دور الإيديولوجيا في تقدم المجتمع وتحريك التاريخ

زهير الخويلدي
2017 / 5 / 11

" البنية التي كانت قوة خارجية تسحق الإنسان وتمثله وتجعله منفعلا وقابلا تنقلب إلى وسيلة للحرية أو إلى أداة لخلق صورة سياسية جديدة ، تولد مبادرات جديدة"1

توجد عدة معان مرفوضة للايدويلوجيا وذلك لارتباطها بالوهم وتكريسها لواقع الاغتراب وتشبثها بالسائد واتصافها بالنزعة المحافظة والعقلية التبريرية ومحاولة إبقائها المجتمع على ماهو عليه ويمكن ذكر الإيديولوجيا بماهي إضفاء للمشروعية على النظام السياسي القائم باستعمال الأجهزة المادية والرمزية للدولة ومحاولة إخفاء أشكال البشاعة والظلم والتعسف والفساد التي تمثل حقيقته وتجميله بإظهار الصلاح والتقدم والرخاء والهيبة والمجد ، ومن جهة ثانية قد تعكس الإيديولوجيا في مخيلة الناس حلمهم وأمانيهم وانتظاراتهم وتصور لهم مجموعة آمالهم وتطلعاتهم بوصفها مجرد تعويضات نفسية وصرخات يائسة وترسم لهم جملة من أوهام على أنها حقائق وتكرس نظرة مقلوبة بالواقع تجعلهم يقنعون بهذه الأشباح. أما المعنى الثالث غير المحبذ للايديولوجيا فهو ذلك الذي ارتبط بالميتافيزيقا واللاهوت والمثل الزهدية والذي وجد في التقنية والواقع الافتراضي ووسائل الاتصال الحديثة والعولمة الرقمية حقيقته المادية ورأسماله الرمزي وبنيته الفوقية التي تجعل الناس يلهثون وراء الحساب والاستهلاك والتملك والسيطرة والاستمتاع بالمعنى الفردي والجسماني بدل البحث عن شروط تحقيق الكينونة والتواصل وسعادة المجموعة البشرية.
على خلاف ذلك يحتاج البشر اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى يقظة إيديولوجية حاسمة من أجل تشكيل وعي ثوري باللحظة التاريخية الفارقية وبناء فعل سياسي نضالي يخرج الوجود البشري من دائرة الخطر. ولذلك ثمة معان ايجابية للايديولوجيا يمكن إظهارها للعيان والاشتغال عليها والتمسك بها بصورة عملية ويتمثل المعنى الأول في القوة التي تحوز عليها الإيديولوجيا في مستوى قدرة الإدماج وتحقيق التلاحم بين البشر وبالتالي تتحول إلى آلية للتحشيد والصهر والدمج ضمن إطار هوياتي مرتبط بالوطنية والشعبية بعد ذلك يأتي المعنى الثاني من رحم الصراع والتناقضات لتتحول الإيديولوجيا إلى منهج علمي يهتم بقراءة الواقع يسمح بالنقد الموضوعي للمجتمع بتشخيص الآفات واقتراح البرامج والبدائل وطرق المعالجة. في مستوى ثالث تحتاج الشعوب البائقة إلى التحرر من نير الظلم والانعتاق من هيمنة العولمة المتوحشة إلى استخدام الإيديولوجيا كسلاح مقاومة ومنهج تغيير الأوضاع لكي تدافع على حقوقها وتثبت ذاتها. بطبيعة الحال " لا يتوارى تشكل اجتماعي أبدا ، قبل أن ينمي كل ما يستطيع احتواءه من قوى منتجة، ولا تقوم أبدا شروط إنتاج أرقى، قبل أن تتفتح إمكانات وجودها المادية في الحضن القديم، ولهذا لا تضع البشرية نصب عينيها إلا ما تستطيع تحقيقه من المهام. وفي الحق أننا إذا نظرنا إلى الأمر عن قرب كشفنا دائما أن المهمة لا تعرض إلا حيث توجد الشروط المادية الضرورية لتحقيقها أو تكون على الأقل في طريق التشكل"2
لا يمكن إنكار الدور الذي تؤديه الإيديولوجيا من حيث هي قوة تدميرية للقلاع المحافظة والبني التقليدية للملكية والسلطة والاعتقادات البالية وكذلك قوة بنائية للحقوق والعدالة وطاقة خلاقة للمبادئ والقيم الكونية. لهذا السبب لا يمكن التعامل مع الإيديولوجيا بوصفها وعي زائف ومرآة عاكسة وتصور ميكانيكي ونزعة دغمائية تؤدي إلى الانغلاق والتعصب وتشرع العنف والإقصاء، وإنما يجدر بنا إخضاع المفهوم للمعالجة النقدية وعرضه على طاولة التفكيك وتطهيره مما علق به من استعمالات خاطئة وتشويه معولم ومغرض والتعامل معه على أنه أداة ارتقاء ومخزون نضالي وبؤرة مقاومة وسلاح ثوري ضد كل أشكال الابتذال. إن الحديث عن بؤس الإيديولوجيا واستقالة العقل العملي ونهاية السرد وبلوغ التاريخ مرحلة مغالية في الليبرالية تقر بحتمية اقتصاد السوق وبسيادة مذهب الملكية الخاصة وديانة الاستهلاك والعقل الأداتي هو إثبات ملموس بحاجة الإنسانية إلى خطاب إيديولوجي ينبني على التعدد والتركيب وتكون مهمته الأولى تطهير العقل البشري من هذه الترهات الجشعة وزرع منابت مقاومة واستثبات بين أروقة الفضاء العام.
غاية المراد أنه " إذا أعدنا امتلاك الإيديولوجيا بمعنى أوسع، أي المعنى الذي يولي اهتماما كاملا لبنية الفعل الرمزي، سنرى إنها – أي الإيديولوجيا البدائية ، الايجابية- تعمل على مستوى الجماعات والأفراد في آن واحد باعتبارها تكوين هويتهم"3 . فكيف تم الانتقال بالايديولوجيا من التشويه إلى الترميز؟ ومتى يكف حفارو قبور الإيديولوجيا عن نعيقهم وصراخهم ويدركوا أن القول بعصر ما بعد الإيديولوجيا هو قول إيديولوجي وإعلان رسمي عن توديع إيديولوجيا زائغة ومضللة واستقبال إيديولوجيا ثورية ومحررة؟
الإحالات والهوامش:
[1] تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972. ص 216.
[2] ماركس ( كارل)، مقدمة إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، المنشورات الاجتماعية 1957.
[3] ريكور (بول)، محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا، تحرير وتقديم جورج ه. تايلور، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 2002، ص232.
المصادر والمراجع:
ماركس ( كارل)، مقدمة إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، المنشورات الاجتماعية 1957.
تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972.
ريكور (بول)، محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا، تحرير وتقديم جورج ه. تايلور، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 2002،

كاتب فلسفي