألوف ولكننا لو وجدنا ثلاثة عيون كنا سنشيد بتلك الحالة كونها الأفضل والأجمل وماعداها قبيح .
هذه الرؤية لا تنتج من رؤية مغلوطة عن الجمال فحسب بل رؤية متعسفة متصلدة تجاه إدراك الحياة والأفكار فهى تضع العقل فى صنم وقالب هو من صنعه ثم سجد لهذا القالب الصنم , فالإنسان هو من وضع كراسة المواصفات للجمال فكيف يعتبرها مطلقة ومثالية وهو من أبدع حدودها , فكيف نسى أنه من حدد الأُطر , ومن هنا وجدت الأفكار والمعتقدات الميتافزيقية حضورها كوننا إعتدنا سماعها وألفنا وجودها فى وعينا ليكون أى فكرة مغايرة منبوذة وقبيحة .

- أرى فى قول إيليا أبو ماضى أكثر الأراء موضوعية وإدراكاً لماهية الجمال بالرغم أنه أديب فنان وليس فيلسوفاً فيقول : ( كن جميلا ترَ الوجود جميلاً ) وهى عبارة قريبة من رؤيتى لفلسفة الجمال , فالأشياء ليست جميلة فى ذاتها بل نحن من نمنحها الجمال أى لا يوجد خالق قدير أو طبيعة رائعة رسمت لوحة جمالية وإهتمت بترتيب خطوطها وألوانها بل نحن من رغبتنا فى أن نرى الأشياء جميلة جعلناها جميلة أى أن الإنسان بحالته النفسية والمزاجية وثقافته ودرجة تطوره وضع قيم ومفاهيم للجمال , لذا لا تكون معايير الجمال شئ منفصل عنه .

* 88 - دليل الحركة أو دليل المُحرِك والمٌتحرِّك .
- وضعه "أرسطو" دليل المحرك والمتحرك ويقوم هذا الدليل على أن كل موجود مفتقر إلى شيء يحركه من خارجه , وأن المتحركات لا بد أن تنتهي إلى المحرك الأول وهو الله , جاء هذا في كتابه "الطبيعة وما بعد الطبيعة" ليرسم ملامح الإله , فالإله يعطي للعالم الدفعة المحركة الأولى فقط , لتكون الألوهية عند أرسطو تَحرّك العالم من غير أن يتحرَّك . وذلك لأنَّ الأشياء عند أرسطو لا تنشأ من العدم بل يأتي بعضها من بعض , وإذا كان العالم بمادته قديم أي موجود منذ الأزل فإن حدوث الأشياء فيه يحتاج إلى أسباب , وهذه الأسباب عند أرسطو أربعة : الهيولى , الصورة , الحركة , الغاية .
يرى الدليل الأرسطى : " أن الحركة من المقومات الضرورية لحدوث الأشياء , وبالتالي كان لكل جسم مُحرك يخرجه من القوة إلى الفعل , وإذا كان الأمر كذلك كان لابدّ أن يكون لهذا العالم بجملته مُحرّك أيضاً , بيد أن المحرّك الّذي يحرّك العالم كله على خلاف مُحرك الجسم غير متصل بالمادة أو الهيولى فهو صورة مطلقة تعقل فقط , ثم هو يُحرك العالم بعقله من غير أن يَتحرك أو يُجهد . لكن كيف يُحرك الإله الأرسطي العالم من غير أن يَتحرك ويجهد ؟ فهو منتهى الغايات ولهذا كان كلّ شيء في العالم يتشوق إليه ويتحرك نحوه وينجذب إلى كماله ,, وهكذا نفهم دليل وجود الله عند أرسطو: أي إذا كان كل مُتحرك يًتحرك بغيره فوجب أن يكون لهذا العالم بجملته مُحرك. فدليل أرسطو هو دليل بعدي يقوم على مبدأ الحركة " . إنتهى .
- كذلك قدم القديس توما الأكويني في كتابه “خلاصة اللاَّهوت" تعامل مع برهان الحركة وهو مأخوذ من أرسطو , ومفاده أن كل مُتحرك يتحرك بغيره وأنه لا يمكن التسلسل إلى ما لا نهاية في سلسلة المُتحركات والمُحرِكات بل لابد أن نصل في النهاية إلى مُحرك أول لا يحركه غيره , وهذا المحرّك الأول هو الله .

= الرد :
حجة دليل الحركة لاتخرج عن منطوق منطق السببية فلكل مُحدث حادث وإن كانت أسرت نفسها فى الحركة لتعتبر ان كل جسم متحرك يحتاج لمن يُحركه لتنتهى سلسلة المحركات إلى الله بإعتباره محرك أولى غير متحرك .
بداية يُحسب لأرسطو إكتشافه لموضوع الحركة وإن قصرها فى الحركة الديناميكية الميكانيكية , كما يُحسب له قول قدم العالم أى أزليته فهى فكرة صحيحة شاركه فيها كثير من الفلاسفة كإبن سينا كذا العلم الحديث , فالعالم قديم أى موجود من الأزل كذا طرحه لفكرة الربوبية بإعتباره أن الإله قام بالدفع الأول ثم ترك الأمور .
للرد على حجة ارسطو نقول لماذا إستثنى المُحرك الأول ممن يُحركه ألا يقع فى نفس اشكالية منطق السبب الذى بدون مُسبب .
أن فكر ومعرفة ارسطو لم تتجاوز الفكر الكلاسيكى للحركة أى الإنتقال المادى للأشياء من النقطة أ إلى النقطة ب فلم يدرك أن طبيعة الأشياء هى الحركة ,وأن الحركة ماهية وسمات وتعريف المادة فهى لا تنفصم عنها فلا وجود لمادة وموجودات بدون حركة , كما أن الحركة لاتقتصر على الشكل الديناميكى الميكانيكى فهناك حركة الذرات والجزيئات وحركة التفاعلات الكيميائية والفيزيائية , فالحركة هى المادة والوجود ولاتحتاج من يحركها ويدفعها فلو تخيلت فرضا عدم وجود حركة فلن يكون هناك مادة .

- يقع أرسطو فى إشكالية عندما يضع الإله مُحرك للمادة , فهنا جعل الإله ضمن الزمان والمكان ليخضع الإله لقوانين الزمان والمكان والفيزياء مُتقيد ومُلتزم بها ضمن منظموتها وهذا يبدد الألوهية المفارقة ويجعله وحدة وجودية مادية متحركة .

- نقطة أخرى يعرضها أرسطو فى فرضيته ولا يقدم عنها تفسيرا بإفتراضه أن سلسلة المحركات تنتهى إلى محرك غير متحرك , فما المانع للمحرك أن يتحرك هو أيضا ولكن يبدو أن ارسطو أراد التخلص من إشكالية سلسلة المُحركات اللانهائية كحال القول بالمُسبب الذى لا يوجد من يسببه . بالرغم أن أرسطو إعتمد فكرة صحيحة شاركه فيها كثير من الفلاسفة كإبن سينا كذا العلم بأن العالم قديم أى موجود من الأزل .

* 89 - الدليل الوجودي .
وضعه أنسلم ومضمونه : "أنه بلا شك أن كل إنسان مهما كانت درجته يستشعر في عقله ضرورة أن يكون هناك موجود ليس هناك من هو أكمل منه , وفكرة الكمال تظل ناقصة ما لم يوجد لها مقابل في الخارج , ولكي تكون هذه الفكرة كاملة لابد وأن يكون هناك موجود في الخارج غاية في الكمال لا يوجد من هو أكمل منه . وهذا الوجود الأكمل على الإطلاق هو الذي نطلق عليه اسم الله .أنتهى .

=الرد :
- بخصوص الدليل الذي يقدمه القديس أنسلم على وجود الله وإستعارته لفكرة الكمال المطلق والتى تطرقنا إليها فى عرض فلسفة ديكارت , فهو منطق ليس بالدليل البعدي كدليل أرسطو إنما هو دليل قبلي تقريرى , بمعنى أنه دليل مُستقل عن كل خبرة وكل إنطباعات الحواس جميعا , فيقوم هذا الدَليل على أن فكرة الله موجودة في ذهن كل إنسان بالوحي الأول .. وهذا الدليل يسمى بالدليل الأنطولوجي , وقد تحدث القديس أنسلم عن هذا الدليل في كتابه " بروسلوجيون" مقتبساً عبارة جاءت في المزامير بالكتاب المقدس : " قال الأحمق في قلبه ليس يوجد إله ". ليستهجن قول الأحمق بعدم وجود إله بينما فكرة الله مطبوعة في قلبه؟! فهنا يرى القديس أنسلم أنه حتى الأحمق مقتنع بأن هناك شيء عظيم ما موجود في الفهم وهذا الشيء الأعظم هو الله ,وحين ينكر الأحمق وجود الله فإنّه يقع في الخُلف , لأنه يستطيع أن يتصور الموجود الأعظم فيلفظ في قلبه اسمه دون أن يعي أنه بتلفظه وتصوره يكون الله موجودًا في العقل وفي الواقع أيضا .!
هكذا يمكن أن نستنتج أن الدليل الأنطولوجي عند القديس أنسلم يقوم على ما يمكن تسميته بالفطرة الأولى , وهذا الدَليل تكرر مع ديكارت في القرن السابع عشر حين يرى أن فكرة الله هي كبصمة الخالق في وجدان المخلوق لنجد انفسنا أمام أقوال تقريرية مهترئة تنهج السب ولا تعرف طريقاً للفكر المنطقى الفلسفى .

-هذا الدَّليل تعرَّض لانتقاد حاد من طرف رجل دين معاصر للقديس أنسلم وهو الراهب جونيلون الذي رد بأن ليس كل ما يمكن أن يتصوره الذّهن بموجود حقيقة , فنحن نقع في الخطأ ونتخيّل الكثير من الأشياء التي لا وجود لها في الواقع. ورد القدّيس أنسلم على اعتراضات الراهب جونيلون بالقول : من الصحيح أنه ليس كل ما نتخيله يمكن أن يوجد إلا أن هناك استثناء واحد وهو حالة الكائن الّذي لا يمكن أن يتصور أعظم منه أي الله ! ليمرر ما يريد إثباته .!!
- من هنا يبدو لنا أن الدليل الأنطولوجي الّذي قدمه القديس أنسلم أقرب منه للمسلمة بعيداً عن أى فلسفة ومنطق وحجة وبرهان . ولهذا إنقسم الفلاسفة حول قوة حجية هذا الدليل , فتبناها بعض الرياضيين مثل لبينز وديكارت , وعارضها البعض معتبرين أن في دليل القديس أنسلم مصادرة على المطلوب إثباته , ولأعتبرها الهراء بعينه .

* 90 - الدليل الاخلاقى .
واحدة من أكثر الحجج التي تنتشر على يد رجال الدين فهو طرح يبغى للوصول بالمتلقي لفكرة أن الله أخلاقي , وهذا يعنى أن الله موجود , ليتعاطى الدعاة و المؤمنين بآيات وأحاديث وأقوال دينية ليثبتوا رحمة الإله أو حكمته أو عدله ليستدلو على وجوده .
- وضع كانط فكرة الدليل الاخلاقى عندما رأى إستحالة البرهنة نظرياً على وجود الله , ولكن يمكن البرهنة على وجوده من ناحية أخلاقيه , إذ يرى أن للإنسان شعور فطرى بالعدالة , والعدالة تقتضى أن يثاب المُحسن ويعاقب المُسئ ,ولكن في الحياة نجد أن هناك مُحسن لا يثاب ومُسئ لا يعاقب لذا لابد من وجود يوم آخر يعاقب فيه هذا المُسئ ويثاب فيه هذا المُحسن ، ولابد من وجود اله يُوجد هذا اليوم ويحاسب فيه الناس لتتحقق العدالة . إذن الدليل الاخلاقى يقدم فرضية بإذا لم يكن هناك إله فكيف سيُحاسَب المجرم؟ وماذا عمن عمل حسنات هل ستندثر من دون مكافأة .؟

= الرد :
- أسمى هذه الحجة بحجة الغفلة والوهم والتعزية , فالغفلة نتاج جهل أو قل نسيان أن الإنسان من أبدع فكرة الأخلاق , فالأخلاق لم تلقى من السماء بل إبداع الإنسان لمنظومة يطلب منها الأمان والسلام وتحقيق مصالحه وتصورات النخب , لينسى كانط هذا ويتصور ان هناك من يبث الأخلاق ويرسلها .
أما التعزية فجاءت من أمل إنسانى فى تحقق العدالة المفقودة فتوهم أن هناك من يعوض المظلوم فى الأرض ليقتص من ظالمه , لنجد أنفسنا أمام فكرة رومانسية حالمة ليس لها أى أساس واقعى بل أمنيات وآمال إنسانية متوهمة تخفف عن المظلوم لتعزيه وتجعل يتحمل الظلم .

-من قال أن الطبيعة مُلزمة بالعدل ؟! وما هي النظرة الفلسفية المنطقية التي تستوجب وجود عدل ؟! وهل عدم وجود عدل يتعارض مع الطبيعة ؟!. إن حاجة الإنسان لوجود فكرة العدل لا يجعلها صحيحة متواجدة , وحبك لأي شيء لا يجعله حقيقة .. فيوجد أشخاص يفضلون ألا يتواجد عذاب فهل فكرتهم صحيحة؟ وأشخاص يحبون أو قل يؤمنون بالتقمص بعد الموت , فهل هذا يجعل من فكرتهم صحيحة؟ حبك للعدالة أمر رائع لكنه بالطبع ليس دليل على وجودها وتحققها فى الارض أو السماء .

- نقول أن الحياة والطبيعة تمارس فعلها بدون غاية ولا ترتيب ولا حكمة , فأن تنال منها القسوة أو الترفق فهذا غير مُرتب ولا مُتعمد وليس وراءه غاية وقصد , والدليل على الوهم الإنسانى بالعدالة المفقودة التى تطلب الحضور فى العالم الآخر أن الحيوانات تعانى من القسوة والظلم المُفرط من الحيوانات المتوحشة , فهل الإله المفترض سيقوم بالقصاص للغزال من الأسد المتوحش فى العالم الآخر؟ , فلا تندهش من هكذا سؤال وتعتبره متهافت فأنت أمام عدالة مطلقة لا تعرف الإستثناء , ولكن كان يجب أن نسأل قبلها لماذا أقر الإله بالقسوة والظلم كشريعة ومنظومة عالم الحيوانات .

- حجة الدليل الاخلاقى هشة جداً رغم انتشارها. فمن الممكن بكل بساطة أن نذكر شذرات من حكمة كونفوشيوس ولكن هل هذا يجعل منه إله , أما إذا تحدثنا عن ماهية الأخلاق , فيمكن الرجوع لمقالى ( وهم الخير والشر والأخلاق ) ليعطيك فكرة علمية عن ماهية ونشأة الأخلاق وتطورها .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=555722

دمتم بخير وعذرا على الإطالة .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته" – أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .