مائة حجة تُفند وجود إله - حجة(85)

سامى لبيب
2017 / 5 / 15

- حجة (85) من مائة حجة تُفند وجود إله .
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (64) .

قدمت 84 حجة تفند وجود إله معتمداً على مفردات ومعطيات فكرة الإله ذاتها كما تم طرحها وفقا للأديان , لأبرز تهافت وتناقض هذه المفردات مع بعضها وعدم منطقيتها , ولأبدأ من هذا المقال إكمال المائة حجة التى تفند وجود إله بنقد ما يقال عنه فلسفة دينية لأطرح أفكار ورؤى فلاسفة ولاهوتيين وأهل الكلام ومحاولاتهم البائسة فى تقديم رؤية منطقية عقلانية عن وجود إله لأبين هشاشة وسطحية طرحهم .

* خطأ التعاطى مع العقل والمنطق والفلسفة للإستدلال على وجود إله .!
- بداية قبل التعاطى مع الرؤى الفلسفية والمنطقية التى تزعم أنها تثبت وجود إله , حرى بنا أن نتناول رؤية دينية تبدد أى محاولات لطرح أفكار عقلانية . !
فى الحقيقة لم تكن فكرة وجود إله فى نشأتها ذات رؤية عقلية باحثة عن سر الوجود بل فكرة متخيلة أوفت إحتياجات ومتطلبات ورغبات نفسية تطلب الأمان والسلام فى عالم مادى صارم وهذا ما أوضحته فى سلسلة مقالاتى (لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون) كذلك كانت فكرة الإله أدلجة لفكرة الحكم والحاكم فى القبيلة والمجتمع والدولة لتتحول فكرة الإله كصياغة للهيمنة والقيادة والتسييس .
لسنا هنا بصدد الإعتناء مع الاسباب والحاجات الإنسانية السيكولوجية التى أنتجت فكرة الإله ليكون إعتنائنا بمحاولة المؤمنين إيجاد صيغة منطقية عقلانية تعتنى بإثبات وجوده لتجد حضور فى العقل الإنسانى , لذا سنعرض فى هذا الملف الحجج التى قدمها اللاهوتيون والفلاسفة والأديان لإثبات وجود إله وسنرى كم هى متهافتة وتقريرية تخاصم المنطق السليم ولكن قبل التطرق لها علينا أن نتوقف ملياً أمام إشكالية كبرى تنسف وتبدد كل المحاولات البائسة للتعامل مع فكرة الإله منطقيا وعقليا .!

- الإشكالية الكبرى تتمثل فى أن المؤمنين بالإله عندما يحاولون تقديم أدلَة عقلية على وجود الله فإنهم يجعلون الله جزءاً من هذا العالم , وهذا ما إنتبه إليه بعض اللاهوتيون أنفسهم حينما إعتبروا أن الأدلة الّتي يقدمها المتفلسفة قد تصدق على إله وثني , وليس على إله مطلق .
كذلك في الإسلام فالأمور أكثر حسماً لأن الله في الإسلام " ليس كمثله شيء " فكيف يمكن الإستدلال على وجوده وفعله من ليس كمثله شيء , فكلما إستعنت بمثال أو فكرة من الوجود كالسببية أو المصمم أو الغائية ألخ , فمثالك ومنطقك خاطئ كون وجود مثيل لهذا الفعل والإستدلال , فالإله ليس كمثله شئ , كذا ليس جزء من الوجود المادى وهذا يعنى أن كل ما يرونه من حجج مُستقاة من الوجود المادى خاطئة وغير صحيحة , فالإله المُفترض ليس ذو وجود مادى وليس كمثله شئ .
القول التقريرى والشائع الذى يحصن فكرة الإله بأن عقولنا عاجزة عن فهم الحقائق خارج المكان والزمان فيستحيل أن يفهمها العقل الإنساني تضاف لزعم بأن الإله ليس كمثله شئ وأنه ليس جزء من الوجود المادى لتتبدد أى محاولات متفذلكة لإثبات وجود إله من خلال تعاطيهم مع العقل والمنطق والفلسفة .!
رغماً عن هذه الرؤية التى تُبدد أى محاولات لمنطقة وفلسفة وجود إله فسنتناول ما تم طرحه من رؤى يقال عنها فلسفية منطقية وهى بعيدة كل البعد على المنطق المتماسك والفلسفة الرصينة وسنستهلها بالسبيية كأكبر حجة مثارة .

* السببية .
جاء فى المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية , والبيان والتبيين للجاحظ 1/ 163. مقولة الأعرابي الذي سئل : بِمَ عرفتَ ربك؟ فقال : "البَعرةُ تدل على البعير , والأثَر يدل على المسير , فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أفلا تدل على العليم الخبير ".
مقولة: "البعرة تدل على البعير" تصيب الذات الإلهية المُفترضة التي يحاولون إثبات وجودها بإهانة بالغة ، فالمفترض أن الكون ليس بعرة و الإله ليس ببعير , فعملية إنتاج البعرة ليست عملية واعية , في حين إنتاج الكون يُفترض أنه تم بإرادة ووعياً يُلصقها المؤمنون بآلهتهم , وهذا الأمر يجعل الاستدلال بهذه المقولة غير لائق ولا مقبول منطقيا , ولكن هكذا هى ثقافة بدوية .

- مقولة "البعرة تدل على البعير" للوصول أن الإله هو الخالق والمُسبب للوجود هو قفز على العقل وقول يفتقد لفهم معنى السببية , فالسببية لا تتحقق إلا من المشاهدات والعلاقات المتكررة لتتكون خبرات جعلتنا نضع السببية كمنطق , فنحن شاهدنا بعرة تسقط من بعير وأثر جاء من مسير , لتتراكم خبرات كثيفة متكررة وصلت بنا لتحديد نوعية الحيوان الذى أنتج الروث , فهل هو من بعير أم نعجة أم أرنب , وكذا من تراكم المشاهدات يُمكن أن نُدرك أن الأثر الذى جاء من المسير هو نتيجة مَسير فيل أو إنسان أو دجاجة فلايمكن لشخص أن يعلن ان هذه البعرة من البعير بدون أن يشاهد ويدرك هذا الحدث .
من سببية البعرة من البعير والأثر من المسير يتم قفزهم والقول " فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير" أى أن الله هو خالق وصانع الحياة والطبيعة , ولكن هذا القول مُتعسف وغير منطقى وقفز بدون مبرر , فنحن لم نشهد صناعة سموات ذوات أبراج وأرض ذات فجاج سابقاً على يد آلهة لندرك أن ما نراه من سموات حالية وحياة متجددة هى من إنتاج الله .. أى أننا لم تتكون لدينا خبرة بأن الآلهة تخلق وتصنع حياة سواء بالتشكيل من الطين أو من مواد أولية لتجعلنا نقول بأن الله خلق أو أوجد الحياة كما إعتمدنا البعرة من البعير والأثر من المسير على خلفية مشاهدة صور كثيرة كونت ذخيرة من الخبرات والمعرفة ,فلا نستطيع مثلاً أن ننسب الجبل الذى نشاهده لصنع الله فلم نشاهد سابقاً إله يصنع وينحت الجبال , لذا فليس لدينا أى خبرات حتى نقول بأن الله سبب خلق الكون والجبال .. هذا إذا كان هناك خلق من الأساس .!
نحن لا نقرر مُسبب إلا من مشاهدات وخبرات عديدة فنقول بعد ذلك أن هذا هو المُسبب فقول الأعرابى أن البعرة تدل على البعير جاءت من مشاهدات لبعرة تسقط من بعير فهل لدينا مشاهدات وخبرات لإله قام بإنشاء سماء ذات أبراج ؟!

- لا يصح ان نضع السببية بدون وجود أرشيف فى الدماغ من الخبرات يَمنح السبب للمُسبب , أى أننا لا نستطيع أن نحدد بدقة وبثقة المُسبب بدون أن يوجد لدينا مخزون من المشاهدات والخبرات لذا تكون مقولة " البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير" تحايلية ومراوغة ولا تثبت أن الله هو المُوجد .

- تتهافت مقولة البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير لنفترض أن هناك سببية على كل الكون والوجود ولكن هذه المقولة لا تقدم شيئا بل تقفز قفزاً , فما علاقة البعرة والبعير بكون ذات أفلاج ..فهى تقدم أن هناك فاعل عاقل فلو إعتمدنا وجود مُسبب فلما لا يكون غير عاقل أى لما لا يكون الكون جاء من طاقة عمياء غير عاقلة وهذا مايطرحه العلم , ومن هنا نرى أن الفلسفة الإسلامية تحايلية , وإذا إفترضنا بوجود طاقة عاقلة فلماذا هو الله؟ فلما لا يكون فيشنو أو يهوا أو زيوس أو اهوروا مازدا .

- فكرة الله لن تجد لها وجود إلا من خلال تعاملهم مع منطق السببية كما يروجون , فلن تستطيع أن تجد لها سبيلاً للعقل إلا بالتعاطى مع هذا المنطق , فلكل سبب من مُسبب , ولكل حدث من مُحدث , ولكل علة من معلول ,ولكن هل هذا المنطق يكون متماسكاً وفاعلاً فى التعاطى مع فكرة الله أم أن أصحاب الفكر اللاهوتى يتعسفون عند أول منعطف فينصرفون عن المنطق الذى إحتكموا له , فإذا كان لكل شئ مُسبب , فما مُسبب الله ؟ لتجد الإجابة بأن الله بلا مُسبب يُسببه , فكيف نعتمد السببية كمنهج للبحث غير خاضع له كل المفردات والفرضيات لينحرف عند أول إشكالية يواجهها , أو قل كيف نعتمد منهج يأتى لإثبات شئ ثم يُصرف هذا الشئ عن منهجه .!

- إذا كانوا يعتمدون السببية كمنطق عقلى للتعاطى والإستدلال , فهل يحق القول بالمثل بأن المادة ليس لها مُسبب , بل سيكون إدعائنا أكثر قبولاً ومنطقية , من قانون حفظ وبقاء المادة أى أنها لا تخلق ولا تفنى من وإلى العدم , كذا إذا كان الإله المُفترض الأكثر تعقيداًً وتركيباً من المادة بلا مُسبب , فحرياً ان تكون المادة البسيطة الأقل تعقيدا بلا مُسبب فأنت تسأل عن مُسبب جهاز الكمبيوتر ولن يثيرك السؤال عن مُسبب قطعة حجر فى أسفل جبل . !

- السببية تعتمد على قراءة الإنسان للمشاهد , ومن ثم يتم إيجاد علاقات وبناء الإستنتاجات والتنبؤ , وإذا لم يتم الإعتماد على إستقراء عدد كبير جداً من الحالات التي تبني عليها السببية كالترابط والتلازم بين الحوادث , فخلاف ذلك تكون السببية غير دقيقة وغير مضمونة بل تقترب من الخطأ والإدعاء .. السببية دوماً تنبؤ ذو درجة دقة ليست مطلقة , فيكون التنبؤ عالي الدقة بشكل كبير كما في العلوم من التكرار والإختبار المستمر , وتكون متواضعة الدقة أو خاطئة عندما تبنى على إستقراء واحد .

- القول بأن هذا من فعل الله ليس تفسير جيد لظاهرة فهى إجابة مُبتسرة قافزة ومُتسرعة ومُتعسفة لأنك لا تستطيع إثباتها .. هى إجابة تنم عن جهلنا وعدم وجود تفسير لدينا أو هروبنا من مأزق الحيرة والقلق فإخترنا الجواب السهل لنبدد حيرتنا ونخلد لنوم مريح .. ولكن المصيبة الكبرى أنها تشل الدماغ عن البحث العلمى .

- سنظل نردد أن منطق السببية يعتنى بشئ محدد لا يتنازل عنه وهو إثبات أن ذاك السَبب جاء من ذاك المُسبب حصراً , وإلا لحق لكل مُدعى ومُخرف أن يَدعى مُسببا لأسباب .

- يحاول المتدينون الشبه عقلانيون أن يصيغوا إستدلالهم بالسببية على المنوال : "إن لكل شيء مُحدث سبباً , والكون مُحدث , إذا له مُسبب , ذاك المُسبب هو الله " . هذه الجملة إحتيالية فهى تنطلق من مقدمة أولى متفق عليها لحد ما أن لكل شيء مُحدث سبباً بالرغم تحفظنا على تعميم السببية كما ذكرت , ثم تأتى المغالطة المدسوسة بجهل متعمد أن الكون مُحدث فهو لم يثبت أن الكون مُحدث ليتكأ على فرضية يمررها فى منطقه من أجل تمرير وجود إله لنقول أن هذه المغالطة لن تمرر الإله أيضا , فعليك إثبات أن الكون مُحدث , ولا تنسى التعاطى مع إثبات أن هذا السَبب من ذاك المُسبب حصراً .

- منطق الإستثناء وخصوصية الحل . تظهر هذه المغالطة عندما يحاول البعض إستبعاد صفة ما من الحل الذي يقترحه بينما تكون تلك الصفة موجودة وأصيلة في الحل ذاته , فعلى سبيل المثال يخبرنا الفكر الديني أن الكون حادث ومُتغير لذا لابد له من مُحدث يكون غير مُتغير وغير حَادث وهو الاله , ولكن المشكلة أن القاعدة المنطقية تقول أن علة المتغير متغيرة , فاذا كان للكون علة فلابد أن تكون مُتغيرة , ومن هنا سنتوقف أمام تلك العلة المتغيرة ونقول لابد لها من علة وهكذا , وبالتالي فإن صاحب الحجة إلتمس خصوصية الحل بينما كان الحل الذي اقترحه خاضعاً لنفس مبدأ الاستبعاد الذي أقره .!
مثال اخر على نفس المغالطة هي إدعاء المؤمنين أن كل هذا التعقيد الموجود حولنا لايمكنه ان يكون بلاسبب ,ومع هذا نجده يصدق بوجود كينونة معقدة أكثر من الكون وبلا سبب .! فإذا كنت هتعتمد أن كل سَبب من مُسبب لذا أرجو أن تلتزم بهذا المبدأ دوماً.

- منطق القفز . غالباً ماتكون النتيجة المنطقية للحجة أعم من الاستنتاج النهائي, فمثلاً الفكر الديني فى حجة السبب الأول يستنتج أنه لابد من وجود مُسبب أول كنتيجة منطقية ثم يقفز فجأة للاستنتاج بأن هذا المسبب هو الاله . ! فلو تغاضينا عن حجة السبب الأول فإنها تُثبت وجود سبب أول لاغير ولكن هذه الحجة لا توضح لنا صفات السبب الاول فهي لا تخبرنا أن السبب الاول لابد ان يكون مُريداً عالماً حكيماً عادلاً...الخ , وبالتالي فإن الإستنتاج بأن السبب الاول لابد أن يكون إله مُريد ولاشيء غيره هو تخصيص غير مبرر وقفز من نتيجة الى أخرى بلا ترابط منطقي .

- مغالطة الإختزال . مضمون المغالطة هو أن صفات الجزء ليست بالضرورة صفات الكل , فعندما تناقش الدينيين يكون الكل هو الكون والجزء هي الكينونات التي حولنا , لذا فأي محاولة لاثبات صفة للكون ككل بالاعتماد على صفات الكينونات التي تحيط بنا , أى الأجزاء يكون غير صحيح منطقياً , ففي حجة السبب الأول أو المحرك الاول يُلاحظ صاحب الرؤية أن كل ماحوله يكون سبباً لغيره ولايمكن أن يُسبب نفسه فينطلق للتعميم بأن الكون لايمكن أن يُسبب نفسه فتكون المغالطة هي أنه عمم على الكل صفات الجزء بلا أى دليل .

- يستغربون من سؤال من خلق الله ليقولون بأننا لو إعتبرنا للإله خالق , و كان للخالق نفسه خالق , سنجد أنفسنا في سلسلة لا تنتهي من الخالقين وهذا محال, فهكذا قولهم . لأقول : إن منطقكم هذا هو الذي أوصلكم الى هذا المحال , فأنتم القائلون أن للكون خالق , فإذا وجدتم أنفسكم في مأزق السلسلة اللانهائية , فهذا يدل أن منطقكم أصلاً خاطئ عندما يفترض حاجة الاشياء الى خالق , لتفترضون بعدها بوجود هذا الخالق ثم تتراجعون لتقولون أن هذا المبدأ لا ينطبق على هذا الخالق , فهذا إسمه منطق انتقائي متهافت والمنطق الانتقائي مرفوض .

- حتى فكرة الصنع لن تتحقق بواسطة إله , فمقولة صنع الله الكون من المادة خاطئة وفق إيمانكم , فأنتم تعتبرون الإله غير عاقل وهذا صحيح منطقياً , فلو كان عاقلاً فهذا يعنى أنه محكوم بما هو معقول فلا يحيد عنه ملتزم بقانون المادة ليقع تحت الجبرية خاضعاً للمادة وقوانينها لتتبدد ألوهيته , لذا فالسببية فى الإستدلال لا تعنى أن المُسبب عاقل , لتنسف فكرة المصمم العاقل فليس بالضرورة أن يكون وراء الشئ سبب عاقل لإنتاجه , فالإله ذاته حسب إيمانكم ليس عاقلاً , وهذا يقودكم إلى الفكر الإلحادى .

- من الخطأ تصور أن السببية منطق الوجود , فمبدئياً الوجود والكون والحياة ليسا لهما منطق , فالمنطق فكر وعلاقات الإنسان كما تترائى له محكوماً بحجم معارفه وانطباعاته وذكاءه لتكون السببية فى هذا الإطار قراءة ذاتية للإنسان وليس منطق وحقيقة الأشياء , فالأشياء ليس لها منطق .
أنظر إلى رؤية وفهم ومنطق الانسان القديم عن الشمس والارض والذى استمر ردحاً من الزمن إمتد لآلاف السنين , فالشمس لديه هى التى تدور حول الارض لتجلب الشروق والغروب فالأمور ممنطقة فى ذهن الإنسان القديم على أن الارض مستوية منبسطة كما يراها والشمس هى التى تتحرك , بينما منطقنا يقول أن الأرض كروية تدور حول نفسها فى مواجهة الشمس لنحظى على الليل والنهار والشروق والغروب .
ما قصدته من مثالى هذا أن منطق السببية هو قراءة ذاتية للإنسان وليس حقيقة فى حد ذاتها لذا كل ما نمنطق به الاشياء هى رؤيتنا وقراءتنا الذاتية وفق معارفنا , وهذا يعنى أن التعاطى مع السببية لن يكون تقييماً صحيحاً مطلقاً على الدوام فى صحته , فهى قراءتنا وفق ما توفر لنا من معرفة وإدراك .

- إن قانون السببية أصلا قانون تجريبي وليس عقلي مطلق , أي أنه جزء مكتسب من قوانين الطبيعية عن طريق الملاحظة وإستنتاج الروابط والعلاقات من ذهنية محكومة بحدود معارفها كما ذكرنا , لذا السببية ليست من المطلق ولا من الثوابت العقلية الفطرية كما يحاول البعض ترويجه , فالسببية ليست مثل العمليات الحسابية المُدركة عن طريق العقل , لذا فالسببية منطق تجريبي يقع تحت طائلة النسبية خاضعاً لما سيكون عليه الشكل النهائي من ركام التجارب في التاريخ البشري النسبى , لذا فالسببية ليست مطلقة فكيف يتم استخدامها في الاستدلال على الله الذى يصفه المتدينون بالمطلق , فهذه استحالة رياضية أن تقبل بمعادلة تحتوى على طرفين غير متجانسين وغير متكافئين .

- إذا أدخلنا قانون السببية في السياق التجريبي , فإن التجريبية علمتنا أن التجارب المتكررة تعطي دائما نتائج متغيرة ولو بشكل طفيف , فمعارفنا الأولى عن الذرة أعطتنا فهماً أنها الجزء الأصغر في المادة , ثم أضافت التجارب الثانية أنها مكونة من إلكترون ونواة ، ولا زالت التجارب تعطينا نتائج ثرية , وكذلك شأن قانون السببية فهو كان يعطينا قديما أن هناك إلها خارقا كسبب مباشر خلق الأرض وجعل عليها سقفاً والآن لم تعد لتلك السببية سوق بين العقلاء .

- السببية هو مبدأ ومنطق مرتبط بالزمان والمكان فلتنظر فى أى مشهد سببى ستجده مرتبط بزمان ومكان داخل ظروف موضوعية , وهذا ينفى السببية خارج حدود الزمان والمكان , وبما أن الإله خارج حدود الزمان والمكان غير خاضع لهما وفقا لإفتراضهم فهذا يعنى أن الإله ليس مُسبب للكون .

- ما نشاهده من سببية هو صالح فقط في مستوي قياسنا للزمان والمكان ولا يصلح لتفسير بداية الكون , ولا يصلح أيضا في دقائق المادة , بل يتم نسف السببية على أعتاب دقائق المادة فأنت لا تستطيع أن تدرك السبب فى حركة الجسيمات الدقيقة العشوائية وهذا ما أعلنته نظرية الكم , كما لا نستطيع الجزم بوجود السبب أو عدم وجوده خارج الكون حيث إننا لا نعرف شيئا عن خارج الكون , فإذا إفترضنا أن قانون السببية سارى خارج الكون أيضا فهذا يعنى انه صار قانون وجودى لذا يجب إخضاع كل شيء وجودى له بدون استثناء , وبذا سنصل الي أزلية المسببات لتنال من فرضية الإله , وإذا سايرنا قولهم بأن الإله لا يخضع لهذا القانون , فبذلك نكون نقضنا القانون نفسه ليحق القول لماذا لا يكون الوجود نفسه بلا مُسبب .

- إشكالية المؤمنين فى إستعارة قانون السببية ولويه ثم القفز عليه لإثبات وجود إله هو إستدلال فاسد ليس من عدم إدراك ومعاينة قاعدة أن هذا السَبب من ذاك المُسبب حصراً , بل تكمن المشكلة ان السببية لا يمكن التعاطى معها إلا فى إطار وجود مادى فقط , فالسببية قانون مادى محدد بالزمان والمكان كما ذكرنا , وهذا يعنى أن الإله ذو وجود مادى ومؤطر فى وجود مادى محدد بالزمان والمكان , وأتصور أن انزلاق الفكر الدينى فى هذا المنحى جاء نتاج أن السرد والميثولوجيا الدينية الغارقة حتى أذنيها فى تشخيص الإله وتحديده فى وجود مادى فهو يجلس على عرش محدد بملائكة ثمانية وينزل فى الثلث الأخير من الليل وغيرها من مشاهد ميثولوجية تؤطر الإله فى الوجود المادى , فإذا كان ماديا محدد بالزمان والمكان فيصح التعاطى مع السببية هنا , لتبقى معضلة أن هذا السَبب من ذاك المُسبب .

- نغفل حقيقة أن الوجود هو الموجود لنقحم أشياء متوهمة فى الوجود , لذا السؤال عن خارج الكون هو السؤال عن خارج الوجود , فالشيء الخارج عن الوجود هو مناقض لذاته , فلتلاحظ أنه لو موجود فهو جزء من الوجود , أما الخارج عن الوجود هو اللاشيء , واللاشيء ليس تعبير عن شيء فهو لاشيء .. الوجود هو الموجود فقط فلا يمكنك الهروب من ذلك .

- يقولون بإستحالة لا نهائية المسببات لتقف المسببات عند المُسبب الأول هو الله ولكن هذه الحجة لها ما لها وعليها ماعليها , فما لها هو عدم تصور الإنسان للانهائية وإنعدام البدايات والنهايات , ولكن عليها الكثير فليس معنى عدم تصورنا سينفى اللانهائية واللابدايات , فاللانهائية واقع رياضى مُدرك عقلياً فنحن لا نستطيع تحديد عدد أولى وعدد لانهائى فكلما تصورنا عدد أولى سيوجد عدد قبله -1 كذا لا يمكن تحديد عدد نهائى فى سلسلة لانهائية فسيوجد عدد بعده +1 وهكذا .
كذلك قانون حفظ وبقاء المادة يعنى أن المادة أزلية أى لانهائية فلا يمكن تحديد بداية ونهاية لها , ومن هنا تفسد حجة المُسبب الأول كما أن فكرة الإله كمسبب أول لا تقدم منطق , فلماذا لا تكون المادة مُسبب أول .

- يلح سؤال طريف مشاغب يأتى فى سياق قصة أن الإله غير نهائى فهنا نسأل : هل الإله يستطيع تحديد عدد أولى وعدد نهائى فى سلسلة أعداد لا نهائية ؟ فإذا كان يقدر فهنا لن تكون سلسلة أعداد لانهائية ولكن الاعداد اللانهائية حقيقة رياضية , وإذا كان لا يقدر فهذا يعنى أن المادة أزلية والإله المُفترض صار جزء من الوجود .

- فكرة الاله اللانهائى جاءت من أصحاب اللاهوت لخلق فكرة المطلق المفارق , ولكن من اخترعوا فكرة الإله والأديان لم يتطرق لذهنهم قصة اللانهائيات , والدليل ورود مقولة الإله كأول وآخر فى القرآن والكتاب المقدس , فمعنى الأول والآخر المحدودية ولا علاقة لهما على الإطلاق باللانهائية اللامحدودية , فالأول يعنى بداية لكمية محددة والآخر هو نهاية الكمية المحددة فمن أين جاءت فكرة اللامحدود الأزلى . !

- نحن خُدعنا فى مفهوم مغلوط ومتوهم للسببية بسبب اتساع رقعة جهلنا عما حدث والإعتياد على ما ألفناه ، لذلك أحدثنا تلك الفرضيات لإرضاء التوق المعرفي الطبيعي للإنسان لتنتج فرضية الإله ولكن مع العلم تبددت مربعات الجهل التى كان يحتلها الإله الخرافي , لذا تجد فكرة الإله تتواجد عند كل مجهول عندنا فلم يعد إله الأمطار والرعد كما فى الماضى ليحتل بدلا منها لغز بدء الحياة.

* التعاطى مع منطق السببية ينفى وجود إله وينفى الالوهية وتقوضها .!
- يتكأون على مبدأ السببية لإثبات وجود الله وبالرغم أن منطق السببية لم يسعفهم ولم يتيح لهم إثبات وجود إله على غرار البعرة من البعير , كونها قراءات وتقديرات إنسانية مُختزلة مُتعسفة تبتعد عن الحقيقة , فالأمور فى أفضل أحوالها لا تزيد عن دليل إستقرائى ناتج عن الملاحظة وقراءة المشهد واستنتاجه وفق حالة معرفية ونفسية خاصة , لذا فقد تكون قرائتنا للمشاهد قراءة خاطئة فلا تنتج أى علاقة بالحقيقة .. ورغماً عن ذلك فلا سبيل لإثبات وجود الله إلا عن طريق السببية , ولكن السببية لن تتركهم فى حالهم طالما إرتموا فى أحضانها لتقوض المنظومة الإيمانية بالكامل فى طريقها ! . أعزى هذا أن السببية منطق إنسانى مبنى على إستدلالات مادية فأن تسقطه على فكرة غير محددة المعالم والملامح فلابد أن ينقلب السحر على الساحر .!

- السببية تفقد الإله ألوهيته فهو لا يستطيع فعل شئ إلا بسبب وهذا يعنى أنه تحت قيد المُسببات , فلو أخذتك العزة بالإله لتقول أنه قادر على فعل الأشياء بلا مُسببات فقد نزعت عنه الحكمة والترتيب ونزعت عنه المشيئة والإرادة ووضعته فى خانة العبثية والفوضوية وفتحت المجال لأشياء بلا مسببات .

- لماذا لايمكن أن يكون الله هو السبب الاول؟. لأنه بناء على قانون السببية لابد أن تكون هناك رابطة بين المُسبِِبْ والمُسبَبَ أى بين السبب والنتيجة , فاذا كانت نظرية الإنفجار العظيم صحيحة فلابد من وجود علاقة بين الله وبين الإنفجار الكبير ليس بإعتباره مسؤولاً عن إشعال فتيل الانفجار فقط بل بإعتباره سبباً مستمراً لكل حالة من حالات الكون الذي خلقه , وهكذا فإن الله سيكون مرتبطاً بحدوث الانفجار نفسه وتداعياته , ولكن الله في الفكر والفلسفة الدينية لابد أن يكون معزولاً عن الموجودات خارجاً عن الزمان والمكان بينما الإنفجار الكبير فى الزمان والمكان , ومن هنا لن تكون هناك أى صلة بينه وبين الانفجار العظيم , بمعنى آخر أن العلة لابد أن تكون مجاورة لمعلولها , ووجود الإله خارج الزمان والمكان معناه إنفكاك السَبب عن المُسبب بينما لايمكن ان تنفك العلة عن معلولها .

- الإله بحكم وصفه بالمطلق واللانهائى والكامل لا بد وأن يكون متعالى على الزمن , أى لا تنطبق عليه قواعد البداية والصيرورة والنهاية كأى شئ خاضع للزمن , وهذا يعنى أنه لا يمكنه أن يتواجد فى أى زمن ما . !
هذا التعالى على الزمن يتناقض مع كونه سبب فعل الخلق الذى يرجعونه إليه , لأن فعل الخلق لا يتم إلا فى لحظة فى الزمان , هذه اللحظة تقسم الزمان لما قبلها وما بعدها , فمفهوم السببية الذى يعللون به خلقه للكون يتطلب مفهوم الزمان حيث المُسببات أو المُؤثرات أو المُنتجات تسبق تأثيراتها من الأسباب زمنيا , فلا معنى للسببية إذن من دون الزمن , فإعتباره خالق الكون فرضاً يعنى أنه خاضع للزمن وفى علاقة لا تنفصم معه , لذا القول بأنه غير خاضع للزمن هو كلام لا معنى له ويناقض نفسه , فبما أن فعل الخلق حادث أى لحظة فى مجرى الزمان , فلكى تحدث هذه اللحظة ينبغى عبور الأزلية أولا أى قطع مقدار لا نهائى من الزمن , وهى استحالة منطقية واضحة , لا ينقذها سوى أن المادة التى تشكل منها الكون الحالى أزلية أبدية لا مخلوقة غير قابلة للفناء وهى كذلك بالفعل .

- لو سألنا لماذا خلق الله الكون فى لحظة زمنية محددة ولم يخلق قبلها أو بعدها ؟ فلا يتصور أحد أننا أمام سؤال سفسطائى ليقول لو خلقه قبل أو بعد ستتوقف أيضاً وتسأل لماذا سبب الخلق فى تلك اللحظة دون غيرها .. نعم سنسأل دوماً هذا السؤال ولكن يبدو أن حضرتك لا تدرك عمق هذا السؤال الذى سينفى الخلق والإله .
عندما نقول لماذا سَبَبَ الله خلق الكون في هذه اللحظة بالذات دون سواها ولم يخلق في اللحظة السابقة أو اللاحقة فهذا له مغزى عميق , فمعنى عدم وجود قبل الخلق يعنى أن كل اللحظات الزمانية تكون متشابهة بلا أى فوارق ليكون نسبة الفعل فى كل منها متساوياً فلا تمييز لتلك اللحظة عن غيرها لتتميز ليكون تميزها دافعاً لصدور سبب وفعل الخلق عندها .
دعونا نبسطها أكثر فمعنى أن الله خلق الوجود فى لحظة معينة فإما تكون بحكمة أو عبث , فسيقول المؤمنون بالطبع لحكمة وماخلقنا عابثين , وهذا هو المُفترض من إله كلىّ الحكمة والتقدير لذا سنهمل الخلق بعبثية وبدون قصد ليكون إختيار لحظة معينة تكون سبباً للخلق تم بحكمة وتقدير , أى أن الله إختار الظرف المناسب فتكون لحظة الخلق قبلها أو بعدها خاطئاً , فالظرف المناسب هو إختيار من عدة ظروف متباينة ولكن هذا يقودنا إلى إشكالية عظمى وهى أن الظروف خارج الله ليفاضل بينها ويتحين الفرصة المناسبة للخلق , وهذا يعنى أن الله يخضع للظروف المستقلة عنه ليتعامل معها ويقوم بدراستها وإختيار اللحظة المناسبة للإقدام على عملية الخلق مع عدم إغفالنا أن اللحظات متشابهة , وأن من المُفترض عدم وجود ظروف قبل الخلق .!
إن عدم إقدام الله على الخلق قبل لحظة الخلق يعنى أنه كان عاجزاً ثم صار قادراً وهذا ينفى الألوهية ويجعله تحت رحمة الظروف وما يُتاح منها وما يتوفر , ولو قلنا بأن الله مُتحرر من الظروف وأنه خلق بدون توافر ظروف مناسبة للخلق كونه غير خاضع لها فهذا يعنى أن سَبب ولحظة الخلق غير مُرتبة وجاءت بلا تفكير وبدون باعث لها أى أننا أمام فعل عشوائى وهذه الفكرة ستلتقى مع الملحدين فى عدم غائية الوجود كما تنزع عن الله فى المقابل أى حكمة وتقدير وتدبير .
خلاصة القول أن الخلق مستحيل كفعل بواسطة الإله كمُسبب , فإما هو إختار لحظة الخلق فسيقع تحت طائلة الظروف القاهرة ليختار اللحظة المناسبة وهنا سيفقد ألوهيته , أو يكون الخلق بلا حسابات وترتيبات وقيود ليصبح شئ عبثى وهنا سيفتقد الحكمة ليدخل فى دوائر العبث .

- يقال ان الله غير خاضع للأسباب فلا يوجد سبب يُشكل سلوك الله , ولكن كيف يغضب ويثور وينتقم ويرحم .. فهل هذه الأشياء يفعلها الله بلا سبب ؟ ! فإذا كانت بسبب فإنه خاضع للمُسبب ومُنفعل معه وهذا هو الحادث بالفعل وفق القصص الدينية أى أننا أمام إله منفعل خاضع للفعل لينتج رد الفعل , وإذا كان ينفعل بلا سبب فهذا يعنى العبثية والهذيان بعينه لتنفى المُسبب العاقل وتصب فى خانة المُسبب الغير العاقل .

- مقولة "الله مُسبب المُسببات والأسباب" تخضع لنفس هذه الرؤية النقدية , فكونه مُسبب الأسباب ليضع لكل مُسبب ما يناسبه من سَبب فلا يستطيع أحد القول أن المُسببات عشوائية لا يَحكمها ترتيب وحكمة فهذا يعنى العبثية , فأن تكون المُسببات ذات ترتيب فهذا يعنى ان الله محكوم بنظام لا يستطيع أن يحيد عنه لتكون الأمور منطقية وذات هدف وغاية , وهذا يُفقد الإله ألوهيته وحريته عندما يكون محكوماً ومقيداً بالتعاطى مع حيز معين من المُسببات القاهرة لا يحيد عنها .!

- إن المؤمن يتكلم عن نظام متكامل مكون من جزأين أحدهما المُسبب والآخر السَبب , فلا يصح أحدهما دون الآخر , لذا فهذه الرؤية وضعت الاله الكامل كجزء من نظام موضوع ليكمل به هذا النظام .. فكيف يكون الكامل جزءاً من نظام , لتتقوض هكذا مقولة الإله الكامل .!

- الصنعه تدل على الصانع , والصانع هنا كامل لن ينتج مصنوعات فاسدة , ولكن الكون غير مكتمل تشوبه الكثير من الأخطاء مثل النيازك وإنفجار نجوم وتصادم مجرات والثقوب السوداء , بل الإنسان نفسه يعتريه النقص والخلل الشديد , فالمشوهين والمعاقين والأوبئه والأمراض التي تفتك بالبشر ووجود أعضاء ليست بذات كفاءة , فكيف يخلق الكامل المطلق صنعه ضعيفة مليئه بالأخطاء .

- إن التعاطى بالسببية ستجلب الجبرية , فهناك تكلفة عالية لابد ان يدفعها المؤمن الذى يعتمد السببية , فتعميم السببية ستدفع الأمور إلى القول بالجبرية أي أن الإنسان مُسير في أفعاله وليس حر الإرادة بل لن توجد له أى إرادة ليتحول إلى كيان مُبرمج ينفذ ما خَطه الله ! .. فإعتماد السببية لإثبات وجود الإله وإعتباره عله أولى غير مَعلولة ستحتم ظهور الجبرية , فأفعال الإنسان نتيجة سبب وهذا السبب تسبب من عِلة أخرى حتى نصل إلى عِلة أولى غير معلولة هى الله كما يزعمون .
طالما ترفعون شعار بأن لكل حدث من مُسبب , فهذا يعني أن أى فكرة تطرأ على دماغ الإنسان لا بد لها من مُسبب أدى لخلق الفكرة وتنفيذها وهذا صحيح ولن نختلف عليه .. ولكن هذا السَبب تسبب في وجوده عِلة أخرى , وهكذا حتى نصل إلى حالة من إثنتين إما أن تنتهي تسلسل العلل المُسببة للفكرة إلى علة أولى غير معلولة كما تؤمنون فلا يوجد علة قبلها , وهذا يعنى أن نهاية سلسلة المُسببات ستكون فى يد الله وهذا سيقودنا إلى الجبرية فأنت مُجبر أن تسلك هذا السلوك لأن مُسبب الأسباب يريد ذلك , وإما لا تنتهى سلسلة المُسببات للفكرة عند العلة الأولى ولكن المؤمن لن يقبل بأن يمتد سبب السلوك الإنسانى إلى اللانهاية فهذا معناه سقوط فكرة وجود خالق المهيمن فبالأمكان حدوث الكون بلا سبب .
إن إنحزت للحالة الأولى بحتمية العلة الأولى التى لا يوجد من قبلها علة فقد وصلت للجبرية وبالتالى فلا معنى للإختبار والمحكمة الإلهية والجنه والجحيم , فالشرير لن يفعل شراً إلا بسبب الفكرة التي جاءت في رأسه والتي بدورها وُجدت عن طريق أسباب سابقة متسلسلة كثيرة بدأت من العلة الأولى .. رغم حرج هذا المشهد لدى المؤمنين فهو الأقرب لهم فلنتذكر أنهم يؤمنون بأن هناك إله يضل من يشاء , ويهدى من يشاء , ولا يوجد مشهد أو فعل خارج إرادته ومشيئته .
عندما نحلل ونفسر السلوك وأسبابه وفقا للسببية , فالقاتل لن يستحق العقاب السمائى لأن الأسباب التى سيرته مَخْلوقة مُسَببة لتحتشد وتترابط لتحقق فعل مرصود من السَبب الأول الذى رتبه ليحقق قدره ومشيئته وعلمه المُسبق , فالمُسبب الأول رتب الأحداث والأسباب هكذا ليصير إطلاق الرصاص فى إطار تحقيق المعرفة والقدر الإلهى .
عليك أن تختار بين أمرين لا ثالث لهما إما أن تتنازل عن إطلاقك وتعميمك للسببية وبالتالي فلا تستطيع إثبات وجود الله بها , وإما أن تثبتها وتعممها على كل شيء وعندها لا يحق للإله أن يُثيب أو يَعذب بإعتباره العلة الأولى التى سببت الأسباب ليجعل المؤمن مؤمناً , والكافر كافراً , والضال ضالاً .
إعتماد السببية ستؤدى حتما إلى الجبرية سواء أكانت هذه الجبرية من كيان عاقل مفارق أو من الطبيعة الماثلة لعيوننا .

دمتم بخير وعذرا على الإطالة .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته" – أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .