قصة قصيرة : قطعة لحم في الثلاجة

هاله ابوليل
2017 / 4 / 30

قصة قصيرة " قطعة لحم في الثلاجة "
يومين لا غير في هذه الدنيا , كنت ابدو ,مثل قطعة لحم في كيس مهمل ,لذا لم يتورع أبي بوضعي في الثلاجة نعم بالثلاجة , بعد يومين فقط من ولادتي المستعصية ,حيث أصيبت امي بحادث سير مميت ,ولم تمت ولم أمت لأني بقيت صامدة في بطنها المنتفخ ,إنقلبت السيارة بهم ,بمن فيهم ابي المدرب في مركز تعليم قيادة السيارات المشهور , واختاي الصغيرتان لم يصبهما شيء فقط – أخي- منير أصيب في عينه اليسرى ,فأنارت عينه اليمنى ما تبقى له من نور , وكنت أنا في بطن أمي أتنفس رائحة الفودكا التي يتركها أبي في وجه أمي كلما أراد تقبيلها ,وهي تتمنع هربا من رائحة المسكر الذي يكرعه , في المساء وعند عودته بعد أن يكون قد درب الناس كيف يقودون السيارة , ,يأتي ليعلّمنا الرعب والخوف والقلق .
فكيف يمكن له أن يتحول الى رجل طيّب عندما يكرع الخمر . وهو بكامل صحوه واستيقاظه يكون رجلا شريرا لا نريد أن نعرفه .,يضرب أمي بقسوة بالغة ,ويضرب اختي سمية التي تكبرني بخمس سنوات ,بانبوب مطاطي مخصص لنفخ الماء و رفعه للخزان
تقول سمية في لحظة إعتراف مريرة لم أحبه ولن أحبه أبدا
كبرنا ,ونحن نخشاه حتى عندما مات لم استطع أن اقترب منه , كنت اخشى أن يفيق و يصيح بي – كالعادة بنفس الشتائم , فتقاطعها "نهى "الأخت الثانية التي جاءت بعدي بسنوات :" وكم كنت أتمنى يوما أن يحضنني بين ذراعيه
أن يضعني بين أكتافه فأدس رأسي في صدره , و لكني ولحسن حظي - في لحظة الموت وهو مسجى أمامي ضعيفا لا حول له و لاقوة حضنته وشعرت إني مثل كائن هش يريد أن يخبره ويهمس لئلا يسمعه الآخرون
" لماذا لم تكن حنونا علينا يا ابي ".
.

أمي وبعد معاناة من حادث الإنقلاب اصابها كسر في الحوض - لذا كانت معاناتي صعبة وأنا اخرج لهذه الدنيا . ثم بعد يومين من ولادتي كان ابي قد انهى زجاجة عرق اصيلة ,كرعها بإفتتان مما جعله يراني كقطعة لحم مرماه
ربما فكر - حينها -بأن ذلك قد يكون تبذيرا .
أن نترك اللحم خارج الثلاجة وخاصة إنه تحسسني و وجدني دافئة ,,و بينما أمي بالحمام تقوم ببعض شؤونها رماني في الثلاجة وأغلق الباب شعرت ببرودة تنهش أوصالي جميعا - برودة من ذاك النوع القاسي الذي لا يغفر لأحد تمنعه من إبداء إعتراضه
جائتني شهقات أمي وهي تصرخ بابي من النافذه .أين ذهبت بطفلتي !!
هل قتلتها !!
بينما كان يستقل سيارته لكي يدرب أحد الأشخاص على متابعة الحياة.
الثلج بدأ يتراكم على اعضائي الخفيفة ,شعرت بالتجمد أغلقت عيوني ,فرموشي لم تكن قد نبتت - أنزويت كطفلة يتيمة ,ليس من يسندها وسيطهرها الموت حتما ولم اصرخ بينما كان صوت أمي مسموعا , تولول مثل أرملة في الشارع
اين إبنتي !!!
, تركتني في الثلاجة أتجمد هي الأخرى
كيف تسنى لك أن تبذري كل أوقاتك مع رجل مجنون , تجعليه أبا لي
كيف تسنى لك كل هذا العذاب والقهر بالصبر والتحمل .لتعاودي إنجابنا المرة تلو الأخرى
كيف كنت تضاجعين رجلا في المساء يضرب صغارك في النهار و لايتورع عن شتمك بأقذع الألفاظ
كان يناديك بالفاجرة والساقطة و الكلبة , وفي صحوه ينكر كل ذلك وكنت مثله تعانديه ولم تشاركيه زجاجة البراندي لكي يتسنى لك حماية صغارك .
لماذا لم تسافري لأهلك هناك وتتركيه وحيدا ستبررين
إنه الفقر
كالعادة ولكن ياأمي مهلا , لم يقل لك أحد كيف تعيشين مع رجل مجنون لايحبك ولاتحبينه ,أليست الحياة والمعيشة مع رجل بلا حب اشد قسوة من الفقر ياامي
هل انا مخطئة!!!
أخوتي يكرهونك ويتمنون موتك!!
لقد سمعته البارحة يقول لو تموت أمي سوف نرتاح .
ياللهول
ما أقسى كل هذا يا أمي
يدس طفلته في الثلاجة و يخرج ليعلم الناس قيادة مركبات الحياة .
بعد نصف ساعة .ثلاثين دقيقة
حتى إكتشفت مكاني و كنت يا امي الصبورة قد فقدت كل مشاعري بالحياة
انظري ألي ياأمي ... ها أنا أمامك بكامل عاهتي ,,أمامك بلا أعضاء محسوسة .
أنظري الي .كم أنا صلبة وقاسية وباردة مثل قطع ثلجية غلفت مشاعري لنصف ساعة بالبرودة
انا ميتة يا أمي منذ ذاك اليوم
فلما اخرجتني من الثلاجة!!