المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي: كلفة الطلاق..

كاظم الموسوي
2017 / 5 / 22

المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي: كلفة الطلاق..
هل أدركت الحكومة البريطانية وحزبها الحاكم، حزب المحافظين، أن خروجها من عضوية الاتحاد الاوروبي، او ما اصبحت وسائل الإعلام تطلق عليه، الطلاق، له كلفته الصعبة؟!. وهل هي مقتنعة بما وصلت إليه الأمور او ستصل إليه بين الطرفين؟!، وماذا ستستفيد المملكة المتحدة من خروجها او طلاقها من الاتحاد الاوروبي؟.
اولا حدد الاتحاد كلفة الطلاق بما يقارب مائة مليار يورو تدفعها المملكة المتحدة، وثانيا حدد ثلاث نقاط أساسية. حسب دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي الذي ذكر إن قادة الاتحاد الأوروبي أقروا بالإجماع القواعد الإرشادية لمفاوضات التكتل مع بريطانيا بشأن انسحابها. وقال توسك في تغريدة له بعد وقت قصير من بدء قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "القواعد الإرشادية تم تبنيها بالإجماع. التفويض السياسي العادل والحازم من دول الاتحاد لمحادثات انسحاب بريطانيا جاهز".
وكان توسك قد أعلن أن وثيقة المبادئ تتضمن ثلاث نقاط محورية سوف يطرحها الاتحاد الأوروبي في مفاوضات خروج بريطانيا التي من المقرر أن تنطلق في حزيران/يونيو المقبل، بعد الانتخابات البرلمانية في بريطانيا.
هذه الشروط او النقاط تلخص في:
أولا، الاصرار على ضمانات اجتماعية كاملة لمواطني الاتحاد الاوروبي المقيمين في الأراضي البريطانية وأفراد عائلاتهم.
ثانيا، الزام بريطانيا الإيفاء بكافة التزاماتها المالية أمام الاتحاد الأوروبي.
وثالثا، معارضة إنشاء حدود بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية التي تعتبر جزءا من المملكة المتحدة.
لكن وزير الخروج من الاتحاد في بريطانيا ديفيد ديفيس، رد بأن بلاده لا تخوض مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست" كمتسول بل كطرف مفاوض، رافضا احتمال دفع بريطانيا مئة مليار يورو للاتحاد الأوروبي. وكانت صحيفة "فايننشال تايمز" ذكرت يوم 2017/5/3 أن فاتورة بريطانيا لتصفية حساباتها مع الاتحاد الأوروبي قد تصل إلى مئة مليار يورو، ونفى علمه بذلك ووصف الأمر بأنه "أولى المناورات" من الاتحاد الأوروبي، لكنه اعترف في الوقت نفسه بأن مفاوضات الخروج ستكون صعبة. وأضاف الوزير البريطاني، "في حال الخروج من الاتحاد (دون اتفاق) لن يتم دفع أي مبلغ، لكن لا أحد يريد هذه النتيجة. نريد اتفاقا ونعتقد أننا قادرون على التوصل إلى اتفاق.. قلنا بوضوح إننا سنحترم التزاماتنا الدولية وواجباتنا القانونية، لكن لن يحددها طرف لنا، ستكون موضع مفاوضات". وردا على سؤال عن وسائل الضغط التي تملكها بريطانيا، قال ديفيس "متى خرجنا من الاتحاد سنكون السوق الخارجية الأكبر للاتحاد الأوروبي"، معتبرا أن "هذا الأمر مهم جدا بالنسبة لهم".
بالمقابل وخلال مؤتمر صحفي في بروكسل (2017/5/3) صرح كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه إنه يجب على بريطانيا أن تفي بكافة تعهداتها فيما يتعلق بالخروج من الاتحاد بموجب تسوية مالية واحدة، مضيفا أن "الأمر ليس عقابا ولا ضريبة خروج". وقال إن "البعض وجد أوهاما مفادها أنه لن يكون للبريكست أي آثار مادية على حياتنا، أو أن المفاوضات يمكن أن تجرى بسرعة".
بينما كرر الوزير البريطاني ديفيس رفض ما يقال عن دفع بريطانيا، كلفة الطلاق، مئة مليار يورو. وأضاف في تصريحات صحفية، أن "هناك جانبين في هذه المفاوضات، والطرف الآخر لن يحدد من يقوم بماذا".
اتخذت الحكومة البريطانية الإجراءات الروتينية لخروجها، حيث حصلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي على موافقات البرلمان، مجلس العموم البريطاني، والملكة، وقرار الشروع في المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي، في تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، والاستعداد لسنتين من المفاوضات، اثر نتائج استفتاء 23 حزيران/يونيو العام الماضي بالخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن امام ماي وحكومتها يقف إعلان رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستورجن في طلب إجراء استفتاء ثان حول الاستقلال. كما في إيرلندا الشمالية، تسود مخاوف من أن يؤدي الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى العودة إلى الحدود والرسوم الجمركية مع جمهورية إيرلندا مما سيثير استياء القوميين ويهدد السلام الذي تم التوصل اليه بصعوبة في المنطقة.
وزاد من القلق تحذيرات بروكسل بأن بريطانيا سيتعين عليها دفع تكاليف باهظة وشروطا قاسية لقاء الطلاق، بالإضافة إلى انعكاسات متباينة على الاقتصاد البريطاني. وترغب الحكومة البريطانية في أن تسير المباحثات المتعلقة بالعلاقات التجارية جنبا إلى جنب مع المفاوضات المتعلقة بالانفصال/ الطلاق. ومهما يكن الأمر فان عواقبه ليست اعتيادية كما وضح ذلك الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، في أقواله: "من المحتم أن يكون ثمة ثمن تدفعه المملكة المتحدة: إنه الاختيار الذي اتخذه الناخبون". وأضاف "يجب ألا نعاقب (المملكة المتحدة على رغبتها في الخروج من الاتحاد) ولكن في الوقت ذاته من الواضح أن أوروبا تعرف كيف تدافع عن مصالحها. إن بريطانيا ستحظى غدا بوضع أقل من حيث المزايا وهي خارج الاتحاد الأوروبي مقارنة بما عليه الحال اليوم".
وكان قادة الاتحاد الاوروبي قد وقعوا في احتفال تأسيس الاتحاد على "إعلان روما" للتأكيد على توحدهم بعد انسحاب المملكة المتحدة، وذلك في الذكرى 60 على اتفاقية روما التي عملت على "إرساء أسس اتحاد بين الشعوب الأوروبية". وتضمن إعلان الدول الـ27 "تصميماً على جعل الاتحاد الأوروبي أقوى وأكثر صموداً عبر تعزيز الوحدة وتوثيق التضامن". وشدد الإعلان على "اتحاد لا ينفصم" ردًا على البريكست، لافتاً إلى أن "أوروبا تواجه تحديات غير مسبوقة سواء على الصعيد الدولي أو المحلي".
معلوم أن اتفاقية روما وقعت للمرة الأولى في 25 آذار/مارس عام 1957، وتأسس بموجبها الاتحاد الأوروبي، وتلتها مجموعة من الإجراءات أبرزها إعلان منطقة اليورو والعملة الأوروبية الموحدة. وغيرها من الإجراءات والقوانين التي طورت من الاتحاد وعضويته ومجالات عمله ونشاطاته، وجعلته قوة اقتصادية وسياسية يحسب لها في السياسات العامة والعلاقات بين القوى الدولية.
بالتاكيد خروج بريطانيا من الاتحاد خسارة له وانذار خطر لوحدته الا ان استمرار الاتحاد وبقاءه لا يتأثر، كما يبدو، بذات القدر الذي ستدفعه بريطانيا من كلفة الطلاق.