من يوميات السجناء الظرفاء

طارق المهدوي
2017 / 5 / 9


على مدى خمسة وستين عاماً هي عمر جمهورية الخوف الأولى في مصر تعددت وتنوعت حملات اعتقال الشيوعيين لتشمل الآلاف حيناً والمئات أحياناً يتم إيداعهم إما داخل عنابر السجون العمومية أو داخل زنازن سجون الترحيلات أو توزيعهم بين هذه وتلك، باستثناء الرفاق الذين يتم إيداعهم في الحبس الانفرادي للتنكيل بهم مثلما حدث معي أثناء اعتقالات تنظيم "8 يناير الشيوعي" عام 1981 عندما اتهمتني السلطات بكتابة كراسة "حرب التحرير الشعبية" الداعية إلى حل المشكلات الوطنية والديمقراطية والاجتماعية عبر القوة المسلحة، ورغم اختلاف ظروف الاعتقال من حملة لأخرى فقد كان أول إجراء يجب أن يفعله الشيوعيون المعتقلون فيما بينهم بأية طريقة في أية حملة هو اختيار مسؤول الحياة العامة أي الرفيق المشرف على إدارة يوميات المعتقلين بالأساليب الشيوعية، ويساعده في ذلك رفاق آخرون يكون أحدهم مسؤولاً عن التعامل مع إدارة السجن وآخر مسؤولاً عن التعامل مع السجناء الجنائيين وآخر مسؤولاً عن التعامل مع السجناء السياسيين غير الشيوعيين، إلى جانب رفاق آخرين يكون كل واحد منهم مسؤولاً عن التعامل مع إحدى الضرورات والاحتياجات المتعددة التي تختلف باختلاف ظروف السجون والمعتقلين من حملة لأخرى لكنها تشمل فيما تشمله النظافة والإضاءة والوقود ومياه الشرب والصيدلية والرياضة البدنية والجريدة الناطقة وما شابه، ونظراً لكون بعض المعتقلين فقراء أو وحيدين أو مقيمين في أماكن بعيدة جغرافياً عن مواقع السجون فإن إحدى مسؤوليات الحياة العامة هي مصادرة جميع الأطعمة والأغطية الواردة من الخارج لتعميمها على الجميع حتى لو كانت واردة للبعض منهم تحديداً، فكان الرفيق الغني المقيم بجوار السجن يسلم الأطعمة الخارجية التي تأتيه كما هي إلى الحياة العامة مع استثناء حالات عاطفية يتفهمها المخضرمون لعائلات تؤكد أنها أقسمت ألا تأكل إلا مع الرفيق الذي تزوره فتجبره على الأكل معهم وأمامهم ليسلم المتبقي فقط إلى الحياة العامة، الأمر الذي كان الشيوعيون المحدثون المتطرفون المعروفون باسم الأسياخ لا يتفهمونه فيغضبون بسببه ويثيرون حوله المشكلات سواء ضد الرفيق صاحب الزيارة باعتباره يخون الحياة العامة أو ضد الرفيق المسؤول باعتباره يسيء توزيع الأطعمة، وقد اشتهر أحد الرفاق من مسؤولي الحياة العامة المخضرمين الظرفاء بقدرته على استيعاب غضب الأسياخ عبر إطلاق دعابة مفادها إن بعض العائلات تذبح لأبنائها المعتقلين دجاجات عرجاء في إشارة إلى الساق المأكولة أثناء الزيارة، حتى جاءت زيارة عائلية تضم الدجاجة مع أم وزوجة بينهما خصام دفع كل واحدة منهما إلى أن تأكل مع الرفيق المعتقل إحدى ساقي الدجاجة على حدا، فاضطر مسؤول الحياة العامة المخضرم الظريف الذي تسلم بقايا دجاجة بلا ساقين إلى تطوير دعابته قائلاً إن عائلة الرفيق صاحب الزيارة قد ذبحت له الدجاجة الكسيحة!!.
طارق المهدوي