هل تتخلى حماس عن حَماسِها ؟

عبدالله صالح
2017 / 5 / 2

أعلن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خلال مؤتمر صحفي يوم امس الاثنين الاول من آيار 2017 في العاصمة القطرية الدوحة عن وثيقة جديدة لحركته تُعّد تنازلا عن ما كانت تسميه بـ " الثوابت الفلسطينية " التي تتضمن محو دولة اسرائيل ومعاداة اليهود و...... الخ
تقول الوثيقة في احدى بنودها : (( ان الصراع في فلسطين ليس دينيا، وانها لا تعادي اليهود بسبب دينهم وانما بسبب احتلالهم لفلسطين والقبول بدولة مرحلية في الضفة والقطاع عاصمتها القدس الشريف، مع الاحتفاظ بكل الثوابت الفلسطينية، مثل مبدأ تحرير كل فلسطين من البحر الى النهر واستمرار الكفاح المسلح الى جانب أساليب أخرى للمقاومة، وتجديد التمسك بحق العودة ))، كما وتتضمن الوثيقة قبولا ضمنيا بحل قيام الدولتين، والقبول بحدود الرابع من حزيران عام 1967 كحدود لدولة فلسطين بعد أن كانت ترفض هذا المقترح جملةً وتفصيلاً ! وأكد خالد مشعل بإن الوثيقة تعبر عن التطور السياسي للحركة وانفتاحها، مؤكدا أنها تعد جزءا من ادبيات حماس وتمهد لوثائق أخرى في المستقبل ، وأضاف بان الوثيقة ترفض الاعتراف بدولة إسرائيل أو بعمليات السلام بدءا من اوسلو وحتى اليوم ، كما واعتبر أن هذه النقاط تُطمئن الجميع بأن الحركة لم تفقد أصالتها أو تتراجع عن مبادئها أو منطلقاتها الإسلامية ! رغم اشارة ضمنية الى فك ارتباطها بحركة الاخوان المسلمين.
القراءة الاولية للوثيقة ولاقوال خالد مشعل تشير الى التناقضات الواردة فيها والاعتراف الخجول بالتراجع عن السياسات السابقة لحماس وبداية سيرها نحو سياسة " الأعتدال " ! وباختصار شديد فأن حماس تريد مسك العصى من الوسط ! . السؤال المطروح هنا هو التالي : ما هي الظروف والعوامل التي أرغمت حماس على إصدار وثيقة كهذه ؟ وما دلالات توقيت اعلانها ؟ ولماذا في هذا المكان بالذات ؟ لتوضيح الاجابة لا بد من الاشارة الى جملة من النقاط :
أولاً / من المعلوم بأن أفول نجم داعش في المنطقة بات قريباً، لذا فالتهيؤ لمرحلة ما بعد داعش أمر حياتي يستوجب مواكبة الأحداث التي تأتي بعد داعش سيما وان حركة حماس تُعد فرعا من شجرة الاسلام السياسي الذي حَملت داعش رايته "بقوة واقتدار" خلال ما يقارب الثلاث سنوات الماضية، اذا فغياب داعش عن الساحة لا يضعف حركة حماس وحدها وانما يُعتبر انتكاسة لكل الأطراف التي عقدت الأمال على نجاح " دولة الخلافة ".
ثانياً / حلفاء حماس، كل من قطر وتركيا ادركوا بأن حليفهم الداعشي الذي مدوه بالمال والسلاح وفتحوا لمقاتليه الحدود أملا في قيام دولة الخلافة القادرة على السيطرة على المنطقة بشكل يمّكن هذه الدول من تحقيق طموحاتها وتأمين مصالحها ، أدركوا بان دولتهم الاسلامية تسير نحو نهايتها، وحتى جبهة النصرة المدعومة علنا من قبل قطر، باتت في وضع لا تُحسد عليه وهي ليست بأحسن حال من داعش ، لذا يَسعى ثالوث التحالف التركي القطري السعودي الى انقاذ ما يمكن انقاذه من الحلفاء قبل فوات الاوان وحركة حماس واحدة من جملة هؤلاء الحلفاء.
ثالثا ً / ليس من قبيل الصدفة ان تطلق حركة حماس وثيقتها قبل بضعة أيام من زيارة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الى واشنطن ، فهي تريد من هذا التوقيت ارسال رسالة الى امريكا مفادها ان عباس لا يمثل سوى حركة فتح وان لحماس دور في اي مشروع قد يُطرح على الطاولة معه وها نحن نأتيكم حاملين غصن الزيتون .
رابعاً / اليوم يتعرض مليوني نسمة من سكان القطاع الى عملية تجويع وحصار خانق واغلاق شبه تام للمعابر، وخصم الثلث من رواتب الموظفين فيها من قبل السلطة الفلسطينية وقطع الكهرباء، ناهيك عن قوانين الشريعة الاسلامية الصارمة، كلها إجراءات ساهمت دون شك في اذعان حماس لنصائح حلفاءها بأن الوضع الانساني هناك بات لا يُطاق وأن وخامة الأوضاع ربما تدفع بسكان القطاع الى الوقوف بوجه حماس أو حتى قيام انتفاضة ضدها ، فجاءت التوصية بالانفتاح على القوى التي لها دور فاعل في القضية الفلسطينية وفي مقدمتهم حكومة اسرائيل وباظهار شيء من المرونة والاعتدال بغية تجاوز هذه الاوضاع.
خامساً / الدوحة ، عاصمة يوسف القرضاوي ، أحد أهم عرَابي الارهاب الاسلامي ، حيث أُعلنت منها الوثيقة ، اذاً المكان له دلالاته ، فتأريخ هذه الامارة الخليجية الثرية يُشير بكل وضوح الى مدى تبنيها للفكر الاسلامي المتطرف ودعمها اللامحدود لكل ما هو إرهابي اسلامي ، ليس في الشرق الاوسط فحسب بل وأبعد من ذلك كما هو الحال في دعم جماعة فجر ليبيا الاسلامية المتطرفة ، وهي، أي الدوحة ، ساهمت دون أدنى شك في صياغة الوثيقة وأرغمت حماس على تبنيها حتى ولو جاءت عباراتها بشكل ضبابي حفظاً لماء الوجه ، وأخيرا فأن الدوحة تضمن تطبيق حماس لبنود الوثيقة.
طرفي المعادلة ، أي حركة حماس التي أسسها أحمد ياسين عام 1987 ، ثم فازت بالاغلبية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 واستولت على السلطة في قطاع غزة عام 2007 وفرضت على سكانها قوانين الشريعة الاسلامية بحذافيرها وخاضت ثلاثة حروب مع الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة خلال فترة حكمها في القطاع ولحد الآن، لم ولن تمثل طموح وآمال الشعب الفلسطيني ولعل فترة حكمها في القطاع خير دليل على ذلك . أما الحكومة الاسرائيلية فهي لا تحتاج الى تعريف ، انها سلطة احتلال تمارس ما يحلو لها من سياسات قمعية وعدوان همجي وهي لا تحتاج كذلك الى أية ذريعة لقتل وقمع الشعب الفلسطيني ، فهي دأبت على هذه الجرائم منذ أن أحتلت أرض فلسطين والى الآن ، إلا أن وجود حركة كحماس في القطاع ساهم في زيادة وحشية الهجمات التي شنتها خلال الحروب الثلاث وشراستها بحيث دمرت خلالها ، كل البنى التحتية الهشة اصلا ، وقتلت الآلاف من الأبرياء وشردتهم في بقعة من الارض هم مشردون فيها أصلاً ومحاصرون من كل الجهات وحتى معبر رفح المنفذ البري الوحيد الذي يربط القطاع بمصر ، في هذه الاوضاع المأساوية يعيش حوالي مليوني نسمة وهم الضحية ألاولى والاخيرة لما تُمارس عليهم من سياسات.
بعد هذا الموقف السياسي " المعتدل " لحماس جاء الرد الاسرائيلي سريعا معتبراً الموقف الحمساوي خدعة للعالم ! اسرائيل ومعها امريكا والغرب لا يمكن ان تقبل بقيام دولة فلسطينية مرحلية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، دون الاعتراف الكامل بدولة إسرائيل، ونبذ العنف، ونزع سلاح كتائب القسام الذراع العسكري لحماس، وحل مشكلة اللاجئين بأعادة توطينهم في مكان آخر غير فلسطين ، شبه جزيرة سيناء على سبيل المثال، كلها مطالب تأتي واحدة تلو الأخرى ولعل خالد مشعل على دراية بذلك ويعلم بأن طريق التنازلات لازال طويلاً حين ذكر في مؤتمره الصحفي بأن هذه الوثيقة تمهد لوثائق أخرى في المستقبل .
هذا الموقف الجديد لحماس يعتبر رسالة الى كل التنظيمات الاسلامية الموجودة في المنطقة بأن انهيار سلطة داعش سوف لن يمر مرور الكرام عليهم ويفرض عليهم واقعا جديدا لا بد من التعامل معه بمنطق آخرغير المنطق الحالي .

موقف حماس هذا، وحتى في أحسن حالاته ، يشير دون أدنى شك الى فشل النموذج الاسلامي للحكم أياً كان شكله ومحتواه وان الشعار القائل بـ " أن الاسلام هو الحل " ليس سوى حقٌ يُراد به باطل، فالنموذج الداعشي للحكم هو أحدث تجربة اسلامية أظهرت حقيقة هذا السلطة ومدى وحشيتها ، وليست التجربة السعودية بأحسن حال من مثيلتها الداعشية فالسيف الاسلامي الصدأ ،بكل ما يتبعه من سياسة ، هوالذي يتكفل باستمرارالحكم السعودي ، وأما النموذج الايراني فأعواد المشانق تشهد له وتكفل ديمومته واستمرارجرائمه التي لا تعد ولا تحصى ، ان العالم المتحضر يدرك يوما بعد يوم مدى بربرية هذه الانظمة الاسلامية وحركاتها السياسية بكل أطيافها وتلاوينها ويدرك بأن زمن رميها في مزابل التأريخ أمر حتمى وعملي وممكن.