فرنسا : هل تصمد الجمهوريّة – و ماهي الجمهوريّة ؟

شادي الشماوي
2017 / 5 / 7

فرنسا : هل تصمد الجمهوريّة – و ماهي الجمهوريّة ؟
" أخبار عالم نربحه "، 27 أفريل 2017
Web site: aworldtowinns.co.uk
To subscribe: http://uk.groups.yahoo.com/group/AWorldToWinNewsService/
Write to us – send us information, comments, criticisms, suggestions and articles: aworldtowinns@yahoo.co.uk
سواء كسبت أم خسرت مارين لوبان في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة في 7 ماي ، فإنّ الدورة الأولى أفرزت تغيّرا عميقا في المشهد السياسي في البلاد . و نظرا لكون الانتخابات إيّاها نظّمت عقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وإنتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة ، فقد تأثّرت و أعطت دفعا أكبر عامة لمدّ الجناح اليميني في أوروبا . و هذه التطوّرات خطيرة جدّا على كافة استقرار الرأسمالية في فرنسا و بطريقة مختلفة و لأسباب متباينة ، على الشعب في فرنسا و في نهاية المطاف في كلّ أنحاء العالم .
لقد أحدثت الدورة الأولى تغيّرين هائلين مترابطين و متداخلين . إحداهما هو أنّها إستبعدت مرشحي التيّاران السياسيّان الأساسيّان اللذان تداولا على السلطة و هيمنا على السياسة في فرنسا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية ، حزب " وسط اليمين " المسمّى الآن بالجمهوريين و إشتراكيي " وسط اليسار " . و يفضى هذا إلى دفع حكم فرنسا إلى الإبحار في مياه غير معهودة على أقلّ تقدير و على ألرجح إلى إضطراب هائل . والآخر هو أنّه من غير المستيعد أن تكسب لوبان الانتخابات ، و إن لم يحدث ذلك الآن فربّما في مستقبل منظور . و مرّة أخرى ، على الأقلّ ، حزبها ، الجبهة الوطنيّة ، الذى لطالما كان حزبا هامشيّا ، غكتسب صبغة شرعيّة ، على أنّه لم يحظى بعد بدرجة كبيرة على القبول ، بفعل السيرورة الإنتخابيّة و صانعى الرأي العام .
و في الدورة الثانية للإنتخابات الرئاسيّة في 7 ماي ، ستواجه لوبان إيمانويل ماكرون وهو وزير إشتراكي سابق قد أسّس حزبه الخاص قبل سنة فقط ، مواصلة السير – أونمارش – وهو يعدّ نفسه لا من اليسار و لا من اليمين . و كمستثمر بنكي شاب ، أتى ماكرون إلى السياسة بفضل فرانسوا هولاند ، الرئيس الإشتراكي الحالي الذى تدحرجت نسبة شعبيّةته فصار الرئيس الوحيد ما بعد الحرب الذى لا يبحث عن مدّة رئاسيّة ثانية . و قد تمّت مقارنة ماكرون بالوزير الأوّل ألسبق لحزب العمل البريطاني ، تونى بلار ، و بالمستشارة الألمانيّة غرهارد شرودر ، و هما إشتراكيّان ديمقراطيّان شرعا في تفكيك نموذج رفاه الدولة الذى ساد في معظم أوروبا منذ الحرب العالميّة الأخيرة . و قد جلب هذا النموذج الاستقرار السياسي بتقديم بعض التنازلات الطفيفة لحاجيات إنسانيّة أساسيّة للغاية و لا يتمتّع بها معظم البشر في العالم .
و يعدُ ماكرون بأنّ المزيد من العولمة – جعل الرأسماليّة الفرنسيّة أكثر تنافسيّة في الأسواق العالميّة – سيعالج المشاكل التي أفرزتها بعد العولمة في فرنسا . فقد نجمت عن ضرورة مواجهة المنافسة الرأسماليّة العالميّة نسبة بطالة محلّقة تناهز العشرة بالمائة لعقود ، بينما صيّرت العمل أشدّ وطأة و الحياة أكثر ضغطا نفسيّا بالنسبة لعديد الناس الذين يصارعون للحفاظ على مواطن شغلهم . و قد جرفت الإقتطاعات المستمرّة من ميزانيّة الدولة الرعاية الصحّية و التعليم و السكن الاجتماعي و غيرها من المكاسب. و قد تبخّر الشعور بأنّ ظروف الشغّالين ستتحسّن تدريجيّا كما حصل للأجيال السابقة.
و واقع أ،ّ ماكرون يدافع عن المضيّ بفرنسا أبعد على نفس الطريق الذى سلكه سابقوه يجعل منه تقريبا المرشّح الوفاقيّ بالنسبة للطبقة الرأسماليّة الحاكمة للبلاد ، على الأقلّ الآن بالذات ، لكنّه كذلك يعنى أنّه يمثّل وضعا سائدا يسوء و يرفضه الكثير من الناس . إنّه يعتبر " الأقلّ سوءا " ، في أفضل الأحوال ، من قبل عديد الناخبين الذين يكرهون ما تمثّله لوبان . و في الوقت الحاضر يصرّح عديد الناس برفضهم الإقتراع لكلا المرشّحين معلنين نيّتهم إستخدام ورقة بيضاء أو مقاطعة الانتخابات .
و صرّحت لوبان نفسها بأنّها المرشّحة الوحيدة للتغيير الجذري . بيد أنّها تكذب حينما تصف نفسها بأنّها ضد النظام فهي ليست معارضة له بل ستكون ممثّلة للنظام الرأسمالي – الإمبرؤيالي الذى بوّأ لقرون فرنسا في موقعها الكبير و متّعها بإمتيازات نسبيّة بما فيها عبر تجارة العبيد و الإستعمار الوحشيّ لأفريقيا و أنحاء أخرى من العالم ، و تواصل ضخّ الأرباح الضخمة من الأمم المضطهَدَة و " مجالات تأثيرها " الخاصة . و محتلّة المرتبة الثانية في القوّة الماليّة في الإتحاد الأوروبي ، قد إنكبّت فرنسا مثلا على نهب اليونان و كذلك نهب بلدان أخرى من جنوب الكوكب . إلاّ أنّ لوبان تقول الحقيقة في ما يتّصل بمعارضتها الجذريّة للنموذج السياسي و الإيديولوجي الذى ميّز فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة ، عندما أكّد حكّام البلاد ولاءهم إلى " قيم " الثورة الفرنسيّة ( البرجوازيّة ) و أعلنوا فرنسا جمهوريّة مرّة أخرى ، إثر إرساء دولة فاشيّة فرنسيّة بالتعاون مع المحتلّين من ألمانيا النازيّة خلال الحرب .
و يجعل برنامج ماكرون و مسيرته ( صاحب بنك يعمل من أجل الإمبراطوريّة الماليّة التي تترأّسها روتشيلد ، عائلة يهوديّة تستهدفها السياسة الشعبوية من الإستياء طوال قرنين قبل تعويض معاداة الساميّة بالخوف من الإسلام ) منه المعارض الذى تحلم به لوبان – و تهمتها له بأنّ " في جيب " الإسلاميين قد تبدو ببساطة " حدثا عابرا" غريبا من نوعه يعشقه أمثالها في الخارج ، لكن على غرار عديد الأكاذيب الأخرى ، فإنّ صداه لدى مسانديها كجزء من رواية فيها المشكل ليس سير النظام الرأسمالي العالمي و إنّما هو " فئة متعجرفة " ، " أوليغاشيا " يجب وضعها تحت عصا لوبان لأنّ " عبادتها للمال " و " نقص وطنيّتها " أدّيا بها إلى خيانة " الشعب ".
و تحديد لوبان ل " الشعب " يميّزها بوضوح لفاشيّته . إنّها تمثّل ليس قطيعة فحسب مع نموذج البلاد ما بعد الحرب بل نبذا للإيديولوجيا المعيّنة و القيم المعلنة للجمهوريّة الفرنسيّة منذ ثورة 1789 ضد النظام الملكي . و في الواقع هي وريثة كلّ من التيّارات المعارضة القويّة جدّا المتجذّرة في الكاتوليكيّة التقليديّة التي ظهرت إلى السطح مارار و تكرارا بأشكال مختلفة مذّاك و كذلك من التقاليد الفاشيّة العلمانيّة الأكثر معاصرة . لقد كانت تشتكى من أنّ وحدة الأحزاب السياسيّة الأكبر ( ما يسمّى بالجبهة الجمهوريّة ) تقف ضدّها بصفة غير عادلة بما أنّ حزبها حزب إنتخابي كسائر أحزابهم ، إير انّ برنامجها في تعارض مع الشعار المؤسّس للجمهوريّة ، " حرّية ، مساواة ، أخوّة " . هي ترفض تماما مفهوم الحقوق نفسها للجميع . وهي تعد بقيادة ليس شعب فرنسا – سكّان البلاد ، أو مواطنوالجمهوريّة الفرنسيّة – بل الشعب الفرنسي ، أولئك الذين يتقاسمون " الدم " ، الفولك بكلمة ألمانية مساوية ، مع كلّ التشابه مع الإيديولوجيا الألمانية النازيّة الذى يكشفه ذلك .
في حين أنّ برنامج لوبان ضبابي بشأن عدّة مسائل ، لا سيما في ما يتعلّق بالتعهّد بالفوائد الملموسة ، هو دقيق في الشأن التالي : إنّها تعد بغلق الحدود و توظيف أعداد كبيرة من الشرطة للحيلولة دون دخول المهاجرين البلاد ؛ و بتقليص و على الأقلّ مؤقّتا ، إيقاف ، كلّ الهجرة القانونيّة و بتخصيص السكن الاجتماعي و مواطن الشغل في القطاع العام و الخاص إلى المواطنين الفرنسيين و إعطائهم الأولويّة في الحصول على الرعاية الصحّية ؛ و بفسخ محتمل لمواطنة ملايين المولودين في فرنسا ( واضعة حدّا لعادة تقريبا منح المواطنة في سنّ 18 سنة للذين ولدوا في فرنسا من أولياء أجانب ) ، و بإنهاء الإعتراف بإزدواج الجنسيّة ، ما قد يؤدّى إلى ترحيل أناس ولدوا بفرنسا . و بوجه خاص يستهدف هذا الناس من البلدان ذات الأغلبيّة الإسلاميّة حيث يرث الأطفال آليّا مواطنة الأب ، حتّى وإن لم يكونوا يعيشون هناك . و يعنى هذا أيضا زيادة أكبر في إرهاب الشرطة ، لا سيما في الضواحي التي تتضمّن تجمّعات المساكن الإجتماعيّة في أطراف باريس و مدن كبرى أخرى ، و مساكن أناس أجدادهم جاؤوا من المستعمرات الفرنسيّة السابقة ، و بعض الطبقة العاملة " من أصل فرنسي " و مهاجرين جدد.
و يتجه أقصى عداء لوبان نحو فئة ملموسة من السكّان ليس فحسب باسم قتال الأصوليين الإسلاميين الجهاديين الذين قد جعلت هجماتهم عن حقّ أغلب الناس مهما كانت معتقداتهم دينيّة أو غير دينيّة يرفضونهم . يتمّ ذلك أيضا باسم إنتماء فرنسي متخيّل ، موجّه ضد جزء من المجتمع الفرنسي الذى تكوّن نتيجة إنتداب أناس من قرى بلدان أخرى ليحملوا على أعناقهم " الثلاثة عقود العظيمة " من التوسّع الاقتصادي الفرنسي عقب الحرب ، أناس نهضوا بدور كبير في خلق الإزدهار و مستقبلهم يخيف كثيرا القاعدة الإجتماعيّة للوبان اليوم . و لا يمكن لهذا إلاّ أن يعني خطوة إنغلاق فكريّ و قمع عنيف جماهيري فخلال الحرب العالمية الثانية أدّى هذا الخطاب ذاته ، هذا الصنف ذاته من الإيديولوجيا و السياسات ، إلى إيقافات جماعيّة و مخيّمات إعتقال لليهود و غيرهم و إلى التواطئ مع المحتلّين النازيين الذين قتلوا ملايين البشر عبر أوروبا .
و عادة ما يقال إنّ القاعدة الإجتماعيّة للوبان تتكوّن بدرجة كبيرة من أولئك الذين " خسروا " جراء العولمة لا سيما قدر كبير من الطبقة العاملة الصناعيّة السابقة و التجّار و رجال أعمال صغار آخرين يتعلّق مصيهم بأعمالهم . صحيح أنّ مدن فرنسا المنجميّة و الصناعيّة السابقة في الشمال و الى كانت معاقلا لليسار ، صوّتت للوبان . و كذلك فعلن مناطق أكثر رجعيّة في أرياف شرق فرنسا و منطقة ريفيارا الغنيّة . و عادة ما يعترف بأنّ " الخاسرين " جراء العولمة يضمّون أيضا ملايين الناس من الخلفيّات المهاجرة جُلب أولياؤهم و أجدادهم إلى فرنسا بوعود كاذبة كمعاملتهم على أنّهم أكثر من أيادى و سواعد ، ليهمّشوا عندما جرى تحقيق الهدف أو لم تعد هناك حاجة إليهم ، و قد أنكروا على أبنائهم و أبناء أبنائهم مستقبلا في المجتمع الفرنسي . و غنيّ عن الذكر اليوم أنّ أولئك أجبروا على الهروب من الشرق الأوسط و أفريقيا السوداء بسبب الحروب التي تغذّيها فرنسا و قوى إمبريالية أخرى ، و تداعى مستوى معيشتهم و آفاق المستقبل في ظلّ ضغط تطوّر الرأسماليّة المعولمة .
و بالفعل ، يعد برنامج لوبان بتحسينات ملموسة بالأساس بالنسبة للموظّفين و أصحاب المشاريع الخاصة الصغرى ، وبالقليل بالنسبة للطبقات ألدنى و ما يبدو أهمّ من الإنهاك الاقتصادي ، مهما كان ذلك واقعيّا ، بالنسبة لعدد كبير من الناس ، أكثر عموميّة و من الصعب تحديده لكن هناك إحساس حقيقي جدّا – مميتا – في صفوف الكثيرين بأن " الفرنسيين " قد فقدوا المكانة التي يستحقّون في العالم ، و أنّ القيم التي نشأوا على الإعتقاد فيها – " العمل ، ألسرة ، الوطن " ، مثلما وضع ذلك الفاشيّون الفرنسيّون خلال الحرب العالميّة الثانية – قد تبخّرت . و غالبا ما ينحون باللائمة على الطبيعة المتغيّرة للمجتمع الفرنسي لوجود من بنظر لهم على أنّهم " مختلفون " " دخلاء " في " وطننا " و ينتشر الرعب جراء كامل تطوّر المجتمع ، بما في ذلك تطوينه الإثني و الديني و التغيّرات في الهيكلة الطبقيّة و في دور النساء . هذه نظرة رجعيّة بأتمّ معنى الكلمة – رؤية حالمة بالعودة إلى الوراء إلى نقطة زمنيّة سابقة حينما كان النظام يبدو سائرا في خدمة مصلحتهم .
و تمثّل لوبان تيّارا فحسب من اليمين الفاشي المتطرّف في فرنسا . ففرانسوا فيون ، مرشّح حزب وسط اليسار التقليدي الذى تمكّن من الحصول على المرتبة الثالثة بفارق طفيف ، في الدورة الأولى ، قدّم نفسه كممثّل لتيّار رجعي خاص ضمن الكنيسة الكاثوليكيّة الفرنسيّة ( ليس كثيرات ن الناس المتدينين من الطبقة الدنيا فهناك من هم من المرفّهين و آخرين يتطلّعون إلى أن تصبح الكنيسة كما كانت عليه عندما كانت الجماهير المتديّنة تفهم اللاتينيّة ). و غالبا ما يتمّ التركيز على هذا في تعارض مع الإجهاض و حقوق المثليين الجنسيين باسم الحفاظ على الأسرة ، بما يعنى صراحة الأسرة البطرياركيّة و النظام الأبوي عامة . و في حين تحدّث فيون قليلا عن قبول حزبه عن مضض بهذه الحقوق ، فإنّه أكّد أيضا معارضته للسماح للنساء بالحصول على إجراءات طبّية مساعدة على الخصوبة إن كانت في علاقة مثليّة أو بصيغة أخرى ليست على علاقة برجل. و مجدّدا تتحرّك الرموز في التواصل بصدد ما لا يمكن التصريح به علنا الآن : نداء لإعادة سلطة الكنيسة لترسم ما يسمّى ب " الخطوط الحمراء " في المجتمع – و حينما تكون للكنيسة تلك السلطة ، فإنّها سترسم عددا أكبر من الخطوط الحمراء. و هذا أيضا تحدّى مباشر لفصل الكنيسة عن الدولة بإعتباره " قيمة جمهوريّة اساسيّة " بالرغم من أنّ اللائكيّة في فرنسا اليون تستخدم في الأساس لإستهداف الإسلام و مجموعات المسلمين بشكل واسع و ليس للنضال ضد الظلاميّة الدينيّة و ذهنيّة التطيّر عامة .
و فضلا عن ذلك فإنّ عديد أنصار فيلون و هم أعضاء في حزب الجمهوريين سيمضون مع لوبان و و ضد الجمهوريّة . و هذا مثال آخر في فرنسا عن إنهيار النموذج السياسي التقليدي و المعتقدات المكوحّدة . غير أنّ الإنهيار يأتي من جميع هيكلة السلطة ففي هذه الانتخابات تبيّن أنّ الإشتراكيين و هم في الحكم الآن قد تقلّصوا إلى حزب صغيرإلاّ أنّه لعب دورا كبيرا في إعداد الأرضيّة لصعود الفاشيّة . لقد أعلن الوزير الأوّل لهذا الحزب أنّ الناس الروم ( " غجر " شرق أوروبا ) لا مكان لهم في فرنسا و بذل جهدا كبيرا لجعل الكره الأثني " محترما " . و لو إستبدلنا كلمة " روم" ب " يهود " ، نحصل على خطاب يمكن لمعغظم الناس أن يتعرّفوا عليه فورا على أنّه قمين بالنازيين . لعقود ، و بشكل متصاعد ، قد صبغ رأساء فرنسا من الحزبين الشرعيّة على ما يطلقون عليه وصف " النقاش حول الهويّة الوطنيّة " و الذى يساوى حقّا نقاش حول ما إذا كانت العنصريّة ستكون أفضل لتوحيد المجتمع الفرنسي من القيم الجمهوريّة التي لم تنطبق قط على الواقع الفرنسي على أي حال . و كذلك ، تشديد لوبان على أنّ الإستعمار الفرنسي مثّل نعمة بالنسبة للشرق الأوسط و أفريقيا – في تضارب مع دموع التماسيح و الندم لدى الإشتراكيين ، مثلا ، الذين ساعدوا في إدارة الإستعمار و خاضوا حروبا وحشيّة لمنع إستقلال الشعوب – مفيد للإمبريالية الفرنسيّة التي تتعدّد تدخّلاتها المسلّحة في هذه المناطق و ما قد تتطلّبه في المستقبل القريب مصالحها في مواجهة منافسيها .
مهما يحصل في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة ، فإنّ حزب لوبان قد إضطلع بدور مفيد جدّا للطبقة الرأسماليّة الماليّة الحاكمة ككلّ و " للطبقة السياسيّة " التي تمثّلها بإصباغ الشرعيّة على أفكار كانت في ما مضى لعنة . فقط قبل بضعة عقود ، كان يتمّ تشجيع الأطفال على غناء " نحن أطفال العالم " و تتمّ حماية " رفاق " الغيتو بما يحجب اللامساواة و التهميش و الإضطهاد السائدين في فرنسا و في العالم . و هذا التطوّع المنافق لم يعد مفيدا مثلما كان في السابق في التعاطى مع ما على الإمبريالية الفرنسيّة التعاطى معه في الداخل و في الخارج . فالدفاع عن المصالح الشخصيّة الضيّقة و القبول بالوحشيّة هو الآن أكثر فأكثر على جدول الأعمال .
و لم يساعد ترشّح لوبان على إصباغ الشرعيبّة على " النظام " الذى تندّد به و حسب بل إنّ هذا النظام قد أصبغ عليها هو بدوره الشرعيّة . و من المفزع حقّا أنّ " الجميع يعلمون " أنّها فاشيّة ، حتّى بمجرّد النظر في تاريخ حزبها و روابطه الرسميّة مع النازيين الجدد و مجموعات فاشيّة صريحة أخرى ، لكن ، على ألقلّ الآن ، لا ينعتها أي من قادة أي حزب من الأحزاب الفرنسيّة الكبرى بأنّها فاشيّة . لعلّهم يشعرون بأنّهم إن فعلوا ذلك ، سيتحدّون النظام الإنتخابي و هياكل وسائل الإعلام و مجمل الوضع الذى هم جزء منه و الذى أوصلها إلى حيث هي اليوم . و على الرغم من عدم الرضا الذى يتدلّى فوق رأسها ضمن معظم صانعي الرأي العام ، و مشروعها الخاص لقلب الوضع السياسي الذى قد خدم جيّدا الإمبرياليّة الفرنسيّة إلى اليوم ، هناك توافق مصالح بين لوبان و جميع ما يسمّى بالجبهة الجمهوريّة . و قد تجسّد هذا بجلاء حينما إستدعى الرئيس هولاند لوبان و ماكرون للوقوف إلى جانبه ، صحبة الوزراء الأوّلين و رؤساء الدولة السابقين ، أثناء حفل تكريم لشرطي قتل مؤخّرا في هجوم قيل أنّه إسلامي ، و تكريم قوات الأمن عموما . و هذا يشبه موقف أوباما القائل بأنّه و ترامب " من فريق واحد " .
و لاعب آخر في ذلك الفريق ، على أنّه كاره للباس زيّه الموحّد ، هو جون – لوك ملنشون الملقّب عامة ب " اليساري المتطرّف " في وسائل الإعلام و الذى حاز على المرتبة الرابعة بفارق بسيط في نفس الدرو الأولى للإنتخابات الرئاسيّة . إنّه يمزج بين القوميّة ذات النغمة العالية و الوعود بإعادة الأيّام الخوالى الجميلة لبرامج الرفاه الديمقراطيّة – الإشتراكيّة ، بقائمة طويلة من الوعود مثل أجور أعلى و عمل أقلّ و أفكار أخرى خارج نطاق ما تتطلّبه الرأسمالية الفرنسيّة اليوم . و وهم ميلشون في إعادة الإزدهار بالتخفيف من إرتباطات فرنسا بالتحالفات الإمبريالية ( الإتحاد الأوروبي و الناتو ) غير ممكن التحقيق بل هو مسموم لأنّه يلتقى مع مواقف لوبان حول هذه القضايا ، و أنكى حتّى ، مع إيديولوجيّتها القوميّة . فإلى جانب العنصريّة – وهي ليست بالأمر الهيّن – لبرامجهما الكثير من الأشياء المشتركة . و يحاول أنصار لوبان بنشاط إجتذاب أنصارملنشون ، بالضبط مثلما أنّ ملنشون قد قام بإنفتاحات شبه مقنّعة نحو قاعدة لوبان في الدورة الأولى للإنتخابات . و عمليّا و إيديولوجيّا ، " التطرّف اليساري " لملنشون غطاء قومي ساهم في زيادة الطين بلّة في الوضع الراهن السيّء جدّا .
و يغطّى شعار " حرّية ، مساواة ، أخويّة " واقع أنّ المجتمع منقسم إلى طبقات لها مصالح متباينة جدّا و متعادية . و اليوم هو شعار الدكتاتوريّة المقنّعة للرأسماليين الإحتكاريين الفرنسيين الباحثين عن توحيد الناس بما فيهم المضطهَدين و المستغلّين داخل البلاد ، في نزاع و حرب مع البلدان الرأسمالية المنافسة ، من أجل إخضاع شعوب أخرى و القبول بالدكتاتوريّة البرجوازيّة . هذا هو المضمون الاجتماعي للجمهوريّة . و حتّى إن تمنّى البعض أن يكون الأمر خلاف ذلك ، فإنّهم يحتاجون إلى التوقّف عن المساومة مع الإضطهاد و الإستغلال و مواجهة الحقيقة . و لا تمثّل الجبهة الجمهوريّة الحلّ : إ،ّها تسعى إلى تعزيز الدولة الرأسماليّة و لن توقف الفاشيين الذين يمثّلون الخطّة البديل بالنسبة للنظام إذا ما تبيّن أنّ شكل الحكم اليوم لا يمكنه الإستمرار و مجدّدا نظرا إلى التناقضات التي يفرزها النظام نفسه .
فكرة أن تصبح لوبان رئيسة أفق مفزع للملايين في فرنسا و كذلك في غيرها من الأماكن ، و يجب أن يوجد و هناك حاجة إلى أن يوجد عبر المجتمع رفض أكثر نضاليّة و حيويّة لهذه الإمكانيّة . و مؤشّر مفزع لمدى " التطبيع " مع الفاشيّة في فرنسا هو مدى قلّة التعبير عن الصدمة و الإهانة الخطيرة هناك مقارنة ب 2002 عندما شارك والد لوبان ؛ جون مارى لوبان ؛ في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة .
لكن التصويت " ضد " لوبان ( بكلمات أخرى ، التصويت لماكرون ) ليس بوسعه إلاّ أن يعني القبول (و إن على مضض) بفرنسا كما هي اليوم و الكثير من الناس يجدونها غير مقبولة و متعارضة مع مصالح الإنسانيّة . كما يعنى إصباغ الشرعيّة على النظام و تعزيزه ، و المضيّ قدما مع معالجة الطبقة الحاكمة الفرنسيّة لمشاكلها على نحو مفيد لها . ثمّة حاجة بدلا من ذلك ، إلى البحث عن إستغلال هذا الوضع و هذا الإضطراب الناجم عنه للشروع في العمل من أجل ثورة تطيح بالإمبريالية الفرنسيّة و تدعم الثورة في كلّ مكان عبر العالم . و أيضا تعنى مساندة ماكرون السقوط في السلبيّة و أن ننتظر من الانتخابات و الأحزاب البرلمانيّة أن تنقذ الوضع بينما هي لعقود لعبت دورا في نشأته . و مهما كانت رجعيّة ، فإنّ لوبان تمثّل إجابة منسجمة عن مشاكل النظام بأقلّية لكن بقاعدة إجتماعيّة عريضة و ذات طاقة و حماس كبيرين متّحدة حول برنامجها و ينوى العدد منهم القتال من أجله بأيّة وسائل ضروريّة . لا يهمّ ما الذى سيجدّ في الدورة الثانية ، فإنّ التناقضات التي توفّر لها لوبان إجابة مغرقة في الرجعيّة ستظلّ غير معالجة و سيكون السؤال المطروح : بأيّة طريقة ستحلّ ، و في خدمة مصالح من ؟
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------