الفضاء الرحب الصعب

فتحي علي رشيد
2017 / 5 / 5


الفضاء الرحب الصعب
بعد نشر مقالي عنق الزجاجة اتصل بي أحد الأصدقاء وقال : " لو كان ( هو ومن حوله ) لديهم ذرة فهم أو كرامة , كزين العابدين بن علي الذي قال لشعبه فهمتكم ,وقدم استقالته ورحل ,لفعلها "بشار ومن حوله " منذ زمن بعيد ورحلوا ولكان ريحوا العالم وأراحوا أنفسهم أكثر" .
وكتب صديق آخر يقول : حتى لو قرر الرحيل ,فإن المستفيدين من حكمه وبشكل خاص المنتفعين المتحالفين مع قادة الأجهزة الأمنية التي تحكم البلد فعلا , لن تسمح له بالرحيل .أما اليوم ـ خاصة ـ بعد أن دخلت كلا من إيران وروسيا , وقدمتا كثير من التضحيات وحصلتا على كثير من المكاسب تعرفان جيدا أنها ستخسر الكثير إذا ما قرر الرحيل ,فإنهما لن تسمحا له حتى لو قرر الهرب أو الانتحار .مما يعني أن الأزمة خرجت من يد السوريين . لذا وفٍر اقتراحاتك وارتاح.
قد يكون هذا من الناحية العملية صحيحا ,لكن من الناحية النظرية لا يمكننا ولا يجب أن نتوقف عن التفكير والبحث عن حلول ممكنة لأزمة باتت موجعة للجميع ولابد من أن تُقَدم ,وتطرح حلول نظرية . قد تكون غائبة عن أنظار كثيرين فيأخذوا بها عندما تنضج الأمور وتصل إلى الحد الذي لابد بعده من الأخذ بحل ما. ونشير هنا إلى أننا من بداية بحثنا لم نرى أن إزاحة الأسد هي الهدف النهائي فقط , بل تغيير النظام كله الذي خلفه الاستعمار وأمريكا منذ ستين عاما .فمهما طال الزمن ولو بقي الأسد استنادا لما قال للصحافة حتى عام 2021 (نهاية فترته الرئاسية الحالية ) لابد من أن نواجه مرحلة أصعب .فمرحلة ما بعد الأسد ستكون أصعب من فترة حكمه .فالمسألة السورية هي أكبر من وجود بشار أو نظام البعث الذي ليس أكثر من الفلينة التي تسد الزجاجة التي تغلي ,والتي لابد من أن تطير وتسقط مهما طال الزمن . وما قدمناه وما نقدمه ليس إلا مسعى نظري يهدف إلى لبحث عن ما سيخفف من معاناة الشعب السوري بما فيهم وأولهم مؤيدي النظام من كافة الطوائف ـ خاصة العلويين . فالصعاب لم تبدأ بحضوره ولن تنتهي برحيله ,ولن تتوقف إن لم ترسى أسس نظام سليم .ونذكر الجميع بأنه لو لم تواجه البشر صعاب و تحديات عملية ,لما شغلوا أدمغتهم وأتعبوا نفوسهم ,ولما وصلنا إلى ما نحن فيه وعليه اليوم في العالم على الرم من كل التقدم العلمي .
لقد كتبت عشرات التقارير ومئات الصفحات حول أزمات دولية عديدة مثل أزمة كوسوفو والبوسنة والهرسك ..إلخ وأنا أعتقد أن الأزمة السورية هي أعقد وأصعب من جميع الأزمات التي مرت في تاريخ البشرية .لذلك فهي يستحق منا التعمق , بأننا مهما أطلنا وتعمقنا في البحث فسيكون قليلا.
ولا بد من الاشارة الى أن مجموعات سورية كثيرة أذكر منها ( مؤسسة اليوم التالي ,ومؤسسة العدالة الانتقالية , والمجلس الوطني السوري والإئتلاف السوري , وحزب الأخوان المسلمين ,وشخصيات سورية مستقلة ولامعة ) قدمت مشاريع لما بعد نظام الأسد كما قدم النظامين الروسي والسوري مشاريع لحلول سياسية لمرحلة انتقالية.
وأنا أعتقد أن تقديم حل ,أو إطار لحل , أو مشروع , أو خارطة طريق لحل ما لمرحلة ما بعد الأسد . قد ولابد أن تساهم في حل ,أوفي عملية تسريع الوصول لحل ـ خاصة ـ للمسائل المستعصية في سوريا منذ الاستقلال . بشرط أن يكون الحل مستندا على قراءة صحيحة وشمولية للواقع .وأشير إلى أنه بقدر ما أن الفضاء رحب ومتسع , والخيارات كثيرة وعديدة , فإن الاختيار صعب وشاق ولا خيار صائب مئة بالمئة وكل الخيارات قابلة للتعديل والتطوير ومن هنا تنبع أهمية رفع الوعي والتفكيربمرونة و ببعد نظر فإذا كانت عملية بناء الأوطان السليمة مهمة صعبة وشاقة , فإن الأصعب هو بناء الإنسان الذي سيني تلك الأوطان ,والأصعب هو خلق الأرضية المادية والسياسية والقانونية اللازمة لبناء الإنسان , والأصعب هو الالتزام بالمبادئ الإنسانية والأخلاق والقانون والنظام اللازمين لتطبيقهما على الجميع بلا استثناء .
ومن الصعوبة بمكان الخوض بكل التفاصيل واكتفي بالإشارة فقط إلى القضايا الرئيسية والجوهرية والتي لابد من مناقشتها في المرحلة الانتقالية أو التمهيد لها منذ الآن ووضع الاسس العملية لها .
أولا : كنتيجة للصراع الدامي في سوريا خلال السنوات السابقة والتي أفرزت تقسيم خطير لشرائح المجتمع السوري ما بين موالاة ومعارضة و واستمرار المواجهات العنيفة بين الاطراف المسلحة الذي يعقد المشهد السوري بما لا يدعو للشك بأن سبل الحل تقتضي حتميا وتتطلب مساعدة دولية ,و تقتضي استدعاء قوات أجنبية محايدة ( كقوات حفظ السلام التي شكلها الاتحاد الأوروبي في يوغسلافيا السابقة ) تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة وبقرار من مجلس الأمن يصدر تحت الفصل الثامن لمدة أقصاها سنتان وبقوام ثلاث فرق مدرعة . توزع على الشكل التالي .واحدة بين العرب والكرد وسواهم في الجزيرة السورية وعلى الحدود مع العراق وتركيا . وثانية على الحد الفاصل بين الساحل السوري وسهل الغاب وبين حمص وحماه وحلب وإدلب . وثالثة بين الغوطتين الشرقية والغربية وبين مدينة دمشق وجنوبها .
ثانيا : ما بعد سقوط الأسد أو انتهاء ولايته ولتأسيس بناء نظام جديد لابد من مرحلة انتقالية تأخذ بعين الاعتبار الموروث التاريخي والسياسي السابق , بالإضافة لما ترسخ عبر أكثر من ألف سنة والتي لا يمكن تجاوزها بسهولة كما يتصور البعض مع التأكيد على أن أغلب ما ترسخ هو ايجابي ويجب التمسك به ـ خاصة بما تجسد في التراث الفكري والحضاري الديني والمدني الذي أرسى أسسه النبي محمد ( ص ) وهو ما تناولناه في بحث جذور الصراع بين العرب . وكذلك ما ترسخ خلال الخمسين سنة الماضية .وهناك فيها ماهو سلبي ولابد من تجاوزه. خاصة في البنى الدينية والمذهبية والطائفية والحزبية القائمة على التعصب .
ومن هذا المنطلق أرى ضرورة تشكيل مجلس حكماء سوريا سيكون مناسبا ( وهو هيئة من العقلاء يتم العمل من قبل الشعب والقوى الوطنية السورية وبمساعدة دولية ومساعدة جامعة الدول العربية على ايجاد صيغة مشتركة لكيفية تشكيلها ) وأقترح أن يكون من ثلاثين عضوا من الأشخاص المعروفين والمشهود لهم بنظافة القلب والكف واللسان والسيرة الحسنة ,عشرة منهم يمثلون جميع الأديان والمذاهب والأقليات ( شيخ عقل الدروز , وشيخ من العلويين وشيخ من الاسماعليين وآخر من المرشدية وآخر من السنة ,ومن الأرمن والسريان والمسيحيين الكلدان والآشوريين , والكرد والتركمان والشركس ) وعشرة يمثلون المناطق السورية المختلفة ( دمشق وحلب وحماه وحمص ..إلخ .) وعشرة يمثلون منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية ,والمفكرين أمثال الطيب تيزيني ) والذين ينتمون لأي من الأحزاب السورية المعروفة . يفترض أن يتم الالتزام بالقرارات التي يتم الموافقة عليها من قبل ثلثي الأعضاء ومن مهام المجلس العمل على طرح أسس عملية ومقبولة من أجل الانتقال السلمي والمصالحة الوطنية على أسس سليمة .
ثالثا : العمل على تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات , لفترة لا تزيد عن سنتين وأقترح أن تكون من ذوي الاختصاص والأكاديميين الجامعيين والقانونيين يضعون خلالها قانون انتخابي جديد ودستور جديد للبلاد وتقوم الحكومة المؤقتة مع مجلس العقلاء بالبحث في اسس عملية وخطة تنفيذ إخراج جميع القوات الأجنبية التي دخلت سوريا سواء من تلقاء ذاتها أو بطلب من النظام والبدء بداعش .
رابعا : يقوم المجلس بالبحث عن سبل حل وإنهاء جميع المليشيات التي شكلها النظام خارج الجيش النظامي وفوق سلطاته ممثلة بالفرقة الرابعة والعاشرة والثانية عشرة والحرس الجمهوري ,وكذلك جيش الدفاع الوطني والتي شكلتها المعارضة متجسدة في التشكيلات المسلحة التي تزعم أنها معارضة .
وبحث سبل تسريح أو إقصاء قادة الفرق والألوية العسكرية التابعة للجيش النظامي والمخابرات العسكرية والأمن السياسي والقومي والداخلي وكافة فروع الأمن السرية التابعة للحرس والقصر الجمهوري والتنظيمات المسلحة.
فمن دون إيجاد حل لوجود هذه القوى المسلحة المتنازعة على الأرض السورية لا يمكن أن نتصور أية إمكانية لفرض أي حل سياسي للأزمة السورية ولبناء مستقبل جديد وبالتالي يقتضي الامر منهم ايضا و وضع أسس قانونية وأخلاقية تمنع جميع المظاهر المسلحة في البلد أو التهديد باستخدام القوة في فض النزاعات .
خامسا : يقوم المجلس والحكومة المؤقتة ببحث سبل حل حزب البعث وطريقة التعامل مع جميع الحزبيين البعثيين والشيوعيين والقوميين وسواهم , خاصة من تسلموا مناصب حساسة في جميع وزارات ومؤسسات ودوائر الدولة باسم الجبهة الوطنية التقدمية .
و فيما يتعلق بالنظام السياسي الجديد فأقترح عدة نقاط أعتقد أنها مفيدة وسأقوم بعرضها جميعها ثم أعود لتوضيح بعض هذه المقترحات كل على حدا .ومن هذه المقترحات التي يجب تناولها والحديث عنها بكثافة من قبل المجلس والحكومة الانتقالية ما يلي :
أولا :حظر تدخل الجيش في السياسة
وثانيا :تعديل بعض الفقرات من الدستور السوري
وثالثا : الانتقال من النظام الجمهوري الرئاسي إلى النظام الجمهوري النيابي
و رابعا :حظر تدخل رجال الدين في السياسة
خامسا : حل جميع الأجهزة الأمنية وإنشاء جهازموحد يتبع لوزارة الداخلية , أو لوزارة الدفاع ( المخابرات العسكرية ) مع حظر تدخل الجهازين في الشؤون المدنية والوظائف العامة . وجعلها خاضعة باستمرار للرقابة والمحاكمة ,بما يحول دون تغولها كما حصل سابقا .
سادسا :تعميم مبدأ العدالة الانتقالية .على الجميع بلا استثناء, سواء أكانوا أفرادا أوتشكيلات عسكرية تابعة للنظام أوللمعارضة .ومحاسبتهم على أفعالهم التي قد تكون قد أرتكبت بحق المواطنين المدنيين أو عن أية عمليات سرقة أونهب أو تدمير أوتجويع أو إساءة لكرامة حتى طفل ( ففي العالم المتمدن ,ومن قبل في الدين الحنيف يحرم حتى إلحاق الأذى بالحيوانات فكيف بالإنسان الذي كرمه الله ). مع ترك الباب مفتوحا للأفراد المتضررين لمسامحتهم طوعا ,دون التنازل عن الحق العام .بما قد يردعهم منذ اليوم عن ارتكاب أية أعمال مشينة أو مسيئة .ليكون ذلك درسا لجميع الدول والجماعات والأفراد .بما يحول ارتكابها في المستقبل ضد أي دولة أو شعب أو جماعة اثنية أو دينية .
سابعا : تغريم كل الدول وبخاصة روسيا وإيران وعملاء النظام وداعميه ,والجماعات والأفراد التي ساهمت في تدمير أي بيت أو منزل أو مزرعة أومنشأة مدنية أو عامة .بكل تكاليف الإضرارالمادية (حوالي ترليونين دولار ) والمعنوية التي ألحقوها بالموطنين الأبرياء بعد التثبت منها .وللتعويض عن كل مهجر أو مصاب أو جريح أوقتيل .مما يتطلب حجز أموالهم المنقولة والثابتة , وتحويلها لصالح وزارة الإعمار .
ثامنا : العمل على إعادة جميع السوريين إلى ديارهم من خلال التعويض عليهم وفتح باب مشركتهم في بناء وطنهم .
و فيما يتعلق ب أولا :حظر تدخل الجيش في السياسة :
فمن المفيد أن نذكر استنادا لوثائق مؤكدة .أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء جميع الانقلابات العسكرية التي جرت في سوريا وغيرها من البلدان العربية ,بدءا من انقلاب حسني الزعيم عام 1949 , ووراء فرض أنظمة رئاسية دكتاتورية .كأفضل اسلوب لمكافحة وخنق وكبت الحركات الوطنية والثورية التي ظهرت فيها ,وأوصلت بلداننا العربية ,وبخاصة سوريا ومصر والعراق وليبيا واليمن إلى ماوصلت إليه اليوم من تأزمات .الأمر الذي يستدعي فورا تعيين وزير دفاع مدني في جميع هذه الدول ,وبالأخص في سوريا ,بما يمنع ويحول بتاتا تدخل العسكريين والجيش والمخابرات في السياسة وهذا الامر ليس بالهين وهو ما ستعطله بالتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل من جهة ,ونظيرتيها روسيا وإيران حيث ستعمل كل القوى كل وسعهما لمنع تمرير هذا الأمر بسهولة .
وأما ثانيا :الدستور السوري:
من المفيد الإشارة إلى أن أول دستور وضع لسوريا بموافقة حكومة الانتداب الفرنسي عام 1922 لم يعمل به إلا جزئيا بعد عام 1936 وقد سعى إلى ترسخ نظام في سورية (كما هي فرنسا ) يجعل منها جمهورية نيابية ديمقراطية .ظل معمولا به حتى عام 1958 حيث عطل لمدة ثلاث سنوات في عهد الوحدة , سعيا وراء تمرير دستور يجعل من الحكم في سوريا رئاسيا , الأمر الذي لم يتحقق إلا بعد انقلاب البعث وتسلم العسكريين السلطة وفرض دستور عام 1963 الذي عمل به حتى عام 1971 حيث تسلم حافظ الأسد الحكم ووضع دستور جديد . ومع أن تعديلات قليلة طرأت عليه عام 1979 وعام 1981 وعام 2000 إلا أنه بقي على حاله تقريبا . حتى وصلنا إلى الدستور الحالي في عام 2012.
ومن يقرأ الدستور السوري الأخير خاصة الفقرات فيما يتعلق بسيادة الشعب وبالحرية والكرامة الانسانية ( وهو أغلى شيء في الوجود )وحقوق المواطنة وحرية الانتخابات الحرة والنزيهة وحول ما جاء فيه حول كفالة الدولة لحرية العقيدة والتفكير والتعبير وما جاء فيه حول مساواة جميع المواطنين أمام القانون والقضاء وتكافؤ الفرص, وحول المحكمة الدستورية العليا وحقها في محاكمة الدولة والمسؤولين الحكوميين يظن أنه يعيش في أرقى دول العالم قاطبة مما جعل بعض السوريين المؤيدين للنظام يقولون أنه أفضل دستور في العالم كله.أولا يمكن أن نتخيل ماهو أفضل منه .
وهذا صحيح نظريا وعلى الورق فقط ولكن عمليا لو طبق بند واحد مما جاء في تلك البنود, ولكان الشعب السوري اليوم بألف خير. ونشير هنا إلى أنه بمجرد نص الدستور بأنه يحق لرئيس الجمهورية ( البند 112) حل مجلس الشعب المنتخب ( كما قيل ,من قبل الشعب بحرية ونزاهة ) وإصدار المراسيم والقوانين ,وتعيين رئيس الوزراء والوزراء وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وتسريحهم .وتشكيل مجالس وهيئات ولجان خاصة ( لجان تفتيش كأننا في اسبانيا في القرن السادس عشر ) يعرف أن الحديث المنمق عن الشعب ومجلسه وحرية الانتخاب والكلام والاعتقاد وحقوق الإنسان ودولة القانون , كلام لاوجود له في الواقع ولاقيمة عملية لها . وهنا نؤكد على أن هذه الصلاحيات التي أعطيت في الدستور الأخير للرئيس هي التي مكنته من تدمير سوريا وشعبها من خلال فرضه حالة الطوارئ وبخاصة بعد استدعاء قوات أجنبية لمواجهة الشعب الذي لم يطلق طلقة واحدة بعد ستة أشهر كما قال الرئيس نفسه . مستغلا فقرة تتضمن حقه باتخاذ مايراه مناسبا في حال وجود خطر يهدد الوحدة الوطنية .(المادة 114 ) . ( والحقيقة أن استدعاء تلك القوات الأجنبية هو الذي مزق الوحدة الوطنية ).ونشيرهنا أنه لايوجد أي دستور أو رئيس في العالم يمتلك حق استدعاء قوات أجنبية ضد شعبه .فهذا الحق معطى فقط للشعب أو لمجلس نوابه . ونؤكد هنا على أن هذا الاستدعاء المخالف حتى للدستور السوري ولكل دساتير العالم هو ماجعل من بقاءه في الحكم مسألة مستعصية ونؤكد أيضا على أنه عندما أعطى الحق لنفسه في الدستور المفصل على مقاسه ,صلاحيات تتيح له ضمنياـ سن قوانين ومراسيم جديدة ,وتعطيل العمل بالدستور كله أوببنود معينة فيه , يكون قد عطل سلفا ,تنفيذ كل البنود المتعلقة بالحرية والكرامة والانسانية والمواطنة والعدالة الاجتماعية والمساواة ..إلخ وألغاها عمليا . لذلك يكون من المهم جدا في أي دستور جديد , أن لاتتعارض بنوده مع بعضها ,أو أن تلغي بعضها ـ خاصة ـ تلك المتعلقة بالحريات العامة . والأهم أن يعكس مابين السطور روحية صادقة وشفافة وليس مخادعة . وبما يحول دون تعطيل أي بند لما نص عليه بند آخر ـ خاصة ـ فيما يتعلق بالحرية والكرامة الانسانية وحقوق المواطنة وفصل السلطات .وهذا مايجب الانتباه إليه في الدستور الجديد الذي يفترض أن يتم طرحه على الاستفتاء الشعبي قبل البدء حتى ـ بالمرحلة الانتقالية .
والامثلة العملية على عدم تطبيق الدستور الجديد بل والخروج عنه في البلاد كثيرة فعلى الرغم من أنه لم يرد فيه أي دور للمخابرات وأجهزة الأمن إلا أن كل السوريين يعرفون أنه كان باستطاعة أي رجل أمن ,ومازال حتى اليوم , يقدر على إيقاف أواعتقال وحتى ضرب من تسول له نفسه على الرغم من وجود فقرة ( استنادا للفصل الثاني في الدستور ) حيث لا يجوز تحري أو اعتقال أو توقيف أحد دون أمر قضائي.وكل المواطنين السوريين يعرفون أن رجال المخابرات ( 12فرع وشعبة ) تستطيع أن تدخل أي بيت وتعتقل أي رجل حتى وهو على فراش الزوجية دون استئذان وكذلك فصل الولد عن أمه وأبيه بحيث لايعود أحد يعرف عنه أي شيئ (بدليل توثيق وجود مايزيد عن خمسين ألف معتقل عرفي قبل الثورة ,دون أي أمر قضائي ومقتل مالايقل عنهم بالرصاص أو الجوع أو تحت التعذيب ) ونذكر بأن مجرد السؤال عنهم كان يعتبر جريمة, قد تتسبب بالاعتقال والاختفاء .
ومع أن الدستور ينص على حق المواطن بالطعن والتقاضي والمراجعة ,إلا أن كل مواطن يعرف أن المراجعة قد تجعله عرضة للشبهات والاتهام بالتشكيك بالدولة ,أو بالتآمر على أمن الدولة لذلك كان الأب أو الأخ يلوذ بالصمت , وليحمي نفسه إذا سئل ,ينكر ,بل ويمجد بالدولة والنظام وويقول الله يخلينا الرئيس .وإذا أردنا أن نتابع التجاوزات الأبشع فقد نحتاج لألف صفحة .
.ولهذا بات البعض يسخرون من الدساتير ومن القانون ويستهزئون بمن يتقيد بهما أو يعول عليها شيئا .ويقول بأنها ليست إلا عبارة عن حبر على ورق لاقيمة له يذوب في واقع الحياة الفعلية والعملية تحت أقدام رجال الأمن . لكن الأمر ليس كذلك في الدول التي تحترم نفسها وشعوبها .ولو كان الأمر كذلك لما لجأ من صاغوا الدستور إلى تجميله بما يسهل عليهم عملية تمريره على الناس لتمرير الأسوأ فيه . فالكذب وتصوير الأمور على أنها مثالية ,في سوريا ليس فيما يتعلق بالدستور فقط , بل فيما يتعلق بكل شيئ حتى بأسعار الخضار باتت أهم وسائل النصب والخداع ولتخدير الناس .
ونعود لنقول : لو لم يكن للدستور قيمة أو أهمية لما غُير وعُدٍل أكثر من عشرين مرة ,ولما جرت خلافات كثيرة حوله,أسقطت أحيانا حكومات بسبب تعطيل فقرة منه أوبسبب توقيف العمل به ( في عهد كلا من حسني الزعيم وأديب الشيشكلي , أو بسبب إضافة بند أتاح المجال لشكري القوتلي رئاسة ثانية عام 1958 . كان الدستور السابق يحرمها ). ولما لجأ الأسد الأب أوالابن إلى إعطاء نفسه كرئيس في الدستور صلاحيات مطلقة (22صلاحية ) لم يعطها أباطرة روما لأنفسهم . ولو لم يكن للدستور أهمية لما لجأ الروس في مؤتمر استانة إلى تقديم مشروع دستور جديد لسوريا يشبه الدستور الذي وضعه "برايمر" للعراق عام 2003 بما يحولها إلى دولة فيدرالية .
وأما لماذا ثالثا : الانتقال من النظام الجمهوري الرئاسي إلى النظام الجمهوري النيابي :
فمن المفيد أن يتذكر السوريين أن النظام الجمهوري البرلماني الذي توافق عليه السوريين بعد زوال الدولة العثمانية والملكية ( الملك فيصل ) , عام 1922 والذي طبق منذ عام 1936حتى عام 1958 ( يوم عطل عبد الناصر باسم الوحدة النظام البرلماني وفرض تبعية سوريا للنظام الرئاسي المعمول به في مصر .متجاهلا الفارق الحضاري الكبير بينهما ) .ومع أن الحكومة السورية في عهد الانفصال أعادت الحياة البرلمانية عام1962,إلا أن ذلك لم يستمر سوى سنة واحدة حيث استبدل رسميا وبصورة نهائية بالنظام الرئاسي بعد انقلاب البعث عام 1963 , حيث ألغيت جميع الحريات العامة وفرضت الأحكام العرفية ,وألغى الشعب وأحزابه عندما ألغى حقه في انتخاب ممثليه ,وحقهم في إصدار المراسيم والقوانين والقرارات وما يهم البلد والشعب خاصة وقت الأزمات . تحت مصطلح براق " مجلس قيادة الثورة " .ومازال هذا الإلغاء مستمرا حتى اليوم باسم الثورة .الأمر الذي يتطلب إلغاء كل ماترتب على ذلك الانقلاب وحتى اليوم ( حوالي ستين سنة ) من مراسيم وقرارات وتغييرات . فبعد أن هدر نظام البعث باسم الثورة الكرامة الانسانية وألغى الحقوق باسم الطوارئ , ويكون النظام بعد شطب الحريات العامة ومنع تشكيل الأحزاب إلا الحزب القائد قد عمد الى تقزيم دور الشعب , لذلك نقول أن إعادة بناء الإنسان أهم مسألة تواجهنا في المرحلة المقبلة ...ونحن نعتقد أن العودة الفورية للنظام البرلماني الذي كان معمولا به عام 1958 مع إجراء تعديلات مناسبة عليه بلإضافة لإصلاح النظام الانتخابي .يشكل مخرج مقبول لما خلفته الديكتاورية .وللحفاظٍ على اللحمة الوطنية بين كافة أطياف الشعب السوري ,كما وحدة التراب والشعب السوري .ويشكل في ذات الوقت أساس قانوني وسياسي لفضاء سوريا جديدة ورحبة .
وأما رابعا :حظر تدخل رجال الدين في السياسة :
وهذا ما يفترض أن يتضمنه الدستور الجديد,والأهم أن يقتنع به كل الناس .حيث يفترض أن لا يشار فيه أي دين من الأديان أو مذهب . مع ترك حرية العقيدة وممارسة العبادات لجميع الأفراد ومنع الإساءة لأي مذهب أو معتقد . واعتبار ذلك من الحقوق المقدسة للأفراد كوجودهم وكرامتهم .
وهنا لابد أن نشير إلى أن جميع التنظيمات المسلحة أوالمدنية التي رفعت شعارات أو لافتات أوتسميات دينية ـ خاصة الإسلامية في السنوات الست الماضية , ماهي إلا أحزاب طارئة يجب أن تتوقف ليس لكونها تشكل خطرا على الوحدة الوطنية فحسب , بل لكون خطرها لايقل عن خطر تدخل الجيش في السياسة .ولكونها جعلت وتجعل ـ اليوم , غالبية السوريين أو لنقل نصفهم يقفون مع النظام على علاته , وخرجوا من البلد خوفا من أن يُحكموا بتنظيمات تهدد بفرض الجزية والجلد عليهم , أومن البقاء تحت ظل النظام .وبما أن تلك التشكيلات تتقاتل على السلطة في وقت مايزال فيه النظام وقوى خارجية عديدة تحتل وطنهم وتنكل بهم وبشعبهم .فهذا وحده يعد سببا كافيا لنبذهم والابتعاد عنهم .
ونحن ندعو من يتمسكون بالإسلام أن يعودوا ويقرأوا تجربة الأخوان المسلمين الطويلة والمعقدة والمنوعة في سوريا ويستوعبوها (منذ عام 1934 حتى عام 2014 ) والتوقف مطولا أمام تجربة وثقافة وفكر الشيخ الجليل مصطفى السباعي , منذ أن أصبح المرشد العام للحركة عام 1949 وحتى تشكيل الحزب الوطني للعدالة والدستور ( حزب وعد ) الذي تشكل عام 2014 بما يتيح لجميع السوريين المشاركة فيه والانتساب إليه حتى لو كانوا مسيحيين .
فتحي رشيد 5/5/ 2017