في الذكرى 69 لنكبة العرب في فلسطين

فتحي علي رشيد
2017 / 5 / 16

قال سري نسيبة *(1) في إحدى تعليقاته على النكبة " إن المفتي الحاج محمد أمين الحسيني نجح كرمز لكنه سقط كقائد ولهذا تترتب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمنا غاليا نتيجة اختيارهم لقادتهم .
قد يكون لكلامه هذا جانب من الصحة فيما لو أن الشعب الفلسطيني أختار هو قيادته لكن من يراجع التاريخ ويدقق فيه جيدا ,يعرف أن المندوب السامي البريطاني اليهودي "هربرت صموئيل " هو الذي فرض الحاج الشاب "محمد..فرضا ليكون مفتيا عاما على فلسطين مما يعني أن الشعب الفلسطيني لم يختره .
وطالما أننا نعرف أن أحد الأسباب التي أدت إلى النكبة هو القيادات العربية المعينة كلها تعيينا وليس الحاج محمد وحده بل الحكام العرب كلهم .لذلك نقول ل"نسيبة " أن كلامه مضلل , كون الشعوب العربية كلها بما فيها الشعب العربي الفلسطيني لم تختر قياداتها منذ فترة طويلة بل منذ عمق التاريخ .
ونحن نعرف أن الانكليز هم الذين عينوا فيصل ابن الحسين ملكا على سوريا عام 1920 .وعندما قال لهم الفرنسيين "كش ملك " نقله الانكليز من سوريا ونصبوه ملكا على العراق وشعبه العظيم ,ذو الحضارة الضاربة جذورها عميقا في التاريخ .وعندما طرد آل سعود عبد الله ابن الحسين ( شقيق فيصل ) من الحجاز نصبه الإنكليز أميرا على شرق الأردن( وبعد أن دخل فلسطين وخاض حرب عام 1948 ليضم الضفة الغربية أصبح ملكا على الأردن ) .وعندما لم يعجبهم ابنه طلال عينوا ابنه الشاب حسين ملكا مع أن عمره لم يكن يتجاوز السادسة عشرة , وعندما قتل الملك غازي في العراق عام 1936 جعل الإنكليز من ابنه الولد فيصل الثاني ذو التسع سنوات ملكا على العراق العظيم ...
لن نطيل ولكننا نذكر بأن أحد أسباب نكسة حزيران ,أحد عوامل استمرار نكبة العرب الحالية وتعميق نكبة فلسطين وتفاقمها ( بعد ضياع ثلاثة أمثال فلسطين ) كان يتمثل في أن حكام العرب يومها لم تختارهم شعوبهم .بل فرضتهم عليهم قوى (مجهولة !) فرضا . فعبد الناصر لم ينتخبه أو يختاره الشعب المصري , بل مرره أعضاء مجلس قيادة الثورة غير المعروفين عام 1954 .كذلك جرى بالنسبة لأمين الحافظ في سوريا عام 1963 ,ولحسن البكر في العراق عام 1969و معمر القذافي في ليبيا ...إلخ .
وهنا نسأل : من من الفلسطينيين كان يعرف السيد المحترم المحامي الفذ المفوه " أحمد الشقيري " حتى يعين رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية؟وليصفق له الشعب ويهلل له ؟ هل اختاره الشعب الفلسطيني؟ وأساسا هل الشعب الفلسطيني هوا لذي قرر تشكيل (م.ت.ف ) أم أن الملوك والرؤساء العرب المجتمعين في القاهرة عام 1964 هم الذين قرروا تشكيل المنظمة وفوق ذلك عينوا لها رئيسها ؟ الأمر ذاته حصل مع عرفات عام 1968 . هل اختاره الشعب الفلسطيني أم فرض عليه فرضا ؟
من هو عرفات حتى يقرر نيابة عن الشعب الفلسطيني التنازل عن 80% من فلسطين لليهود ؟
فلسطين ليست ملكا حتى للعرب ولا حتى للشعب الفلسطيني الحالي , فلسطين حقا لجميع العرب ولجميع الفلسطينيين الراحلين والحاليين والذين لم يولدوا بعد , لايحق لأحد أن يتنازل عن أي حق من حقوقهم .
كلما نتحدث عن النكبة نجتر أحزاننا كل عام ونلطم ونقرع بعضنا البعض , ولكن يكفينا و لنستفيد من عبر التاريخ لكي نزيل كل ما نتج عنها . وأول ما يخطر ببالنا الحكمة القائلة " ما ضاع حق وراءه مطالب ". وأؤكد لجميع العرب والمسلمين والفلسطينيين خاصة ,إذا كنتم تتمسكون بحقوقكم فطالبوا بها .أعلنوا جميعكم واصرخوا بصوت عال :أنكم لم ولن تتنازلوا عن ذرة تراب واحدة من تراب فلسطين .وأن كل تنازل حصل هو باطل وغير شرعي وغير قانوني وغير أخلاقي مهما كانت مبرراته الاستراتيجية التي تضحكون بها على أنفسكم قبل الاخرين .
وبالمناسبة هذه أذكر مثالا يحتذى به وهو بما فعله حوالي ثلاثمائة ألف من الألبان الذين فروا من بلدهم عام 1945 بعد الثورة التي قام بها أنور خوجة في ألبانيا بدعم من ستالين وفروا إلى البوسنة أو النمسا أو إيطاليا واليونان ( كما حصل مع الفلسطينين الذين شتتوا في سوريا ولبنان والاردن والعراق ) .وبعد أن صادر الحزب الشيوعي الألباني أملاكهم .رفضوا التنازل عن أي حق من حقوقهم حتى للألبان أخوانهم . وظلوا متمسكين بحقوقهم,حتى استطاع أغلب أبنائهم وأحفادهم . بعد أكثر من ستين عاما (من عام 2005 وبعد ) العودة إلى بلدهم ,حيث استعادوا إضافة لأملاكهم المصادرة ,جنسيتهم الأصلية .ولهذا اوجه لكم السؤال التالي : هل ستتنازلون أنتم عن حقوق أجدادكم وحقوقكم وحقوق ابنائكم في بلدكم لغرباء لا يمتون إليكم بصلة ؟ أم ستقتدون بالألبان وترفعوا أصواتكم عاليا وترفضون التنازل عن أي حق من حقوقكم ؟
أول خطوة عليكم بها هو الرفض وهو يبدأ برفض تعيين قيادة لا تختارونها انتم ,بل باختيار و فرض قيادة تتمسك بحقوقكم كاملة .
فتحي رشيد 16 أيار 2017

(1)سري نسيبة رئيس جامعة القدس (1995 - الآن) واستاذ الفلسفة، فلسطيني من مواليد دمشق في العام 1949، أثناء هجرة عائلة والدته من الرملة، عاد أبواه إلى القدس حيث نشأ والتحق بمدارسها حتى تخرجه عام 19666. حائز على شهادات الفلسفة منجامعة اكسفورد في بريطانيا سنة1971 والفلسفة في الإسلام من جامعة هارفرد سنة 19788. له توجه فلسفي ليبرالي ضمن منظور إسلامي