جذور الصراع التاريخي على السلطة بين العرب

فتحي علي رشيد
2017 / 4 / 29

جذور الصراع التاريخي على السلطة بين العرب
بما أن الصراع الراهن على السلطة بين العرب وغيرهم من المسلمين هو امتداد للصراع التاريخي القديم , وبما أن أغلب الاطراف تتخذ من الماضي وفي كثير من الاحيان سلاحا تستخدمه لتبرير استيلائها على السلطة نجد أنه قد يكون من المفيد العودة للجذورالاجتماعية والفكرية والسياسية للصراع القديم على السلطة بين القبائل العربية , وبينهم وبين من جاورهم من القوميات الأخرى من روم وتركمان وفرس .للبحث فيها ,لتفهم حقيقة ماجرى , وربما لإعادة النظر فيما جرى , فربما يساعدنا ذلك في إيجاد حلول نظرية لها ,تساعدنا على الأغلب , وربما في ايجاد حل أو حلول مختلفة للصراعات الراهنة على السلطة .
ونحن هنا لن نطيل البحث في مسألة نعرف أنها تحتاج إلى عدة كتب للإلمام بها ,أو لحسمها باعتبارأن هدفنا سيقتصر على سبل تجاوزالصراعات الراهنة المترتبة على الصراعات والخلافات الايديولوجية والسياسية .التي نعتقد أن عدم حسمها نظريا بشكل صحيح ,ساهم في تعميق الخلافات الإجتماعية السياسية وفي مراكمتها عبر التاريخ بطريقة خطيرة . وهو ما ألقى ومازال يلقي بظلاله على التاريخ العربي والإنساني منذ أكثر من 1400 سنة وحتى اليوم . بما في ذلك على الأزمة السورية الراهنة . ولأننا سنكتفي فقط بالإشارة إلى أهم النقاط الخلافية المتصلة بموضوعنا الراهن خاصة في سوريا .
أولا : من المؤكد أن التنافس على السيادة في حكومة الملأ ( حكومة الأرستقراطية العربية القرشية ) بين بني هاشم وبني أمية وكلاهما من قريش .قد استمر بعد ظهور الدين الجديد . وإن انتهى ذلك التنافس بينهما , أوتوقف ظاهريا ,من خلال التسوية التي طرحها النبي محمد( ص) بعد فتح مكة من خلال قوله " من دخل الكعبة فهوآمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهوآمن , ومن بقي في بيته فهو آمن .." إلا أنه استمر يغلي في الخفاء بينهما ـ خاصة بعد ازديادالمغانم التي كانت تتدفق على العرب وبخاصة على قبيلة قريش بعد الفتوحات التي انجزوها نتيجة للدعوة الإلهية التي أنزلت على سيدنا محمد ( ص ) .وهو ما أدى بعد اثنتي عشرة سنة من وفاة النبي إلى سيطرة بني أمية ممثلين بعثمان ابن عفان على السلطة ,لتعود مؤقتا إلى بني هاشم ممثلين بآل البيت في عهدعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه لمدة أربع سنوات فقط . ولتؤدي بعدهاإلى نشوب حرب ضروس بينهما , تعود السلطة بعدها مجددا إلى بني أمية بقيادة معاوية ابن أبي سفيان .ثم لتعود بعد سبعين سنة إلى بني العباس ابناء عمومتهم ...إلخ
وأعتقد أن قول رسول الله " من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ..إلخ " يحمل معاني وأبعاد عملية وسياسية تتضمن موازاة ما ( ولاأقول مساواه ) بين من يدخلوا الكعبة( رمز الموحدين , وأقدس مقدسات العرب ) وبين من يدخلوا بيت أبي سفيان ( رمز الكفار والمشركين آنذاك ).وبين من لم يختاروا لاهذا ولاذاك وقرروا الوقوف على الحياد والبقاء في منازلهم ,أي لمن كانوا مشركين أو كفارا ومترددين ولم يحسموا موقفهم وهم ما سماهم القرآن بالمنافقين .
,ونحن نعتقد أن في هذا القول للنبي محمد(ص) مايتضمن التأكيد على أنه آمن الجميع على أموالهم وأنفسهم , حتى لو ظلوا كفارا ومشركين أوحتى منافقين (انتهازيين بمفاهيمنا الراهنة ) وبالتالي فان النبي محمد يكون قد وضع أسس بناء الدولة العربية الإسلامية المدنية القائمة على حرية العقيدة والاختيار والتي تجسدت لاحقا في الأية الكريمة التي نصها "لاإكراه في الدين "(1) ثم في الآية التي تنص على " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن الله غني عن العالمين "(2) . بمعنى أنه لم يشترط على المواطن في هذه الدولة أن يؤمن أو أن يقول الشهادتين حتى يتمتع بكل صفات المواطنة. وما يقال عنها جزية لم تكن في حقيقة الأمر إلا دفع مبلغ من المال كان يدفعه الناس سابقا للحكام مقابل تأمين حمايتهم ,وعدم مشاركته في القتال . وكان يكفي المواطن أن يشارك في القتال لتحرير بلاد العرب من الفرس والروم ليتمتع بكل المزايا التي يحوزعليها المؤمنون بالله ورسوله .بما فيها التمتع (بشكل خاص )بالمغانم المادية والمعنوية التي كانت توزع على جميع المحاربين بصورة عادلة .
وهو ماتم تطبيقه عمليا من خلال الفتوحات العربية للبلدان العربيةالتي كانت خاضعة لحكم الروم أو الفرس وغيرهم فلم يُرغم الفاتحون العرب المسلمين ,أحدا من سكان تلك البلدان على الدخول في الإسلام أو حتى على قول الشهادتين ليتمتع بكافة الحقوق المدنية والسياسية .إلا إذا أراد أن يتمتع بالمكاسب والمنافع المادية الناتجة عن الفتوحات . وهذا مايتوجب على الأخوان المسلمين وغيرهم ممن يحللون دم غيرهم .تفهمه وبما قد يجعلهم يعيدون النظر في فهمهم للدين ,والأسس التي التي تقوم عليها الدولة حتى لو كانت إسلامية .
وبما أن النبي عندما أعطى لأبي سفيان وبيته مكانة ومنزلة خاصة أقوى من منزلته السابقة قبل الاسلام ( المتمثلة بحمل راية قريش ) أيام حكومة الملأ في دار الندوة , والتي ظلت قائمة ممثلة برجالها القدامى المؤمنين بالدين الجديد مثل أبوبكر وعمرو عثمان وعلي ,وغيرهم ممن لم يؤمنوا مثل أبو سفيان وأبو جهل خلال فترة حكم الخلفاء الراشدين . ويكون في الوقت ذاته شرع له ولأبنه معاوية من بعده أن يظل زعيما للعرب ولقريش خلال حياته وبعد وفاته.باعتبار أنه كان يعرف أنه كان أقدر على قيادة الأمة في الحرب كونه رجل حرب وكان يحمل رايتها (ممثلة بالعقاب )ويتقدم على الجميع أثناء الغزو .
ثانيا :إن الخلاف حول مسألة من يحق له أن يخلف رسول الله .ولد إشكالية أخرى لم يتم حسمها حتى اليوم . وهي تتعلق بمن هو الأحق أومن هو الأجدر بحكم العرب وغيرهم بإسم الاسلام ؟ ومن المؤكد أن النبي محمد لم يتركها معلقة كما يعتقد البعض طالما أن هناك نص يؤكد على الشورى .
وهنا نسأل هل الخلافة تكون استنادا لما جاء في القرآن الكريم "وأمركم شورى بينكم ؟ أم استنادا لما قيل عن الرسول من أن "هذا الشأن من بعدي في قريش " ؟ (3)
والحقيقة أعتقد أن هناك تناقض واضح بين الأخذ بمبدأ الشورى الذي يتيح المجال لأي مسلم عاقل وبالغ ,تقي وورع وعادل وعارف بأصول الدين ومعروف ومجرب ( وليس إي شخص كان ) بغض النظر عن فصله وأصله ليحكم استنادا للشرع ولما جاء في القرآن , وبين الأخذ بما نقل عن الرسول الكريم ,والذي لم يؤكد بصورة قاطعة , بما يجعل الإمامة من بعده محصورة في قريش فقط . وبغض النظر فيما إذا كانوا من بني هاشم أو بني العباس أومن آل البيت فقط . فهذا القول لاينفي أحقية بني أمية في الحكم كونهم من قريش , وبغض النظرعن كونهم مسلمين صادقين ,اوعارفين بالدين ,أومتمسكين بأصوله أم لا , أوفاسدين وظلمة .
أعتقد أن المنطق والتطور التاريخي يفرضان أن تكون السلطة والقيادة (استنادا للدين الجديد وبخاصة , لما جاء في القرآن الكريم , واستكمالا لما جرى بعد وفاة الرسول .خلال فترة حكم الخلفاء الراشدين )مستندة لمبدأ الشورى القائم على الاختيار الحر .مما يفهم منه أن حصر خلافة رسول الله وحكم العرب والمسلمين ( استنادا للدين القويم ) بقريش سواء كانوا من آل البيت أو بني أمية أو بني العباس طيلة تسعمائة عام ,كان في حقيقة الامر مخالفة صريحة لنص شرعي واضح لاجدال فيه وهومبدأ الشورى .ويؤكد على أن حكم العرب قام في أغلب الأحيان على العصبية القبلية وحتى العائلية .وهذا كان أحد اسباب ضعف وانهيار الدولة .
قد يكون تسلم زمام الحكم من قبل أبو بكر وعمر حصل لأنهما كانا الأقدر على قيادة الأمة وجعلها تنتصرعلى أعظم امبراطوريتين عرفهما التاريخ القديم . ومن هذه الزاوية فإن تسلم معاوية ابن أبي سفيان المعروف بالداهية والحامل لراية الحرب للحكم من بعدهم . قد يكون أجدى للعرب وللإسلام آنذاك .(الدين الجديد ) والذي توسع في عهد الأمويين والعباسيين واستمر في ظل الحكام العثمانيين الأقوياء . كونهم الأقدرعلى تسلم السلطة من العباسيين والعرب والقريشيين بعد أن وهنوا ودبت الخلافات فيما بينهم (4) .استنادا للدين الذي أمنوا به بما مكنهم وجعلهم قادرين على قيادة الأمتين العربية والاسلامية والقيام بفتوحات واسعة رغم عدم كونهم عرباً ولا قرشيين ولا حتى من آل البيت.
ومن هنانؤكد على ان التعصب القبلي الواقع , هو الذي جعل الحكم محصورا في قريش طيلة تسعمائة عام , ويعطي مؤشرا على مدى تأثر المنطقة بالعصبية القبلية والعائلية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم .والتي حذرنا منها الله ورسوله الكريم . وللأسف فإن العصبية القبلية عادت للظهور من جديد من خلال سعي الوهابيين وآل سعود عام 1775 ,ثم آل الحسين بن عون ,ومن سموا بالهاشميين الذين تحالفوا مع اليهود والانكليزليحكموا الحجازثم العراق وشرق الأردن والحسينيين ليحكموا فلسطين في ظل الانتداب البريطاني . وهو ماجعل الفرس المتعصبين ( الإيرانيين الإثنى عشرية والخمينيين ومن خلفهم الشيعة بفروعهم المختلفة ) يعملون أيضا ـ على تسلم السلطة باسم المظلومية التي تعرض لها آل البيت والفرس على يد الأمويين والعثمانيين ., مع أن المظلومية التي طالت الأنصار والخوارج وكثير من القبائل العربية الكبيرة , أكثر مما طالت بني هاشم ممثلين بعلي ابن أبي طالب,والحسن والحسين وآل البيت والأئمة كلهم وأتباعهم ( الاسماعلية والزيدية والجعفرية ) ,وليس الشيعة الأثني عشرية فقط . متخذين من أحقية آل البيت في الحكم وسيلة للسيطرة ولإعادة حكم العرب والمسلمين ,مستندين على عصبية قومية فارسية مماثلة لعصبية الأمويين والعباسيين والاترك .
وهنا أجد أنه لابد من التذكير بحقيقة جرى ويجرى تجاهلها مع أنها قضيةأساسية تفقد تلك المظلومية أساسها التاريخي والموضوعي . كون علي ابن أبي طالب كان عمره وقت وفاة النبي 33 سنة , في حين أن عمر أبو بكر كان يومها 62 عاما ,وعمر عمر ابن الخطاب 52 عاما .وعُمر عثمان ابن أبي عفان 58 سنة .و من غير المعقول أن يتسلم أصغرهم سنا قيادة الأمة والقبائل العربية خاصة إذا ماأخذنا بعين الاعتبارمراعاة العرب وغيرهم لكبار السن وتقديرهم لهم .ونذكر أيضا بأنه لو كان عليا كرم الله وجههه رافضا لخلافتهم وقيادتهم لما تزوج من بنات عمر وابوبكر , ولما كان سمى أبنائه بأسمائهم مما ينفي صحة المزاعم التي روجها البعض عن خلاف مزعوم بينه وبينهم .مما قد يجعلنا نستنج بأن الخلاف بينه وبينهم ,كان بالأساس أمرا مختلقا وقد اختلقة الفرس للتغطية على معاداتهم للعرب ممثلين بعمر وابوبكر وعثمان وبيت أبي سفيان كونهم يمثلون الأرستقراطية العربية التي هزمت الفرس .
ومن الحقائق التاريخية المثبتة :هي أن عداء الفرس للعرب والعروبة استمر طيلة التاريخ اللاحق لغياب محمد المهدي . والذي ثبت وتجسد بتعاونهم مع المغول أثناء غزو بغداد عام 1258 واستمر طيلة فترة حكم العثمانيين للعرب . خاصة ـ في الوقت الذي كان فيه اليهود الصهاينة يعملون بالتعاون مع الدول الغربية وتحديدا بريطانيا على تدمير وتفكيك الدولة العثمانية ليقيموا دولة لهم على أرض فلسطين خلال القرن التاسع عشر .وهو ماتجلى حاليا بسعي الفرس إلى إعادة السيطرة على الوطن العربي بدلا من الأتراك والأوربيين باسم الإسلام.مستغلين المظلومية التي لحقت بآل البيت والشيعة العرب لاحقا .
وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل :هل كان ثمة توافق ما بين المعادين للعرب . أم أنها مجرد صدفة تاريخية تعكس توافق فكري وتعصب قومي ,أكثر مما تعبر عن تنسيق مسبق بينهم ؟ وقد يدفعنا الامر إلى إعادة النظر في صحة هذه المظلومية التاريخية التي يزعم الشيعة العرب والفرس أنهم تعرضوا لها . ووهومايجعلنا أميل إلى الإعتقاد أنهم اتخذوا مما تعرض له الحسين ونسله من بعده , ذريعة للانتقام من العرب لما حل بهم بعد هزيمة كسرى الفرس قبل 1400 عام .أو حجة تدفع الناس إلى التعاطف معهم ليعودوا ويحكموا الوطن العربي .كما فعلوا سابقا لمئات السنين قبل ظهور الإسلام تحت غطاء رد المظلومية التي لحقت بآل البيت وإعادة الحق إلى نصابه كما يعتقدون ويروجون هم وأغلب اليساريين والشيعة العرب ؟ وهنا نسأل ماعلاقتهم كفرس بآل البيت العرب حتى ينتقموا ويثأروا لهم ؟ ومن أعطاهم هذا الحق ؟وما علاقة عرب وسنة اليوم بما حصل قبل 1400 عام ؟
ألا يذكرنا هذا بحالة الرهاب من الإسلام والمسلمين التي يعاني منها الغرب ( الإسلاموفوبيا ) حاليا ,والتي صنعها الاعلام الغربي والصهيوني ليتخذ منها ذريعة لإذلال العرب والمسلمين .أو للإنتقام من المسلمين وخاصة ـ العرب . لما فعله العرب بالروم عام 636 م ,ومما فعله الترك السنة بالبيزنطيين والغرب قبل 500 عام . وهنا نتوقف لنسأل لماذا بات الرهاب من الإسلام مقتصرا على العرب والمسلمين السنة فقط ,ومرتبطا بهم أكثر مما هو مرتبط بالإسلام الشيعي وموجها ضدهم فقطوليس ضدالشيعة مع أنهم مسلمين ؟؟
وإذا عدنا مجددا إلى الربط بين الماضي والحاضر فإننا نسأل :هل يعيد التاريخ نفسه بشكل أكثر مأساوية ؟ ألا يتداخل التاريخ القديم وثاراته مع الأحداث الجارية حاليا على أرض العراق وبلاد الشام وتحديدا في سوريا حيث تحالف الفرس والبيزنطيين والصليبين والمغول والتتر( الروس اليوم ) ضد العرب قبل سبعمائة عام ؟ هل ثمة رابط ما بين نزعة الفرس للنهوض استنادا لمبدأ ولاية الفقيه الولي ( الذي يتمتع بصلاحيات الأئمة المعصومين ,أو بصلاحيات النبي المرسل ) لاستعادة هيمنتهم على العرب وبين مايجري على أرض العراق وسوريا ولبنان واليمن حاليا ؟
من يستطيع أن ينفي الدور الخطير للفرس فيما جرى ويجري في العراق واليمن ولبنان وسوريا وفي تدمير هذه البلدان وشعوبها ؟ أودورهم في تصلب موقف العلويين والأسد وتمسكهم بالسلطة ,استنادا لهذه المظلومية التي تعرضوا لها ,وفي دعمهم للأسد لقتل وتهجير العرب السنة , حتى لو أدى الأمر إلى تدمير سوريا كما فعلوا بالعراق من قبل ؟ والطريف أن ذلك يحدث اليوم بحماية من الروس والصينيين ( تتر ومغول العصر الحديث )و بصمت مريب للغرب وأمريكا ( صليبيي العصر الحديث ) .
ثالثا :وهنا لابد من التأكيد على أن المظلومية التاريخية أي" الشعور بالظلم " لم تلحق بآل البيت وتابعيهم فقط , بل بعامة المسلمين والعرب ,من كافه الديانات . فعندما حكم القرامطة ( الاسماعيليين) الخليج العربي والبحرين وجنوب العراق. والطاهريين والصفاريين والصفويين والعلويين بلاد ماوراء النهر ,والفاطميون والشيعة الثنى عشرية والخمينيون إيران لم يكن حكمهم أكثر عدلا من السنة , بل ألحقوا بمن حكومهم من السيعة ,وبغيرهم من العرب والمسلمين , وبمن والاهم .وبمن جاورهم مظالم أشد فداحة من المظالم التي ألحقها الأمويين أوالعباسيين أو العثمانيين بهم . والمظلومية التي زعم العلويين أو الشيعة أو الدروز أو الأكراد أنهم تعرضوا لها , أو لإبعادها عنهم ,عادوا بعد أن تسلموا الحكم ,ليمارسوا الظلم ضد غيرهم بشكل أسوأ وأشد فداحة بحجة الحيلولة دون وقوعها عليهم مرة أخرى. ونؤكد هنا على أن المظلومية التي تعرضت لها كل الأقليات ـ في فترة حكم العرب السنة ـ لاتقل عن المظلومية التي يتعرض لها السنة والمسيحيين الأشوريين والصابئة والإيزيديين والأكراد في ظل حكم الفرس والشيعة والعلويين والزيدين في سوريا والعراق واليمن مؤخرا.
وهذا ماجعلنا نبحث في الأساس التاريخي والاقتصادي للظلم والاستبداد ,لنتوصل إلى نتيجة قد تفسر بشكل علمي الاسباب الموضوعية والتي تشير إلى أن الأساس الاقتصادي والاجتماعي لجميع من حكموا باسم الاسلام ( سواء كانوا سنة أو شيعة فاطميين أو اسماعليين أو زيديين ,أوهاشميين ,أو سعوديين أو علويين ) كان ومايزال يستند على النظام الريعي .الذي لم يمسه أحد ولم يتغيرمنذ ماقبل الإسلام و حتى اليوم .فهذا النظام الريعي القائم على سيطرة الدولة و رأسها على كل فائض الانتاج الناتج عن عمل الفلاحين والعمال والحرفيين والتجار ممثلا بالخراج والجزية والعشور والمكوس التي تجبى من التجار وعلى البضائع التي تمر في البلد , ومن ثم توزيعها على الحكام والأمراء وومن يعينهمالسلطان من موظفين ,لابد أن يفرز الاستبداد والمحسوبية ويشجع على الفساد والانتهازية ويزيد الظلم ويخلق نمطا من التفكير يقوم على الفكرالجامد المستند على الحياة الرعوية وحياة القنص .وهم ما جرى طوال تاريخنا الطويل وعبر حكامنا العرب الذين مازال أغلبهم يستندون على ذات النظام لكن لمصلحة غيرهم .مما جعلهم يلحقون بشعوبهم ظلما أشد وأفدح . وبغض النظرعن انتماءهم المذهبي أو الطائفي .فالنظام الاقتصادي والسياسي الحالي القائم على التبعية للنظام الأمبريالي العالمي . يقوم على الأسس ذاتها الي قام عليها النظام الريعي القديم لنهب الفائض العام لمصلحة القوى الأمبريالية والتابعين لهم . وأنه لذلك لابد أن يفرز حكاما طغاة ومستبدين وظلمة وفاسدين . والمظلومية ضمن هذه الرؤية ,والتي اعتبرت سببا رئيسيا للخلاف التاريخي بين السنة والشيعة ليست سوى مبرر واهي للمتعصبين دينيا أو قبليا أوطائفيا ليتوصلوا إلى الحكم ليغتنوا .ونؤكد على أنها عبر التاريخ كانت تتخذ من الدين غطاء لتحقيق أهداف سياسية ومصالح دنيوية لاعلاقة لها بالدين الحنيف . من خلال السيطرة على السلطة أو للإستيلاء على الحكم .
وهنا لابد من الإشارة إلى أن نهب الفائض العام ,الناتج عن عمل المنتجين لصالح الطفيليين .كان ومازال قائما على نطاق العالم بدرجات متفاوته , سواء كان النظام عبوديا أو إقطاعيا أو رأسماليا أواشتراكيا . بدليل أن أعضاء الحزب الشيوعي السوفيتي السابق الذين حكموا باسم الاشتراكية وطبقوا الدكتاتورية على شعوبهم ,باسم ديكتاتورية البروليتاريا شكلوا مع تجار السوق السوداء والعملة طبقة طفيلية ,كانت أكثر المستفيدين من الثروة العامة التي أدت إلى نشر الفساد وكانت سببا في إسقاط النظام السابق ليستولوا على السلطة ويتحولوا إلى رأسماليين وأمبرياليين أكثر وحشية .
ومن هنا نعود لنؤكد على ان حكم الدولة الذي كان يفترض أن يقوم على مبدأ الشورى .أي الاختيار الديمقراطي حاليا ( الاختيار الحر من قبل المواطنين الراشدين لنظام الحكم والحاكم )ومبدأ العد ل ( العدالة الاجتماعية القائمة أساسا على المساواة بين جميع بني البشر بغض النظر عن فصلهم وأصلهم ودينهم ومذهبهم وطائفتهم وعرقهم ولون بشرتهم ولغتهم وعلى أساس تأمين الحد الأدنى من توزيع الثروة بالعدل والتساوي ,بين المواطنين أو بين عامة البشر حسب جهدهم) هو الذي كان يجب النضال والعمل عليه دون انقطاع وهو الحل الامثل لمشكلات العرب التي عصفت وما زالت تعصف بهم . كما لغيرهم من الشعوب .
والأمثلة التاريخية المثبتة كثيرة . فما جرى في سوريا (على سبيل المثال لا الحصر ) أن أغلب الضباط العلويين المتعصبين وغيرهم من أبناء الأقليات والأرياف الذين دخلوا الجيش ومن ثم تسلموا السلطة من خلال الإنقلابات . قد استخدموا أبناءلأرياف خاصة العلويين والدروز والاسماعيليين الفقراء . ليثروا ويغتنوا هم فقط .وبأنهم إذ استعانوا بغيرهم من السنة والمسيحيين وأبناء الأرياف المهمشين ,فإنما تم ذلك لاستخدامهم وقودا لهم في حربهم ضد الجميع ,وليحتكروا الثروة العامة ( القطاع العام ) ,وليتحولوا بعدها إلى طفيليات تسوم الناس العذاب والظلم . وهم في الواقع لم يلحقوا الظلم بعامة السنة والإسماعليين والدروزوالمسيحيين والكرد السوريين فقط ,بل بأغلب العلويين قبل غيرهم والدليل واضح وجلي في حياة أغلب فلاحي قراهم الجبلية أو النائية والمهملة حتى اليوم .ومن المؤسف أن نقول أن نقمة كثير من السوريين المفقرين والمهمشين والمنهوبين , من جميع الأقليات ـ خاصة السنة الجهلة ـ لم تنصب على محتكري الثروة العامة في هذا النظام سنة وعلويين ,بل على العلويين كلهم دون تمييز.
وأما عن الظلم الذي تمت ممارسته على الشعوب باسم السلطة و التي حكمت باسم الوحدة والحرية والاشتراكية فحدث ولا حرج وخصوصا القوميين والبعثيين الذين اتخذوا من مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية وتحرير فلسطين والمقاومة للمشروع الصهيوني ذريعة لحكم الشعب الذي قد يكون مؤمن حقا بهذه الشعارات ودعم السلطة أملا بتحقيق أحلامه في الحرية ولكن السلطة الحاكمة والمسيطرة على النظام لم تقدم خلال فترة حكمها ما يدل على التوجه الحقيقي لتلك الشعارات ولم يحققوا أيا من أهدافهم التي حكموا الناس على أساسها بل سعت الى البطش بكل المعارضات التي قد تشكل خطرا على حقيقة مخططاتها في السيطرة على مقدرات البلاد التي حكمتها .
الهوامش
(1)وهو ماأكدت عليه الآية الكريمة التي نصها: ﴿ لَا إِكْرَ‌اهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّ‌شْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ‌ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْ‌وَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة البقرة آية256
(2) قوله تعالى ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ [سورة الكهف آية 299 .
(3) {وفقا للحديث المرفوع عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُعْدُبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ خُطْبَةً ، قَالَ فِيهَا : إِنَّ فُلانًا وَفُلانًا ، قَالا : " لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ ، بَايَعْنَا عَلِيًّا فَتَمَّتْ بَيْعَتُهُ ، فَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا ، وَكَذَبَا وَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً ، وَلَقَدْ أَقَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَهُ وَاخْتَارَهُ لِدِينِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَالَ : يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ ، فَهَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ كَمَا تُقْطَعُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ؟ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ ، فَإِنَّهُمَا أَهْلٌ أَنْ يُقْتَلا ، وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ ، لَيَكُفَّنَّ الرِّجَالُ أَوْ لَيُقْطَعَنَّ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَلَيُصْلَبَنَّ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، وَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَبَضَ رَسُولَهُ ، اجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَتَكَلَّمَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ : نَحْنُ الأَنْصَارُ ، وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ هُنَا ، وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُخْرِجُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَيَغْصِبُونَا أَمْرَنَا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَرَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ ، وَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَمَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي إِلا قَالَهَا مَعَ أَمْثَالِهَا حَتَّى سَكَتَ ، فَقَالَ : مَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ ، وَنَحْنُ بَعْدُ مِمَّنْ نَحْنُ مِنْهُ ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا الشَّأْنُ بَعْدِي فِي قُرَيْشٍ " ، فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ : قَدْ نَعْرِفُ لَكُمْ فَضْلَكُمْ ، وَلَكِنْ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَذَلِكَ أَحْرَى أَلا يُخَالِفَ أَحَدٌ مِنَّا صَاحِبَهُ ، فَإِلا تَفْعَلُوا فَأَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ ، ثُمَّ قَالَ بُشَيْرُ بْنُ سَعْدٍ : الأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كَشِقِّ الأُبْلُمَةِ ، فَقُلْتُ : أَنْتَ أَيْضًا يَا أَعْوَرُ ؟ نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ " ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَرَغِمَ أَنْفِي ، قُلْتُ فَفِيمَ الْكَلامُ ؟ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَدْعُوكُمْ إِلَى أَيِّ الْمُهَاجِرِينَ شِئْتُمْ ، عُمَرَ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَهِيَ الَّتِي كَرِهْتُ مِنْ كَلامِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلأَنْ أُقَدَّمَ فَيُضْرَبُ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُزِيلَهُ عَنْ مَقَامٍ أَقَامَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : نَحْنُ الأُمَرَاءُ ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ وَإِخْوَانُنَا فِي الدِّينِ ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ نَزْغَ الشَّيْطَانِ " ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ مَعْنٌ يَقُولُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ لا أَمُوتَ حَتَّى أُصَدِّقَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا ، وَاسْتَشْهَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، بِنَحْوِهِ }.
(4 ) والعثمانيين عندما أسسوا الخلافة العثمانية ابتداء من عثمان بن أرطغرل ولمدة تقريبا 600 عام من عام 1299 ولغاية 1923 كانوا قد تسلموا الحكم من بني العباس عندما وهنوا وضعفوا واستمروا في الفتوحات وفتحوا القسطنطينية ووصلوا حدود فيينا.
فتحي رشيد 28 / 4 / 2017